كلمةٌ إلى من قرأ ما سبق ولم يقتنع
أخاطبك أنت وحدك: أنت الذي قرأ ما سبق فلم يقتنع، أو الذي خرج من دينه فعلًا. ولستُ أتكلّم عنك إلى غيرك كأنّك حالةٌ تُدرَس، ولا أفترض في سؤالك خفّةً.
وأربعةُ أشياء أقولها لك صريحةً:
١. أنت لم تُوهَم بجملة. يظنّ بعضُ الناس أنّ الخارجَ من دينه خرج بجملةٍ واحدةٍ خُدع بها، وأنّه سيرجع في أوّل نقاشٍ جادّ. وفي هذا الظنّ افتراضان غيرُ صحيحين: أنّه خُدع، وأنّه لم يدخل نقاشًا جادًّا بعد. وقد رأيتُ فيمن قرأتُ لهم أنّ أكثرَهم خرج بعد قراءةٍ طويلة. ورأيتُ فيهم من دفع في أهله وعمله ثمنًا لا يدفعه من يبحث عن مخرجٍ سهل. وما رأيتُه عيّنةٌ لا مسحٌ، فخذه على قدره، ولا أعمّم هذا على من لم أقرأ له. فلا أفترض في سؤالك خفّةً، ولا في خروجك تسرّعًا.
٢. والسؤالُ لا يترقّى بمن نطقه. خذ سؤال «من خلق الله؟»: لا يصير جادًّا حين يقوله أستاذُ فلسفةٍ من فوق كرسيّه، ولا يكون تافهًا حين يكتبه شابٌّ في تعليقٍ على الإنترنت. فالاعتراضُ يُقوَّم بمضمونه لا بقائله. وأسماءُ الفلاسفة تدلّك على أين تقرأ تفصيلَ الاعتراض، ولا تمنحه إذنًا بأن يكون جادًّا. والذي سأل هذا السؤالَ في تعليقٍ وهو ابنُ تسعةَ عشرَ عامًا سأله كاملًا، وإنّما لم يجد من يجيبه.
٣. والحجّةُ الفلسفيّةُ على وجود الله لا تبلغ بك دينًا. فلو تمّت هذه الحججُ كلُّها لما أثبتت أكثرَ من أنّ ثمّ شيئًا لا بدّ أن يوجد، وجودُه من ذاته لا من غيره. ولا تقول لك ما هو، ولا أنّه كلّفك بشيء، ولا أنّه أرسل كتابًا. وبين هذا وبين «فصلِّ خمسَ صلواتٍ وصدِّق هذا الكتابَ بعينه» المسافةُ كلُّها. وهذه المسافةُ تُقطع بالنبوّة ودلائلِها، لا بحجّةِ الوجود مهما تمّت. وإنّما كلامي ههنا في حدّ هذه الحجّة، لا في أنّ الطريقَ ينقطع عندها. ولا أحدَ يترك دينَه لأنّ برهانًا فلسفيًّا على وجود الله لم يُقنعه، كبرهان الإمكان الذي مرّ في الفصل الخامس. وبرهانُ الإمكان هو الحجّةُ القائلةُ إنّ الأشياءَ التي تأخذ وجودَها من غيرها تحتاج في النهاية إلى موجودٍ وجودُه من ذاته.
فأين يقع الخروجُ إذن؟ رأيتُ فيمن قرأتُ لهم وحادثتُهم أنّ الخروجَ يقع عند أربعة أبواب. وما رأيتُه عيّنةٌ لا مسحٌ، فخذه على قدره. وأصوغ هذه الأبوابَ بعبارتي أنا، لا نقلًا بحروفه عن قائلٍ بعينه. ولا أُخفّف منها شيئًا. ولا أُقرّ بصحّةِ واحدةٍ منها:
- يقول قائلُهم: كيف يكون الخلودُ في النار جزاءً لذنبٍ ينتهي؟
- ويقف آخرُ عند آيات الرقّ والسبي، فلا يستطيع حملَها.
- ويقول ثالثٌ إنّه قرأ النصَّ الذي قيل له إنّه لا يشبه كلامَ البشر، فبدا له أنّه يشبه زمانَه ومكانَه.
- ويقول رابعٌ إنّ أوّلَ من علّمه كذب عليه في أمرٍ استطاع أن يفحصه بنفسه.
وهي دعاواهم كما بلغتني، أُسمّي بها مواضعَ النزاع. وتجد الكلامَ في سؤال النار في الفصل التاسع عشر، وفي الرقّ في الفصل العشرين، وفي سؤال النصّ نفسِه في البابِ الأخير «هل تكلّم اللهُ حقًّا؟».
والأسئلةُ الفلسفيّةُ لا ينتهي الجدلُ في أكثرها إلى إلزامٍ يُسلّمه الخصمُ مضطرًّا، وقد لا تمسّ سببَ خروجك أنت. وهذا وصفٌ لحال الحجّة في المناظرة، لا حكمٌ على المسألة في نفسها: فعجزُ حجّةٍ بعينها عن الإلزام شيءٌ، واستواءُ الحقّ والباطل شيءٌ آخر. ولو كنتُ أرى الكفّتين سواءً ما كتبتُ سطرًا واحدًا في هذا الكتاب.
٤. وما الذي يغيّر رأيي أنا؟ أربعةُ أشياء بأعيانها. ومن سُئل هذا السؤالَ فأجاب «لا شيء»، جعل الحوارَ شكليًّا لا حقيقيًّا:
- أن يثبت أنّ مجموعةَ قوانين الطبيعة هي الوحيدةُ الممكنةُ منطقيًّا، أي أن توجد نظريّةٌ نهائيّةٌ لا بديلَ لها يخلو من التناقض. فإن صحّ ذلك سقط سؤالُ «لماذا هذا الانتظامُ دون غيره؟». ولا يكون سقوطُه تأجيلًا للجواب، بل إبطالًا للسؤال نفسِه. وهذا أقوى ما يواجه القولَ بأنّ العالمَ منتظمٌ انتظامًا يقبل الوصفَ الرياضيَّ المختصر.
- أن يُعطى تفسيرٌ للاطّراد لا يفترضه في أثناء تفسيره. و«الاطّراد» أن تجري الطبيعةُ غدًا كما جرت اليوم، وهناك كما تجري هنا.
- ومسألةُ الشرّ، وهي أقوى ما يُعترض به عليّ. وقد غيّرت عندي أشياءَ فعلًا: ترتيبَ الحجج، وردَّ ما كنتُ أحسبه جوابًا كافيًا. ولا أزعم أنّي أملك فيها جوابًا يُسكت. وموضعُها الفصلُ الثاني عشر؛ فإن كانت هي سببَك فارجع إليه.
- وفي الدين المعيَّن: أن يوجد في نصّه خطأٌ لا يُدفع إلا بتأويلٍ أعرف وأنا أسوقه أنّي أتكلّفه. وأعني الفحصَ نفسَه الذي فحصتَ به أنت دعوى من علّمك، فالميزانُ واحدٌ بيني وبينك. وأمّا ما انتهى إليه فحصُك أنت فمسألةٌ أخرى. وهذا هو الموضعُ الذي رأيتُ الخروجَ يقع منه فيمن قرأتُ لهم، على قدر عيّنتي لا على قدر مسحٍ.
فإن أردتَ أن تعرف هل أناور: هذه أربعةُ مواضعَ أضع فيها رقبتي. ولك أن تحكم عليّ بها، لا بنبرتي.