تخطَّ إلى المحتوى

٦. هل للكون بداية؟

السؤال: هل للكون بداية؟ وإن كانت له بداية، فهل يلزم أن يكون لها سبب؟

الجوابُ باختصار: أمّا الفيزياء فلا تحسم المسألة. فنماذجُها لا تزال موضعَ بحثٍ ونزاعٍ بين العلماء. وأقوى مبرهنةٍ يُستشهد بها هنا مشروطةٌ بشرط، ولا تتناول الوجودَ كلَّه. وأمّا الميتافيزيقا، أي البحثُ العقليّ فيما وراء الطبيعة، فالحجّةُ فيها محكمةُ الصورة. لكنّ ثقلَها كلَّه على مقدّمةٍ واحدةٍ حدسيّة، أي نجدها في أنفسنا ولا نملك عليها برهانًا. ومن ربط دينَه بنموذجٍ فيزيائيّ فقد راهن بما لا يملك.


أوّلًا: حجّةُ الغزاليّ — العالمُ حادث، فله سبب

صاغ العالمُ المسلمُ أبو حامد الغزاليّ حجّةَ علماء الكلام في ثلاث جمل:

  • العالمُ حادث.
  • وكلُّ حادثٍ لا بدّ له من سبب.
  • فللعالم سبب.

ومعنى «الحادث» في كلامهم: ما وُجد بعد أن لم يكن موجودًا. وثقلُ هذه الصياغة في إثبات أنّ العالم حادث، لا في تقرير أنّ لكلّ حادثٍ سببًا. فالثاني كان عندهم قريبًا من البديهيّ، والأوّلُ هو الذي بذلوا فيه الجهد.

١٢ · الشرخُ في الجدار. ترى شرخًا في جدار غرفتك، فتعرف أنّه حادث، لأنّك تذكر الجدارَ قبل أن يكون فيه. وسؤالُ «متى حدث؟» له جوابٌ من حيث المبدأ، وسؤالُ «بمَ حدث؟» كذلك.

*وحدُّ هذا المثال:* الجدارُ قائمٌ في زمنٍ يسبق الشرخ، أمّا السؤالُ عن حدوث العالم فيقع على الزمن نفسِه: هل كان قبله زمن؟ وهذا الفرقُ أخطرُ ما في هذه المسألة كلِّها.

ومن هم «علماء الكلام» هؤلاء؟ المرادُ بهم ههنا متكلّمو أهل السنّة: الأشاعرةُ والماتريديّة. ودليلُ الحدوث أصلٌ مقرَّرٌ عندهم، وصورتُه هي التي تقدّمت. وممّن حرّرها إمامُ الحرمين الجوينيُّ في «الإرشاد»، والغزاليُّ في «الاقتصاد في الاعتقاد». ولفلاسفة المسلمين صورةٌ أخرى، هي دليلُ الإمكان: ما جاز وجودُه وعدمُه فلا بدّ له من واجبٍ يقوم به وجودُه، وهي صياغةُ ابن سينا ومن تبعه، وهي حجّةُ الفصل الذي قبل هذا. فالصورتان صورتان لا صورةٌ واحدة: هذه تبدأ من الحدوث، وتلك تبدأ من الإمكان. وما يُسمّى اليومَ «الحجّةَ الكونيّةَ الكلاميّة» مأخوذٌ من دليل الحدوث، ومنه أخذ اسمَه.

ثانيًا: حجّةُ كريغ — ثلاثُ جمل، وما يُضاف بعدها ليس منها

ويصوغها الفيلسوفُ الأمريكيّ وليام لين كريغ، من أشهر المدافعين عنها في زماننا، هكذا:

  • كلُّ ما بدأ وجودُه فله سبب.
  • والكونُ بدأ وجودُه.
  • فللكون سبب.

وهذا هو البرهانُ كلُّه. وكلُّ ما تسمعه بعده خطوةٌ منفصلة، يُعترض عليها وحدَها، وليست جزءًا من البرهان. ومن ذلك قولُهم: إنّ سببَ الزمان والمكان والمادّة لا يكون زمانيًّا ولا مكانيًّا ولا مادّيًّا. وإنّه إمّا شيءٌ مجرّدٌ كالأعداد، وإمّا عقلٌ مريد. وإنّ المجرّدَ كالأعداد لا يُحدث شيئًا، فهو إذن عقلٌ مريد.

وأوّلُ ما يُعترض عليه في هذه الخطوة القسمةُ نفسُها. من أين لنا أنّه لا احتمالَ ثالثَ بين شيءٍ مجرّدٍ كالأعداد وعقلٍ مريد؟ أي: من أين لنا أنّه لا يكون هناك شيءٌ ليس بواعٍ ولا مجرّد؟ فمن حصر الاحتمالات في اثنين فعليه أن يأتي بدليلٍ على هذا الحصر، قبل أن نناقش ما بناه عليه. وهو كمن يقول لك: الكوبُ الذي انكسر كسره إمّا أخوك وإمّا القطّ، والقطُّ نائم، فأخوك هو الذي كسره؛ وقد تكون الريحُ هي التي أسقطته. وبعد القسمة خطوةٌ أخرى تليها في الضعف: الانتقالُ من «سبب» إلى «سببٍ مريد». فمن سمع في آخر البرهان «إذن هو الله»، فقد سمع ما ليس فيه.

ويستند كريغ في إثبات المقدّمة الثانية، أي أنّ الكون بدأ وجودُه، إلى ثلاثة أسناد: حجّتين عقليّتين، وتأكيدٍ واحدٍ من العلم ١:

  • أنّ عددًا لا نهايةَ له من الأشياء لا يمكن أن يوجد في الواقع وجودًا حقيقيًّا.
  • وأنّ مثل هذا العدد لا يمكن أن يتكوّن بإضافة شيءٍ بعد شيء، حتى نصل إلى اليوم.
  • والتأكيدُ العلميّ، وتُناقَش فيه مبرهنةُ بورد وغوث وفيلينكين. ويرد فيه «القانونُ الثاني للحرارة» مبدأً يستبعد به النماذجَ التي يتمدّد فيها الكونُ وينكمش مرّةً بعد مرّة، لا سندًا مستقلًّا. ومعنى هذا القانون في صورته المبسّطة أنّ الطاقةَ النافعة تنفد بمرور الزمن، كما يبرد كوبُ الشاي المتروك على الطاولة.

