١٢. لماذا الشرُّ والألم إن كان اللهُ موجودًا؟
السؤال: إن كان هناك إلهٌ قادرٌ عالمٌ رحيم، فلماذا في العالم كلُّ هذا الألم؟
قبل أن تقرأ سطرًا آخر: إن كنتَ تسأل هذا السؤال وأنت مفجوعٌ الآن — مات لك عزيزٌ في هذا الشهر، أو تجلس عند سريرٍ في مستشفى، أو خرجتَ لتوّك من غرفةٍ سمعتَ فيها خبرًا — فأغلق هذه الصفحات وعُد إليها بعد شهر. لن ينفعك ما هنا الآن، ولا أقول ذلك تهرّبًا. فالذي في صدرك سؤالٌ آخر، وإن كان لفظُه هو اللفظَ نفسَه. أنت لا تطلب تحليلًا لحجّةٍ فلسفيّة، والذي تطلبه لا أملك أن أعطيك إيّاه. وليس هذا حكمًا عليك، ولا على موضعك من الدين أو من خلافه. إنّما هو ترتيبُ الأشياء: الجرحُ يُضمَّد أوّلًا، ثمّ يُنظر في أمره. ومن قرأ كلامًا في المنطق وهو ينزف خرج منه بشيءٍ واحد: أنّ كاتبه لم يكن يراه.
وهذا السؤالُ لا يخصّ أهلَ دينٍ دون غيرهم: يسأله المؤمنُ وغيرُ المؤمن، وكلُّ من يقول «لا أُصدّق» ويعرف لماذا يقولها.
الجوابُ في سطرين: الاعتراضُ صورتان. الصورةُ الأولى تقول: وجودُ الشرّ ووجودُ الله لا يجتمعان أبدًا، واجتماعُهما تناقضٌ منطقيّ. وهذه لم تعد موضعَ النزاع الأكبر، فقد سلّم أشدُّ من صاغها بأنّها لا تُظهر تناقضًا منطقيًّا، مع أنّه بقي على الاعتراض نفسِه ١. ولا أقول إنّ بابها أُغلق، فقد أُعيد فتحُه سنة ٢٠١٩ ٢. والصورةُ الثانية تقول: كثرةُ الألم وطريقةُ توزّعه تجعلان وجودَ إلهٍ رحيمٍ أبعدَ احتمالًا، لا مستحيلًا. وعلى هذه الصورة يقوم الثقلُ اليوم. وأصدقُ ما أقوله أمامها: ليس لكلّ صورها جوابٌ عندي بأدوات هذا الفصل. عندي أجوبةٌ جزئيّةٌ تمسّ بعضَ الصور، ولا جوابَ لي في صورتين بعينهما. وفي بعض السؤال لا أملك إلا أن أقول: لا أعرف. وهذا الفصلُ محصورٌ عمدًا في الحجّة والنظر، على ما شرطتُه في أوّل الكتاب: لا أسوق فيه آيةً ولا حديثًا دليلًا على وجود الله، وللقرآن بابُه بعد أبواب الحِجاج. فلا أبني على سكوتي ههنا أنّ الخبرَ ساكتٌ، ولا أنّه ناطقٌ بما لم أقف عليه. وسؤالٌ بلا جوابٍ يبقى سؤالًا بلا جواب: لا برهانَ فيه على نفيٍ ولا على إثبات.
١. ثلاثةٌ يقولون «لماذا الشرّ؟» ولا يطلبون شيئًا واحدًا
هذا السؤالُ الواحد يحمل ثلاثةَ أسئلةٍ مختلفة، والخلطُ بينها سببُ أكثرِ الأذى الذي يقع باسم الجواب. والتقسيمُ هنا للأسئلة لا للناس.
الأوّل: سؤالُ النظر. صاحبُه عنده اعتراضٌ مرتّب يستطيع أن يعرضه عليك في خمس دقائق، وقد قرأ فيه، ويعرف الفرقَ بين صورتيه. وهذا يُخاطَب بالحجّة والنظر.