ثالثًا: أقوى الردود على حجّة الحدوث

١ · «بدأ» كلمةٌ واحدةٌ لمعنيين، وهذا مفتاحُ المسألة

لكلمة «بدأ» في كلامنا معنيان لا نفرّق بينهما، لأنّهما لا يفترقان في حياتنا:

  • الأوّل: كان هناك زمنٌ لم يكن الشيءُ فيه موجودًا، ثمّ صار موجودًا.
  • والثاني: للشيء حدٌّ أوّلُ في الزمان، وليس قبل ذلك الحدّ زمنٌ أصلًا.

وحدسُنا كلُّه مشدودٌ إلى المعنى الأوّل، والدعوى في المعنى الثاني. ولذلك يقول الفيلسوفُ الأستراليّ غراهام أوبي وفيلسوفُ العلم أدولف غرونباوم إنّ الإشكالَ الذي نشعر به إشكالٌ في صورةٍ لا وجودَ لها. فإن كان الزمانُ جزءًا من العالم، فليس هناك لحظةٌ سابقةٌ يفعل فيها سبب، ولا انتقالٌ من عدمٍ إلى وجود، ولا «صيرورةٌ» يُطلب لها سبب. فمعنى «البدء» حينئذٍ أنّ للعالم حدًّا أوّل، لا أنّه صار موجودًا بعد أن لم يكن. فالمسألةُ عندهما زائفة، وليس الأمرُ أنّ جوابها خاطئ. أي أنّ الحدس الذي يشدّك إلى طلب سببٍ للبداية يعمل على صورةٍ غير موجودة ٢.

١٣ · أوّلُ لقطةٍ في الفيلم. أعدتَ فيلمًا على هاتفك إلى أوّله، فوقف المؤشّرُ على الصفر. فماذا كان يجري في الفيلم قبل ذلك بدقيقة؟ السؤالُ نفسُه لا موضعَ له: ليست هناك دقيقةٌ سوداءُ قبل الدقيقة الأولى، وليس في زمن الفيلم «قبلُ» أصلًا.

*وحدُّ هذا المثال:* للفيلم زمنٌ أوسعُ خارجَه، فيه استوديو ومصوّرٌ ويومُ تصوير؛ والدعوى بأنّ للكون بدايةً لا تستلزم زمنًا أوسعَ منه. وهذا نفسُ ما نختلف فيه، لا نتيجةٌ نصل إليها.

١٤ · أوّلُ قضيبٍ في سكّة القطار. تسأل عاملَ الصيانة: ماذا يوجد قبل المحطّة الأولى؟ فيمشي بك على الرصيف حتى ينتهي الحديد، ولا يقول لك «هناك محطّةٌ مخفيّة»، بل يقول: «السكّةُ تبدأ هنا». وسؤالُك «إلى أين نذهب إن سرنا قبلها؟» لا يجد قضبانًا يسير عليها.

*وحدُّ هذا المثال:* وراء آخرِ قضيبٍ أرضٌ تستطيع أن تمشي عليها بقدميك؛ ومن تصوّر «ما قبل البداية» فراغًا يمكن أن يقف فيه، فقد أدخل الزمنَ من الباب الذي نفاه منه.

وهذا الجوابُ في أصله مقرَّرٌ عند المتكلّمين قبل كريغ بقرون. فالزمانُ عندهم مخلوقٌ مع العالم، وليس قبله «قبلُ» إلا في تقدير الواهم. وافتقارُ العالم إلى مُحدِثٍ عندهم علّتُه حدوثُه، لا أنّ عدمًا سبقه في زمان. وصياغةُ كريغ تقريرٌ لهذا الأصل بلسان اليوم: أنّ السبب يمكن أن يكون مصاحبًا للّحظة الأولى في الزمن نفسِه، لا سابقًا عليها. وبهذا يسقط عنده اعتراضُ غرونباوم.

١٥ · حبلُ الرافعة. في موقع بناءٍ قرب بيتك رافعةٌ تحمل كتلةً من حديد. الشدُّ في الحبل والحِملُ المعلّق حاضران في اللحظة نفسِها، لم يسبق أحدُهما الآخرَ بثانية. ومع ذلك لا يقول أحدٌ إنّ الحبل لا يحمل الكتلة لأنّه لم يسبقها.

*وحدُّ هذا المثال:* حول الرافعة زمنٌ يحيط بها، فيه ما قبلُ وما بعد؛ والكلامُ في مسألتنا على حدّ الزمان نفسِه. فالمثالُ يُريك إمكانَ أن يكون السببُ مصاحبًا لنتيجته، ولا يُثبت أنّ هذا ينطبق على الحدّ الأوّل.

وحالُ المسألة بعد هذا الجواب: جوابُ كريغ ممكنٌ في التصوّر، لكنّه يعيد تأكيد المقدّمة ولا يُثبتها. فحدسُنا بأنّ لكلّ بدايةٍ سببًا صادقٌ في نطاقٍ لا نزاعَ فيه، وهو ما يقع داخل الزمان. والدعوى في نطاقٍ آخر تمامًا، هو حدُّ الزمان نفسُه. ولا حسم.

فأين تقف أنت؟ إن كنتَ تجد في نفسك أنّ لحظةً أولى بلا سببٍ أمرٌ لا يُقبل، ولو لم يكن قبلها زمن، فالمقدّمةُ الأولى عندك قائمة، وجوابُ كريغ يحفظها من اعتراض غرونباوم. وإن كنتَ ترى أنّ «السبب» لا معنى له إلا في زمنٍ يسبق فيه شيءٌ شيئًا، فقد وقفتَ مع غرونباوم. وبين الموقفين حدسٌ لا برهان.

٢ · «لكلّ ما بدأ سبب» قاعدةٌ أخذناها من داخل الكون، فهل تصحّ على الكون نفسِه؟

كلُّ «بدايةٍ» شهدناها في حياتنا بدايةُ ترتيبٍ لا بدايةُ وجود: الفقاعةُ من ماءٍ وهواء، والجنينُ من خليّتين، والحريقُ من مادّةٍ وأكسجين، والتمثالُ من حجرٍ كان في الجبل. فلم نرَ قطّ شيئًا يُوجَد من لا شيء، ولم نرَ قطّ أحدًا يُوجِد شيئًا من لا شيء. فالاستقراء، أي استخراجُ القاعدة من حالاتٍ رأيناها، لا يشهد لأحد الطرفين. وهذا حيادٌ لا يُحسب لنا.

والفيلسوفُ الأستراليّ ج. ل. ماكي يقول هذا بأمتن صيغة. وهو من أبرز من كتب في نقد أدلّة وجود الله. فالمقدّمةُ الأولى عنده ليست حقيقةً ضروريّةً نعرفها بالعقل قبل كلّ تجربة، بل قاعدةٌ عامّةٌ استخرجناها من حالاتٍ رأيناها داخل الكون. وتعميمُها على بدء الزمان نفسِه هو موضعُ النزاع، لا دليلٌ فيه ٣.

١٦ · قاعدةُ المصنع. فحصتَ ألفَ قطعةٍ تخرج من خطّ الإنتاج في مصنع، فوجدتَ كلَّ واحدةٍ منها مختومةً بختم الجودة، فكتبتَ القاعدة: كلُّ ما يخرج من هذا الخطّ مختوم. ثمّ سُئلتَ: وهل المصنعُ نفسُه مختوم؟ السؤالُ لا معنى له، والقاعدةُ لم تُصنع لتجيب عنه.

*وحدُّ هذا المثال:* المصنعُ والقطعةُ شيئان متمايزان نراهما بأعيننا، أمّا تمايزُ «الكون» عن «ما في الكون» فهو نفسُه موضعُ نزاعٍ فلسفيّ. فالمثالُ يُريك صورةَ الخطأ، ولا يُثبت أنّ الحجّة وقعت فيه.

فأين تقف أنت؟ إن رأيتَ أنّ «لكلّ ما بدأ سببًا» حقيقةٌ يفرضها العقلُ نفسُه، فهي عندك تصدق على الكون كما تصدق على ما فيه. وإن رأيتَها قاعدةً أخذناها من التجربة داخل الكون، فتعميمُها على الكون كلِّه يحتاج إلى دليلٍ لم يُقدَّم بعد.

٣ · اللانهاية: أقوى صيغةٍ للحجّة ليست «غريبٌ، إذن محال»

كثيرًا ما يُعرض مثالُ «فندق هيلبرت» في صورةٍ ساذجة: أنّ ما لا نهايةَ له غريب، فهو إذن محال. وليست تلك حجّةَ أصحابها. والمثالُ منسوبٌ إلى الرياضيّ الألمانيّ ديفيد هيلبرت، وصورتُه فندقٌ فيه غرفٌ لا نهايةَ لعددها.

فالصيغةُ الجادّة لا تقوم على الغرابة، بل على «العمليّات العكسيّة»، أي على الطرح، وهو عكسُ الجمع.

١٧ · نزلاءُ الغرف الفرديّة. في الفندق الذي لا نهاية لغرفه، كلُّ الغرف ممتلئة. أخرِج جميعَ النزلاء الذين أرقامُ غرفهم فرديّة: خرج عددٌ لا نهاية له، وبقي عددٌ لا نهاية له، والفندقُ ما زال «ممتلئًا» بالمعنى نفسِه. ثمّ أعِد التجربةَ من أوّلها: أخرِج كلَّ من رقمُ غرفته أكبرُ من ثلاثة. خرج عددٌ لا نهاية له، وبقي ثلاثة. فأنت طرحتَ العددَ نفسَه من العدد نفسِه، فخرجتَ مرّةً بما لا نهايةَ له، ومرّةً بثلاثة.

وهذه هي الحجّة: الجمعُ في الأعداد اللانهائيّة له معنًى محدّدٌ متّسق، والطرحُ ليس له معنًى محدّد. والرياضيّاتُ تحلّ هذا بأن تمنع الطرحَ فيها بالتعريف، فيستقيم نظامُها. لكنّ الطرح في الواقع لا يُمنع بتعريف: من كان في غرفةٍ خرج منها، شئنا أم أبينا. فلو وُجد في الواقع عددٌ لا نهاية له من الأشياء، لأمكن أن نُجري عليه عمليّةً فعليّةً تُعطينا نتيجتين متناقضتين. وهذا عندهم هو موضعُ الاستحالة، لا الغرابة ١.

*وحدُّ هذا المثال:* النتيجتان ليستا متناقضتين في الواقع، بل في الوصف العدديّ له. ففي الحالة الأولى بقي نزلاءُ بأعيانهم، وفي الثانية بقي نزلاءُ آخرون بأعيانهم، ولا تناقضَ في شيءٍ من ذلك. وإنّما يظهر التناقضُ إذا أصررتَ على أن يكون لسؤال «كم بقي؟» جوابٌ واحدٌ في الحالين. وذاك إصرارٌ على أن يسلك اللانهائيُّ سلوكَ المحدود. وهذا هو النزاعُ نفسُه، لا حلُّه.