والثاني: نداءُ المصاب. ليس فيه اعتراضٌ أصلًا؛ فيه أنّ صاحبه دفن ابنته. فإذا سمع «اللهُ رحيم» ضاق صدرُه ضيقًا لا يمرّ بالتفكير. وهذا لا يُجاب بالحجّة، ومن ساق له برهانًا فقد أجاب سؤالًا لم يُسأل. كمن كُسرت ساقُه في الملعب، فوقف فوقه صديقٌ يشرح له كيف تلتئم العظام: الشرحُ صحيح، والوقتُ ليس وقتَه. والفرقُ بين النداء والاعتراض ليس فرقًا في الذكاء، ولا في الصدق، ولا في سلامة العقل. إنّه فرقٌ في نوع الطلب: صاحبُ الاعتراض يطلب تحليلًا، وصاحبُ النداء يطلب أن يُرى.
والثالث: السؤالُ الذي يعود. يُجاب صاحبُه فيهدأ ساعتين، ثمّ يرجع بصيغةٍ أدقّ، وقد مضى على ذلك عامان. وتكرارُ السؤال بصيغةٍ أدقّ هو الفرقُ بين من يفكّر ومن يكتفي بأوّل جواب. فمن عاد بصيغةٍ أدقّ فقد ارتقى بسؤاله إلى الصنف الأوّل، لا نزل عنه؛ ولا يحقّ لأحدٍ أن يُخرجه من دائرة من يُحاوَرون لأنّه لم يقتنع بجوابه.
*وحدُّ هذا التقسيم:* الأسئلةُ الثلاثة قد تجتمع في رجلٍ واحدٍ في ساعةٍ واحدة، وليس في يدي ولا في يدك ما يقيس أيَّها في صدر من أمامك. فالتقسيمُ يُريك أنّ السؤالَ الواحد ليس واحدًا، ولا يعطي أحدًا حقَّ أن يصنّف من يحاوره.
٢. اعتراضان لا واحد: «هذا مستحيل» و«هذا بعيدُ الاحتمال»
الاعتراضُ على وجود الله من باب الشرّ يأتي في صورتين مختلفتين: صورةٍ تدّعي الاستحالة، وصورةٍ تدّعي بُعدَ الاحتمال. ومن خلط بينهما دار في جدلٍ لا يُثمر شيئًا، لأنّ ما يهدم الأولى لا يمسّ الثانية.
الاعتراضُ الأوّل: «وجودُ الشرّ ووجودُ الله لا يجتمعان»
هذا الاعتراضُ يسمّى الاعتراضَ المنطقيّ، وهو يقول إنّ هذه القضايا الثلاث لا يمكن أن تصدق معًا:
- اللهُ قادرٌ على كلّ شيء.
- واللهُ خيرٌ خيرًا تامًّا.
- والشرُّ موجود.
وتقريرُه عند أصحابه: من كان قادرًا استطاع أن يمنع الشرّ، ومن كان خيّرًا أراد أن يمنعه؛ فيلزم عندهم أنّ وجودَ الشرّ دليلٌ على انتفاء أحد الوصفين. وهذه أقدمُ صورةٍ في المسألة. وقد أحياها سنة ١٩٥٥ الفيلسوفُ الأستراليُّ ج. ل. ماكي، من أشهر من كتب في نقد الإيمان، بصياغةٍ محكمة. فهي عنده ليست استبعادًا، بل تناقضٌ صريح: أي أنّ المؤمنَ يعتقد قضايا لا يمكن أن تصدق معًا ٣.
وهذه الصورةُ لم تعد موضعَ النزاع الأكبر. وسببُ ذلك أدقُّ ممّا يُظنّ، فتأمّله: القضايا الثلاث لا تتناقض بأنفسها. فلكي يقوم التناقض تحتاج قضيّةً رابعةً مسكوتًا عنها، هي: أنّ الخيّرَ القادرَ يمنع كلَّ شرٍّ يقدر على منعه. وقد بيّن الفيلسوفُ الأمريكيُّ ألفن بلانتينغا، وهو مسيحيٌّ إصلاحيٌّ من أبرز المدافعين عن الإيمان في فلسفة الدين المعاصرة، أنّ هذه القضيّةَ الرابعة ليست لازمة. فلكي تسقط دعوى الاستحالة، يكفي أن يكون ممكنًا أن يوجد خيرٌ لا يُنال إلا بالسماح بشيءٍ من الشرّ ٤.