والحكم: نظريّةُ المجموعات التي بناها الرياضيّ جورج كانتور متّسقةٌ رياضيًّا. ومن عدّ الأعدادَ الزوجيّة وحدَها وجدها «بعدد» الأعداد كلِّها، وهذه نتيجةٌ مستقرّة. فالاتّساقُ الرياضيّ قائم. وهذا سلاحٌ ذو حدّين: فكما لا يصحّ أن تقول «غريبٌ، إذن محال»، لا يصحّ أن تقول «متّسقٌ في الرياضيّات، إذن موجودٌ في الواقع». فالاتّساقُ الرياضيّ لا يصنع موجودًا. ولا حسم.

وأمّا الحجّةُ الثانية فهي أنّه لا يمكن أن نقطع عددًا لا نهايةَ له من الأحداث، واحدًا بعد واحد، حتى نصل إلى اليوم. ويردّها ماكي بأنّها تفترض نقطةَ بدءٍ بدأ منها العبور، وهذا نفسُ ما ينفيه القائلُ بأنّ الماضي بلا بداية ٣.

١٨ · عدّادُ المسافة في السيّارة. تسأل: كيف بلغ العدّادُ هذا الرقم؟ وسؤالُك يفترض أنّ للرحلة نقطةَ انطلاق. فمن قال «لا انطلاقَ لها» لا يلزمه أن يجيب عن سؤال «كيف قُطعت المسافةُ كلُّها؟»، بل يقول: لكلّ نقطةٍ نقطةٌ قبلها، ولا نقطةَ أولى.

*وحدُّ هذا المثال:* العدّادُ آلةٌ صنعناها وركّبناها في يومٍ معلوم، فالمثالُ يوضّح صورةَ الدعوى ولا يشهد لصدقها. وحدسُك الذي يستنكر ماضيًا بلا بداية يبقى قائمًا، لكنّه ليس حجّة.

فأين تقف أنت؟ إن رأيتَ أنّ ما يستحيل على المحدود من العمليّات يستحيل على كلّ موجودٍ في الواقع، فحجّةُ الطرح عندك قويّة. وإن رأيتَ أنّ ما لا نهاية له يسلك سلوكًا غيرَ سلوك المحدود، بلا تناقض، فهي عندك لا تقوم. والاتّساقُ الرياضيّ لا يحسم لأحدكما.

٤ · علمُ الكون لا يُلزم ببدايةٍ مطلقة

ومن أكثر ما يُستشهد به في هذا الموضع مبرهنةُ الفيزيائيّين بورد وغوث وفيلينكين، ويقدّمها بعضُ من يحتجّ بها على أنّها إثباتٌ رياضيٌّ قاطعٌ لبداية الكون. وحقيقتُها أدقّ من ذلك بكثير. فهي نتيجةٌ مشروطةٌ تصف الحركةَ وحدَها: إن كان الكونُ يتمدّد في المتوسّط، فإنّ مساراتِ الأجسام فيه لا يمكن أن تمتدّ إلى الماضي بلا نهاية، بل تنتهي عند حدّ. ويسمّي الفيزيائيّون هذه المسارات «الجيوديسيّات». ونظريّة «التضخّم» هي التي تقول إنّ الكون تمدّد تمدّدًا هائلًا سريعًا في أوّل نشأته. ومؤدّى المبرهنة أنّ هذه النظريّة لا تصف ذلك الحدَّ في الماضي، وأنّها تحتاج إلى فيزياءَ أخرى تصفه. وهي لا تتناول الوجودَ كلَّه، ولا تقول إنّ للبداية سببًا، ولا تذكر خالقًا ٤.

وأمّا الفيزيائيّ الأمريكيّ آلان غوث فهو أحدُ أصحاب المبرهنة الثلاثة. ويُنقل عنه عندنا أنّه يرجّح كونًا أزليًّا، أي بلا بداية. والدقّةُ تقتضي أن نفصل بين أمرين لا يُخلطان:

  • ما في ورقته المنشورة: أنّ التضخّم في العموم أزليٌّ إلى المستقبل، وليس أزليًّا إلى الماضي ٥. وهذه نتيجةٌ منشورة، تُقرأ في موضعها.
  • وما يقوله هو عن رأيه الشخصيّ، فيما يُنقل عنه: أنّه لا يدري أللكون بدايةٌ أم لا، وأنّه يميل إلى أنّه بلا بداية، مع إقراره بأنّ أحدًا لا يعلم ذلك. وهذا رأيٌ يُنسب إلى صاحبه، وليس نتيجةَ ورقة. فلا أبني عليه شيئًا في الاحتجاج.

فمن ساق الأوّل على أنّه الثاني، أو الثاني على أنّه الأوّل، فقد غلط. ومن نسب إلى ورقته أنّ الكون أزليّ، أسقطه خصمٌ مطّلعٌ يفتح الورقةَ في سطر.

وأمّا الفيزيائيّ ألكسندر فيلينكين فموضعُه أدقُّ ممّا يُنقل عنه عندنا.

يفحص هو وأودري ميثاني ثلاثَ صورٍ لكونٍ بلا بداية: التضخّمَ الأزليّ؛ والكونَ الدوريّ الذي يزيد حجمُه في كلّ دورة؛ والكونَ «المنبثق» الذي يُفترض أنّه كان ساكنًا منذ الأزل ثمّ بدأ يتمدّد. ويخلصان إلى أنّه لا تصلح واحدةٌ منها لماضٍ بلا بداية. وجوابُهما عن سؤال البداية: «الأرجحُ نعم» ٦. و«البداية» عندهما، بنصّ حاشية ورقتهما، أنّ مساراتِ الأجسام لا تمتدّ في الماضي بلا نهاية؛ فلا تقول الورقةُ إنّ الكون «بدأ وجودُه» بالمعنى الذي تحتاجه حجّةُ الحدوث. وهي كذلك لا تبني نشوءًا للكون بلا سبب، ولا تذكر مُبدئًا للكون.

والدعوى الحقيقيّة عند فيلينكين في موضعٍ آخر من كتابته: أنّ الفيزياء الحديثة تستطيع أن تصف انبثاق الكون بوصفه عمليّةً فيزيائيّةً لا تستدعي سببًا ٧.