ولاحظ ما لم يفعله بلانتينغا: لم يدّعِ أنّ هذا هو ما وقع فعلًا، بل ادّعى أنّه ممكن. والإمكانُ وحده يكفي هنا، لأنّ دعوى «هذا مستحيل» تسقط بأحد أمرين. الأوّل: أن تُريَ صاحبَها أنّ الاستحالةَ لا تلزم إلا بشرطٍ مسكوتٍ عنه لا يلزمنا، وهذا شأنُ القضيّة الرابعة. والثاني: أن تعرض عليه صورةً واحدةً تجتمع فيها القضايا الثلاث. ولا يضرّ أن تكون هذه الصورةُ بعيدةً عن التصديق، لأنّ المطلوب أن تُريَه أنّها ممكنة، لا أنّها واقعة.
والشاهدُ هنا خصمٌ لا صديق. فماكي نفسُه، صاحبُ الصياغة، سلّم بعد ذلك بأنّ مشكلة الشرّ «لا تُظهر، بعد كلّ شيء، أنّ عقائد الإلهيّة متناقضةٌ منطقيًّا فيما بينها» (ص ١٥٤)، والإلهيّةُ عنده هي الإيمانُ بإلهٍ قادرٍ عالمٍ خيّر. ولم يسلّم بهذا لدفاع الإرادة الحرّة، بل لدفاعٍ آخر يسمّيه «الخيرَ من الرتبة الثانية». وخلاصتُه أنّ من الخير ما لا يوجد إلا جوابًا على شرّ، كالشجاعة أمام الخطر والرحمة بالمتألّم. بل إنّه يختم بأنّ «كلَّ صور دفاع الإرادة الحرّة تفشل» (ص ١٧٦). ولم يترك الحجّةَ بعد تسليمه: فهو يُتبعه بقوله «وأمّا أهذا حلٌّ حقيقيٌّ للمشكلة فسؤالٌ آخر»، وينتهي إلى «قرينةٍ قويّةٍ على أنّ الإلهيّة لا تُجعل متّسقةً دون تغييرٍ جوهريّ في إحدى عقائدها المركزيّة» ١.
فثقلُ النقاش انتقل عن صورة الاستحالة المنطقيّة، ولم ينتقل عن الاعتراض نفسِه. وانتقل ثقلُ الكتابة بعد ذلك إلى الصورة الاحتماليّة. وهذا وصفٌ لاتّجاه النقاش، لا عدٌّ للمشاركين فيه. ولا أبني عليه دعوى إجماع، لأنّ مثالًا واحدًا منشورًا ينقضها.
ولا أقول إنّ بابَ هذه الصورة أُغلق، ولا إنّها لم تعد تُطرح في موضعٍ جادّ. فقد أعاد الفيلسوفُ الأمريكيُّ جيمس ستيربا سنة ٢٠١٩ صياغةَ دعوى التناقض بقضايا أخرى، أخذها من قواعد المنع الأخلاقيّ، أي القواعد التي تحدّد متى يجب على القادر أن يمنع الأذى. ودارت حولها ردودٌ، وكُتب فيها مجلَّد ٢. فالصحيحُ أنّ ثقلَ النقاش انتقل، مع أنّ بعضَ الفلاسفة ما زالوا يطرحون هذه الصورة. ودعوى «الإجماع» أضعفُ ما يُبنى عليه كلامٌ يطلب الدقّة، لأنّ مثالًا واحدًا منشورًا يكفي لكسرها.
ولن أبيعك انتصارًا لا تعرف ثمنه. لدفاع بلانتينغا ثمنان، وهو نفسُه يذكرهما، لا أنا الذي أستخرجهما عليه:
- الأوّل: شرُّ الطبيعة. الزلزالُ ليس فعلَ إنسانٍ حرّ، فكيف يدخل تحت دفاع الإرادة الحرّة؟ جوابُ بلانتينغا أنّه من الممكن أن يكون فعلَ أرواحٍ حرّةٍ غيرِ بشريّة. وهو يذكر أنّ كثيرًا من الناس يجدون هذه الفكرةَ سخيفة، ويجيب بأنّ استسخافهم لها «بالكاد يكون دليلًا ضدّها»، لأنّ المطلوب إمكانُها لا رجحانُها. فبلانتينغا لا يُقرّ بأنّ الفكرةَ غريبة، بل ينقل ذلك عن غيره. وهذا الجوابُ صحيحٌ في المنطق، لكنّه ثقيلٌ على النفس. وموضعُ ثِقَله ليس وجودَ خلقٍ عاقلٍ غيرِ الإنسان، فكثيرٌ من القرّاء يؤمن به ولا يجد فيه غرابة؛ وإنّما الثقيلُ إسنادُ الزلزال إلى فعلِ أحدٍ منهم، فذاك ما لا يقوم عليه دليل. فمن قبل الجوابَ فقد قبل أن يمرّ ردُّ دعوى التناقض بهذا الإسناد.