فمن استشهد بفيلينكين على المقدّمة الثانية، وهي «الكونُ بدأ وجودُه»، فقد وجد عنده لفظَ البداية. وهذا يُقال له ولا يُبخس حقُّه. لكنّ البدايةَ في ورقته هي أنّ مساراتِ الأجسام لا تمتدّ في الماضي بلا نهاية، والمقدّمةُ تحتاج أكثرَ من ذلك. ثمّ إنّ الشاهدَ نفسَه يُنكر المقدّمةَ الأولى في الموضع الذي يُحتاج فيه إليها: يرى أنّ البدايةَ لا تفرض مُبدِئًا، وأنّ الحدَّ الأوّل قد يكون بلا سببٍ أبدًا. والبرهانُ لا يقوم بمقدّمةٍ واحدة. فمن نقل شاهدًا يُستشهد به لنصف البرهان ويهدم نصفَه الآخر، ثمّ سكت عن النصف الثاني، لم يخسر الحجّةَ وحدَها. بل خسر ثقةَ قارئه في كلّ ما نقل، وهي أثمنُ ممّا كسبه بالنقل.

وأمّا نقدُ نظريّة التضخّم من داخل علم الكون نفسِه، فيُنقل عندنا في صورةٍ أوسعَ ممّا يحتمل.

ورقةُ الفيزيائيّين آنا إيّاس وبول ستاينهاردت وأبراهام لوب سنة ٢٠١٣ لا تقترح بديلًا. ومؤدّاها أنّ أرصادَ القمر الصناعيّ «بلانك» ترجّح صورةً بعينها من التضخّم يسمّونها «الجهودَ الهضبيّة». وفي هذه الصورة ثلاثُ مشكلات. الأولى أنّها تزيد سوءًا مشكلةَ «الشروط الابتدائيّة»، أي الحالِ التي يجب أن يبدأ عليها الكونُ لتعمل النظريّة. والثانية أنّها تزيد سوءًا مشكلةَ «الأكوان المتعدّدة»، أي فرضَ أنّ كونَنا واحدٌ من أكوانٍ كثيرةٍ تختلف ثوابتُها، حتى لا يبقى للنظريّة تنبّؤٌ يُختبر. والثالثة أنّ الصورة المرجَّحة نفسَها بعيدةُ الاحتمال. ثمّ تدعو إلى أرصادٍ مقبلةٍ تفصل في الأمر ٨.

وأمّا البديلُ «الارتداديّ» أو «الدوريّ» فهو أنّ الكون انكمش قبل أن يتمدّد، أو أنّه يتمدّد وينكمش مرّةً بعد مرّة. ويُطرح في مواضعَ أخرى، أصرحُها مقالُ الثلاثة أنفسِهم في مجلّة *ساينتفك أمريكان* سنة ٢٠١٧. وقد وقّع خطابَ الردّ على ذلك المقال ثلاثةٌ وثلاثون فيزيائيًّا، فيهم أربعةٌ كانوا يومَ التوقيع من حائزي جائزة نوبل. فردُّهم كان على هذا المقال، لا على ورقة ٢٠١٣ ٩.

ولا يصحّ أن تُقدَّم النماذجُ الارتداديّة على أنّها نماذجُ مستقرّةٌ لكونٍ بلا بداية. فهي تُطرح بديلًا عن البداية، والنزاعُ في نجاحها قائم. بل إنّ ورقة ميثاني وفيلينكين نفسَها تعدّ الكونَ الدوريّ الذي يزيد حجمُه في كلّ دورة من الصور التي لا تصلح لماضٍ بلا بداية، وإن لم تحكم على كلّ نموذجٍ ارتداديّ. ولا يصحّ أن يُستشهد بورقةٍ في موضع، ثمّ يُقرَّر نقيضُها في موضعٍ آخر.

والخلاصةُ التي تصمد: من نقل نقدَ التضخّم على أنّه «أزمةٌ في علم الكون، فارجعوا إلى الوحي»، فقد قدّم خلافًا حيًّا بين العلماء داخل علمهم على أنّه انهيارٌ للعلم كلِّه. وأصحابُ النقد أنفسُهم يطلبون فيزياءَ أخرى، لا وحيًا.

وأمّا المعطى الذي يقوم عليه أشهرُ رقمٍ في هذا الباب، فهو أنّ الكون بدأ على نظامٍ عالٍ جدًّا، أو كما يقول الفيزيائيّون: بدأ بـ«إنتروبيا» منخفضة. والإنتروبيا مقدارُ الفوضى في الشيء: فغرفتُك المرتّبة إنتروبيتُها منخفضة، والمبعثرةُ إنتروبيتُها عالية. وقد طرح صاحبُ الرقم نفسُه تفسيرًا فيزيائيًّا لهذا المعطى منذ سنة ١٩٧٩: فالرياضيّ والفيزيائيّ روجر بنروز يقترح قيدًا فيزيائيًّا على الحال التي بدأ عليها الكون، ويسمّيه «فرضيّةَ انحناء فايل». ويقترحه ليعلّل أمرين: انخفاضَ الإنتروبيا في البداية، ومُضيَّ الزمن في اتّجاهٍ واحد ١٠.

وما يُستفاد من اقتراح بنروز محدودٌ بدقّة: فهو فرضيّةٌ مطروحة، لم تُبرهن ولم تستقرّ، فلا يُقال إنّ بنروز «فسّر الرقم». ولا يسوق اقتراحَه دليلًا على وجود الله ولا على عدمه. ولا يعالج ذلك البحثُ حججَ التصميم أصلًا، أي الحججَ التي تستدلّ بنظام الكون على مصمّمٍ قصده. فكلُّ ما يُستفاد منه أنّ بابَ التفسير الفيزيائيّ مفتوحٌ منذ ١٩٧٩، وأنّ الذي فتحه صاحبُ الرقم نفسُه. فتسقط دعوى «لم يبقَ إلا التصميم»، ولا يعني ذلك أنّ الفرضيّة صارت جوابًا. والفرضيّةُ نفسُها قانونٌ يَرِد عليه سؤالُ «ولماذا هذا القانون؟» كما يَرِد على غيره. ولا أُعفيها من هذا السؤال وإن كنتُ أرحّب بها، لأنّي أُلزم خصمي بالسؤال نفسِه.