- والثاني: لماذا لا يخلق اللهُ أحرارًا لا يخطئون أبدًا؟ هذا اعتراضٌ من داخل الدفاع نفسِه، وهو أقوى ما في المسألة: إن كان اختيارُ الخير ممكنًا في كلّ موقفٍ بعينه، فلماذا لا يخلق القادرُ أحرارًا يختارونه دائمًا؟ ليس في وقوع ذلك تناقض. وجوابُ بلانتينغا أنّه يجوز أن يكون كلُّ إنسانٍ يمكن خلقُه على هذه الصفة: لو خُلق حرًّا لأخطأ مرّةً واحدةً على الأقلّ في موقفٍ ما، في أيّ عالمٍ وُضع فيه. ويسمّي ذلك «الفسادَ عبر العوالم». وقرِّبه بمثال: صديقٌ تعرفه يستطيع في كلّ موقفٍ بعينه أن يصدق، ومع ذلك تكاد تجزم أنّه لو عاش عمرًا كاملًا لكذب مرّةً. وبلانتينغا يقول: يجوز أن يكون هذا حالَ كلّ من يمكن أن يُخلق. وهذه دعوى إمكانٍ أخرى. وهي تكفي في ردّ دعوى الاستحالة، لكنّها لا تُصدَّق لذاتها.
والفرقُ بين نوعي الدعوى يظهر في هذا المثال. رجعت إليك ورقةُ امتحانك، وبجانب كلّ سؤالٍ درجتُه، وفي أعلاها المجموع. لك أن تقول شيئين مختلفين تمامًا. الأوّل: «هذه الورقةُ لا تستقيم؛ المجموعُ في أعلاها لا يساوي درجاتِ الأسئلة، وهذا مستحيلٌ بأيّ تقدير». والثاني: «الجمعُ يستقيم، لكنّ درجةَ هذا السؤال لا تشبه ما أعرفه عن إجابتي، وأرجّح أنّ فيها خطأً». الأولى دعوى استحالة، والثانية دعوى ترجيح. والأولى تسقط إذا أراك المعلّمُ صورةً واحدةً يستقيم فيها الجمع، كملاحظةٍ مكتوبةٍ على ظهر الورقة، ولو كانت صورةً بعيدة. والثانيةُ لا تسقط بذلك أبدًا.
*وحدُّ هذا المثال:* الورقةُ يمكن أن تُراجَع سؤالًا سؤالًا حتى ينقطع النزاع، ولا نظيرَ لذلك في مسألتنا. فالمثالُ يُريك الفرقَ بين نوعي الدعوى، ولا يقول شيئًا عن أيّهما الصادقُ فيها.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ ترى أنّ دعوى «هذا مستحيل» تسقط بصورةٍ واحدةٍ ممكنة، ولو كانت بعيدة، فمعك تسليمُ ماكي نفسِه بأنّ مشكلةَ الشرّ لا تُظهر تناقضًا منطقيًّا، وإن بقي على الاعتراض. وإن كنتَ ترى أنّ الثمنَ ثقيل، فهو كذلك: أرواحٌ حرّةٌ غيرُ بشريّة، وفسادٌ عبر العوالم، وكلتاهما دعوى إمكانٍ صحيحةٌ في المنطق، لكنّها ثقيلةٌ على النفس، ولا تُصدَّق لذاتها. والذي يترجّح عندي أنّ دعوى الاستحالة لم تثبت، لأنّ الإمكانَ وحدَه يكفي في ردّها. ويبقى مفتوحًا أمران. الأوّل: صياغةُ ستيربا الجديدة للتناقض، وما دار حولها من ردود. والثاني: الصورةُ الثانية من الاعتراض؛ فهي لم تُبنَ على الاستحالة أصلًا، فلا تسقط بإمكانٍ بعيد، وعليها يقوم ثقلُ المسألة اليوم.