وأمّا الرقمُ نفسُه فيُوصف بدقّة. هو نسبةٌ بين حجمين في «فضاء الطور»، وهو فضاءٌ رياضيّ تُرسم فيه كلُّ الحالات الممكنة للكون. ويعبّر عنها بنروز بعبارة «جزءٌ من ١٠^١٠^١٢٣»، ويقول إنّها تُبيّن دقّةَ التصويب المطلوب. وليس احتمالًا لنشأة كونٍ محسوبًا من تجربةٍ تتكرّر، كما تحسب احتمالَ أن يقع حجرُ النرد على الستّة. وهذا هو الفرقُ الذي يضيع في النقل. ولفظُ «الخالق» واردٌ في صفحته حرفيًّا، ومعه شكلٌ إيضاحيّ: يدٌ تضع دبّوسًا في نقطةٍ من فضاء الطور لتصوير ضآلة المساحة. ولا يثبت في نصّه ولا في مصدرٍ عنه أنّه رسمٌ ساخر، فلا أصفه بذلك. والدعوى التي تكفيني ثابتةٌ بدون هذا الوصف: أنّ بنروز يجيب عن الرقم بقانونٍ فيزيائيّ هو فرضيّةُ انحناء فايل، لا بحجّة تصميم ١١. فمن نقل الرقمَ عنه دليلًا على مصمِّم، فقد خالف قائلَه في المقدّمة والنتيجة معًا.

٥ · الانفجارُ العظيم ليس برهانًا على الخلق

وهذا من أهمّ ما في المسألة، وهو يقع عليّ لا على خصمي.

ما يقوله النموذج: أنّ الكون كان في الماضي أشدَّ حرارةً وكثافة، وأنّه يتمدّد. وهذا مسنودٌ بشواهدَ متينة: «إشعاعُ الخلفيّة الميكرويّ»، وهو إشعاعٌ خافتٌ يملأ السماءَ كلَّها ويُعدّ بقيّةَ حرارة الكون الأولى؛ ووفرةُ العناصر الخفيفة كالهيدروجين والهيليوم؛ وتباعدُ المجرّات بعضِها عن بعض.

وما لا يقوله النموذج: أنّ شيئًا صار موجودًا بعد أن لم يكن. فحين نُرجع الزمنَ في المعادلات إلى الوراء، نصل إلى نقطةٍ تعطي المعادلاتُ عندها أرقامًا لا معنى لها، وتُسمّى «التفرّد». وتلك النقطةُ ليست حدثًا وصفه العلم، بل هي الموضعُ الذي تقول فيه النظريّةُ عن نفسها: لم أعد صالحةً هنا. فهي كحافّة الورقة في خريطة: حافّةُ الورقة ليست حافّةَ الأرض، بل الموضعُ الذي توقّف عنده الرسم. ومن جعل نقطةَ عجز النظريّة حدثًا موصوفًا، فقد نسب إلى العلم ما لم يقله.

ثمّ هناك ثلاثةُ اعتباراتٍ عمليّة:

الأوّل: الحجّةُ التي تقوى بورقةٍ علميّةٍ تضعف بورقةٍ أخرى. ومن ربط دينَه بنموذجٍ لا يزال موضعَ بحث، فقد سلّم دينَه لمن يبدّل النموذج. ونماذجُ علم الكون تتبدّل في العقد الواحد مرّات، لأسبابٍ داخلَ العلم نفسِه لا شأنَ لها بنا.

والثاني: أنّ صاحبَ الفرضيّة الأولى لم يرضَ أن تُحمل هذا المحمل. فجورج لومتر صاحبُها، وكان قسًّا. وقد استشهد البابا بيوس الثاني عشر بما قرّره علمُ الكون من تمدّد الكون وحداثته تأييدًا لعقيدة الخلق، في خطابٍ إلى الأكاديميّة البابويّة للعلوم سنة ١٩٥١ ١٢. فلم يكن لومتر راضيًا: كان يرى فرضيّتَه فرضيّةً تعتورها صعوبات ولم يقم عليها بعدُ دليلٌ تجريبيٌّ مقنع، ويرى العلمَ والدينَ ميدانين منفصلين. فتدخّل هو والفلكيّ اليسوعيّ دانيال أوكونيل، وجاء خطابُ البابا في السنة التالية أكثرَ اعتدالًا، خاليًا من الإشارة المحدَّدة إلى هذه النظريّة. ولا يجزم مؤرّخُ العلم هيلغه كراغ بأنّ ذلك من أثر التدخّل، ويصف نجاحَ لومتر فيه بأنّه كان محدودًا ١٣.

وحدُّ هذا الخبر ما في مرجعه: أنّ صاحبَ الفرضيّة لم يرضَ أن تُجعل دليلًا دينيًّا، وأنّه سعى في ذلك. وإذا كان هذا موقفَ صاحب الفرضيّة، فلا أحدَ بعده أحقُّ منه بأن يقرّر ما تحمله فرضيّتُه.

والثالث، وهو أهمّها: أنّ من بنى إيمانَه على أنّ «العلم أثبت البداية» يبني على أرضٍ يعلم أهلُها أنّها تتحرّك. ثمّ يجد نفسَه بعد سنواتٍ في موضع من كان يقول «العلمُ أثبت أنّ الكون أزليّ». والدعوى التي تتقلّب مع أعداد المجلّات العلميّة لا تصلح أن يُحمل عليها دين.