الاعتراضُ الثاني: «الشرُّ يجعل وجودَ الله بعيدَ الاحتمال» — وهو الذي يُجاب
هنا موضعُ المسألة كلِّها. هذا الاعتراضُ يسمّى الاعتراضَ الاحتماليّ، وهو لا يقول «مستحيل»، بل يقول: مقدارُ الألم في العالم وطريقةُ توزّعه يجعلان فرضَ إلهٍ رحيمٍ أقلَّ ترجيحًا من فرضٍ آخر. وهذه دعوى لا يهدمها إمكانٌ بعيد، لأنّها لم تُبنَ على الاستحالة أصلًا.
وهنا يقع خطأٌ لفظيٌّ يضيّع ساعاتٍ من الجدل: أن يردّ المؤمنُ على «أقلّ ترجيحًا» بقوله «لكنّه ممكن»، فيظنّ أنّه أجاب. والإمكانُ غيرُ الاحتمال. في يدك تذكرةُ يانصيب: إمكانُ فوزك ثابتٌ لا نزاعَ فيه، إذ لا شيءَ يمنعه؛ واحتمالُ فوزك واحدٌ من عشرة ملايين. والجملتان صادقتان معًا ولا تتعارضان، ومن ردّ الثانيةَ بالأولى لم يقل شيئًا.
٣. غزالةُ رو وطفلتُه: الاعتراضُ كما كتبه صاحبُه
في مقالةٍ نُشرت سنة ١٩٧٩ ساق الفيلسوفُ الأمريكيُّ ويليام رو، وهو غيرُ مؤمن، مثالًا صار أشهرَ ما يُذكر في مسألة الشرّ. وفيما وقفتُ عليه من نقلٍ عربيٍّ لهذا المثال زياداتٌ ليست في نصّه. وأخطرُها زيادةٌ تحسم النزاعَ لصالحه في الصياغة نفسِها. ولم أُحصِ كلَّ ما نُقل، ولا أسمّي من نقل؛ فالحكمُ مقصورٌ على ما وقفتُ عليه، لا على كلّ من نقل.
تشتعل النارُ في غابةٍ بصاعقةٍ ضربت شجرةً ميتة. وتحترق غزالةٌ صغيرةٌ احتراقًا شنيعًا، فتبقى ملقاةً في عذابٍ أيّامًا، حتى يريحها الموت.
وهذا هو التحفّظُ الذي يسقط في النقل، وهو موضعُ النزاع كلِّه: يقول رو إنّ عذابَ الغزالة بلا غاية «فيما يظهر لنا» — `So far as we can see` — ويصفه بأنّه «ظاهرُ العبثيّة»، لا بأنّه عبثيٌّ قطعًا. وهذا ما يسمّى في هذه المسألة «الشرَّ المجّاني»: ألمٌ لا يُرى له خيرٌ يبرّره. فرو أحوطُ في تقرير حجّته ممّا وقفتُ عليه من نقلٍ عربيٍّ لها. ومن كتب في وصف المثال «ولم يزدد بها في العالم خيرٌ ولا نقص شرّ» فقد حوّل تحفّظًا في حدود ما نعرف إلى واقعةٍ مقرَّرة. وبهذا حسم في الصياغة نفسِها السؤالَ الذي يدور عليه النزاعُ كلُّه.
ثمّ صاغ رو حجّته على هذا النحو:
- توجد صورٌ من الألم الشديد كان في وسع كائنٍ قادرٍ أن يمنعها، من غير أن يفوت بذلك خيرٌ أعظم، ولا أن يقع شرٌّ مساوٍ له.
- وكائنٌ عالمٌ خيّرٌ خيرًا تامًّا كان سيمنع كلَّ صورةٍ من هذا النوع.
- إذن — في نتيجة رو — لا يوجد كائنٌ عالمٌ قادرٌ خيّرٌ خيرًا تامًّا.