وهذا لا يُثبت العكس. فأن يكون النموذجُ غيرَ صالحٍ للبرهنة ليس دليلًا على أنّ الكون أزليّ، ولا على أنّه لا خالق، ولا على أنّ سؤال الحدوث سؤالٌ فارغ. ولا يمسّ نصًّا من النصوص: فالساقطُ طريقةُ استدلالٍ بنموذجٍ متغيّر، لا نصٌّ يُستدلّ به. غايتُه أن يُنزع من يدك سلاحٌ لم يكن يقطع أصلًا — والسلاحُ ههنا طريقةُ الاحتجاج، لا النصّ. ونزعُ سلاحٍ خشبيٍّ من يدك ليس هزيمة، بل هو شرطُ ألّا تُهزم به يومَ تعتمد عليه أمام من يعرف.

٦ · متى تسقط حجّةُ الحدوث؟ ثلاثُ حالات

وحجّةُ الحدوث تسقط عندي في واحدةٍ من ثلاث:

  • أن يثبت أنّ «البدء» بالمعنى الثاني لا يحتاج إلى سببٍ أبدًا، أي أن يتمّ اعتراضُ غرونباوم تمامًا. والبدءُ بالمعنى الثاني حدٌّ أوّلُ ليس قبله زمن. وحينئذٍ تسقط المقدّمةُ الأولى في النطاق الذي نحتاجها فيه.
  • أن يستقرّ نموذجٌ فيزيائيٌّ لماضٍ بلا بداية، استقرارًا يُخرجه من دائرة النزاع بين العلماء. وحينئذٍ يسقط السندُ العلميُّ للمقدّمة الثانية، ويبقى النظرُ في سنديها العقليّين. ولا يمسّ ذلك مسألةَ حدوث العالم في نفسها: فدليلُ المتكلّمين عليها عقليٌّ لا يقوم على نموذجٍ فيزيائيّ، فلا يسقط بسقوطه. وهذا شرطٌ يتوقّف على عمل العلماء لا على الحجّة نفسِها. ولذلك لا يُعتدّ به كثيرًا في الاتّجاهين معًا: فكما لا يجوز لي أن أبني على نموذجٍ لا يزال موضعَ بحث، لا يجوز ذلك لخصمي.
  • أن يُبيَّن أنّ الانتقال من «سبب» إلى «سببٍ مريد» طريقٌ مسدود، بيانًا حقيقيًّا لا مجرّدَ استبعاد. وحينئذٍ لا يسقط بناءُ الحجّة، لكنّها تنتهي إلى «سببٍ» لا نعرف صفاته، وسببٌ كهذا لا يحمل دينًا.

ميزانُ الحجّتين: ما يُثبته كلٌّ منهما لو تمّ، وما يبقى عليه

البرهانما يُثبته لو تمّأقوى ما عليهالحكم
الإمكانُ والوجوبموجودٌ قائمٌ بنفسه، يفسّر وجودَ الممكناتتساوي الاحتمالين في «الواجب»: إلهٌ أم حالةٌ فيزيائيّةٌ أولى · ونفيُ راسل أن يكون لعبارة «موجودٌ واجب» معنًى أصلًا · ومطالبةُ هيوم بدليلٍ على مبدأ السبب الكافي · وانهيارُ الجهات · وسقوطُ السند الفيزيائيّ لفكرة «المحمول في كلّ لحظة»قائمٌ لم يُهدم، لكنّه لا يُرجّح ولا يُلزم
الحدوثسببٌ للكون خارجٌ عنهاشتراكُ كلمة «بدأ» في معنيين · وأنّ المقدّمة الأولى مأخوذةٌ بالاستقراء من داخل الكونلا يُلزم، ودعوى الترجيح فيه موقوفة
الانتقالُ من «سبب» إلى «سببٍ مريد»—خطوةٌ منفصلةٌ يُعترض عليها وحدَهالا حسم

ولماذا لا يُقال «يُرجّح»؟ لأنّ الرجحان لم يثبت في خطوةٍ واحدةٍ من خطوات الحجّتين. وهذا ما انتهت إليه كلُّ خطوةٍ متنازَعٍ فيها:

  • «لا حسمَ في هذا» في مسألة الأجزاء والكلّ.
  • و«لا حسم» في مبدأ السبب الكافي.
  • و«لا حسم» في انهيار الجهات.
  • و«حدسٌ يقابله حدس» في هويّة الواجب.
  • و«لا حسم» في اللانهاية.
  • ونزعُ سلاحٍ، لا كسبُ سلاح، في الفيزياء.

فالخطوةُ التي انتهت إلى التعادل لم تنتهِ إلى الرجحان. والخطوةُ التي لم تنتهِ إلى التعادل لم تنتهِ إلى الرجحان أيضًا. فحكمُ «قائمٌ»، وحكمُ «قويٌّ في السلسلة العرضيّة»، ليسا ترجيحًا للنتيجة. وسقوطُ الصورة الساذجة خسارةٌ لا كسب. فمن أين يأتي ميلُ الميزان؟ لا يأتي من واحدٍ من هذه المواضع.

وقد يقول قائل: تعادلُ كلّ خطوةٍ وحدَها لا يعني تعادلَ المجموع، فالشواهدُ إذا اجتمعت قد تقوى. فإن قيل هذا، فهو قرارٌ في وزن الحدوس، لا نتيجةٌ تخرج من المقدّمات. ومن لم يشاركني في وزنها لم يلزمه شيء. ولا ترجيحَ عندي في هذا، فلا أدّعيه. ثمّ إنّ عبءَ الإثبات عليّ لا على خصمي. والتعادلُ في الحدوس خسارةٌ لمن يدّعي، لا قسمةٌ بالتساوي.

وهذا الموقفُ يخسر شيئًا واضحًا: لا يقين في هذين البرهانين. فلا واحدٌ منهما يُلزم من لا يسلّم بمقدّماته، وليس في أحدهما دينٌ ولا نبوّةٌ ولا شريعة.

وأصدقُ ما يُقال فيهما أنّهما يجعلان القولَ بوجود واجبٍ موقفًا معقولًا يُدافَع عنه. ويجعلان التوقّفَ معقولًا كذلك، ولا يُلزمان المخالفَ بشيء. وهذا حكمٌ على برهانين نظريّين، لا على المسألة، ولا على مستند الاعتقاد. وهناك شيءٌ أفترضه ولا أبرهنه: أنّ رجلين قد يقرآن هذين البرهانين وحدَهما، فيقتنع بهما أحدُهما ويتوقّف الآخر، وكلاهما عاقل. فمن لم يوافقني على هذا لزمه أن يُخرج أحدَ الموقفين من دائرة المعقول. وقاعدةُ عبء الإثبات تعمل في ميدان الجدل ضدّي لا له، لأنّي المدّعي فيه؛ وهي قاعدةٌ في آداب المناظرة لا ميزانٌ للحقّ في نفسه.

وهذا أضعفُ من الترجيح، وأنا أقصده على ضعفه. ومن وعدك بأكثر من هذا فسيخذلك عند أوّل مناظرةٍ تسمعها بين أهل الاختصاص.


سؤالان أخيران: أليس الأولى أن نتوقّف؟ ولماذا لا يُقال لك إنّ المسألة محسومة؟

السؤالُ الأوّل: أليس التعادلُ في الحدوس يُلزمنا بتعليق الحكم لا بالترجيح؟ و«تعليقُ الحكم» أن يتوقّف المرءُ فلا يقول نعم ولا لا. وقد يقول قائل: إن كان كلُّ ما يفصل بيننا حدسًا لا برهانَ عليه، أفليس الموقفُ العاقلُ الوحيد ألّا يُبنى على أيٍّ من الحدسين عملٌ ولا التزام؟

وهو اعتراضٌ قويّ، وجوابي عنه ناقص. فالتوقّفُ لازمٌ لو كان هذان البرهانان كلَّ ما في المسألة. وليسا كذلك عندي: فمن انتهى إلى الإيمان لم ينتهِ إليه بهما وحدهما، بل بأمورٍ أخرى، كلُّ واحدٍ منها بابٌ يُفتح ويُنازَع فيه على حدة:

  • نصٌّ يُقرأ ويُختبر، وموضعُه الفصلُ الثاني والعشرون: «كيف تعرف أنّ كتابًا وحيٌ من الله؟».
  • وخبرةٌ يعيشها الإنسانُ في نفسه، وشهادةٌ تُوزن، وفيهما كلامٌ في الفصل الحادي والعشرين: «إن كان اللهُ موجودًا فلماذا لا يُظهر نفسَه؟».

والحكمُ في المسألة كلِّها لا يُؤخذ من موضعين فيها.

لكنّ هذين البرهانين لا يحملان دينًا. ومن وقف عندهما فتعليقُ الحكم موقفُه المعقول. والمسافةُ بين «موقفٍ معقولٍ يُدافَع عنه» و«موقفٍ يُبنى عليه دين» مسافةٌ لا يقطعها هذان البرهانان. ومن قال لك إنّ الميتافيزيقا وحدَها تصنع شريعةً فقد باعك ما لا يملك.

والسؤالُ الثاني: ولماذا لا أقول لك إنّ المسألة محسومة، وأريحك؟

لأنّي احتجتُ يومًا إلى من يصدقني فيها، ولم أجده. ففي السنة التي اهتزّ فيها ما عندي، كان كلُّ ما يُقدَّم إليّ صنفين: كتابٌ يقول لي إنّ المسألة محسومةٌ منذ عشرة قرون فلا تُتعب نفسك، ومحاضرةٌ تقول لي إنّ المسألة محسومةٌ منذ قرنين فلا تُتعب نفسك. وكلاهما كان يعرض عليّ خصمَه في صورةٍ لا يرضاها الخصم، وكنتُ أكتشف ذلك بنفسي بعد شهر. فأخسر ثقتي في الناقل قبل أن أخسرها في المنقول.

وأقول لك ما كلّفني ذلك: مكثتُ زمنًا أظنّ أنّ عندي برهانًا، ثمّ تبيّن لي أنّ الذي عندي حدسٌ أُلبسه ثوبَ البرهان. وأصعبُ ما في هذا عليّ أن أقول إنّ الميزان لا يميل. كنتُ أحسب أنّ عندي ما يُميله، ثمّ نظرتُ فيما تحت الدعوى فلم أجد لها سندًا. ولا أزعم أنّ هذا لم يمسّني؛ مسّني. لكنّ الذي يمسّني أشدَّ أن يقرأ رجلٌ سطرًا عندي فيبني عليه، ثمّ يفتح المرجعَ الذي أحلتُه عليه فلا يجد فيه ما قلت.

وأمّا شكّي فلم يزُل كلُّه، ولا أدّعي زوالَه؛ ولكن تغيّر موضعُه: كان في أصل المسألة، فصار في مبلغ هذين البرهانين منها. فأمّا أنّ الله موجود فأمرٌ استقرّ عندي لا أرتاب فيه؛ وأمّا أن يكون فيهما وحدهما ما يُلزم كلَّ عاقل، فذاك ما لم أجده.


فأين تقف أنت؟ هذان البرهانان لا يُلزمانك. فلا شيءَ هنا يشترط عليك أن تقتنع، ولا يُقاس صدقُ بحثك بأن تنتهي إلى ما انتهيتُ إليه. وإنّما المطلوبُ في هذا الموضع شيءٌ واحد: أن تعرف أين الخلافُ بالضبط.

وإن كنتَ قد بحثتَ سنةً أو سنتين وانتهيتَ إلى غير ما انتهيتُ إليه، فليس في هذا ما يقول إنّك أخطأتَ الطريق. وإنّما الطريق أطولُ ممّا يُقال لك من الجهتين، وهناك ستّةُ مواضعَ أو سبعةٌ لا يزال أهلُ الاختصاص يقفون عندها منذ ثلاثمئة سنة. ومن وقف حيث وقفوا فقد وقف في مكانٍ معقول، لا في مكان من لم يفهم.