ولا تستهن بموضع القوّة فيها. المقدّمةُ الثانية يقبلها المؤمنُ عادةً، ورو ينصّ على ذلك، ويقول إنّها تعبّر عن مبادئَ أخلاقيّةٍ يشترك فيها المؤمنُ وغيرُ المؤمن. وهذا وصفُ حالٍ لا حكمٌ على كلّ مؤمن. فمن متكلّمي المسلمين من يمنعها من أصلها ويقول: لا يجب على الله شيءٌ يُلزَم به، والخلقُ ملكُه يتصرّف فيه بحكمته. ومنهم من يسلّمها على معنى أنّ اللهَ لا يفعل شيئًا عبثًا. والمنعُ يقطع الحجّةَ في حقّ قائله، ولا يُلزم خصمًا لا يُسلّم بأصله؛ فأمضي ههنا على التسليم. فتبقى المقدّمةُ الأولى، وهي التي يُقال إنّها الثغرة. فهي انتقالٌ من «لا نرى خيرًا يبرّر هذا الألم» إلى «لا يوجد خيرٌ يبرّره». وهذا اعتراضٌ حقيقيّ، وعليه يقوم جوابُ «لا أعرف حكمته».
ورو يعرف هذا الاعتراضَ ويجيب عنه، لكن لا بما يُنسب إليه كثيرًا. فهو لم يقل إنّ حجّته «استدلالٌ بأفضل تفسير»، أي أن تختار من التفسيرات أحسنَها تفسيرًا لما تراه. ولا يرد هذا اللفظُ في مقالته أصلًا، وإنّما هو إطارُ درابر ومن جاء بعده. الذي قاله رو أمران. الأوّل: أنّ المثال لا يبرهن على المقدّمة الأولى، وهو يقرّ بذلك بحروفه. والثاني: أنّ تسويغها استدلاليٌّ لا برهانيّ، وهو يسمّي حجّته «الصورةَ الاستدلاليّة». والفرقُ بينهما كالفرق بين «ثبت» و«هذا أغلبُ الظنّ»: يكفي في المقدّمة أن يكون تصديقُها معقولًا مسوَّغًا، وإن لم يكن يقينًا. ويضرب رو لذلك مثلًا من الانتخابات: يعقل أن نعتقد أنّ مرشّحًا بعينه لن يُنتخب، وإن لم نعلم ذلك يقينًا. وقريبٌ منه أن تقول عن فريقٍ في ذيل الترتيب إنّه لن يفوز بالبطولة: لا تملك على ذلك برهانًا، ومع ذلك ظنُّك معقولٌ لا سفه. ثمّ يضيف رو، وهذا منصوصٌ عنده، أنّ العالمَ مليءٌ بهذه الصور، لا بواحدةٍ منها. فالتراكمُ يفعل ما لا تفعله الواقعةُ الواحدة ٥.
والغزالةُ مثالٌ يسهل الانصرافُ عنه: «هي حيوان»، و«لا وعيَ لها كوعينا»، و«هذه قوانينُ الطبيعة». وفي كتابات رو اللاحقة حالةٌ ثانيةٌ يضعها بجانب الغزالة: فالغزالةُ عنده مثالٌ عسيرٌ لشرّ الطبيعة، والثانيةُ مثالٌ عسيرٌ للشرّ الذي يفعله الإنسان، وهي طفلةٌ في الخامسة اعتدى عليها رجلٌ فقتلها ٦. وهذه الحالةُ، فيما أرى، تسدّ طريقين معًا. تسدّ طريقَ من يقول «إنّما هي بهيمة». وتسدّ طريقَ من يظنّ أنّ دفاعَ الإرادة الحرّة يُنهي المسألة، لأنّها فعلُ إنسانٍ حرٍّ بالضبط، ومع ذلك تبقى الحجّةُ قائمة. فالسؤالُ ليس «من فعل هذا؟»، بل «أيُّ خيرٍ كان لا يُنال إلا بالسماح بهذا؟»
وفي مقالة الغزالة نفسِها أمرٌ مهمّ لم أجده فيما وقفتُ عليه من نقلٍ عربيٍّ لها. ففيها يضع رو مصطلحَ «الإلحاد الصديق»، وهو موقفُ ملحدٍ يرى أنّ مخالفه المؤمنَ قد يكون معذورًا عاقلًا في إيمانه. ويقرّر رو أنّ المؤمنَ قد يكون عقلانيًّا تمامًا في إيمانه، ولو كانت حجّتُه هو صحيحة ٥. أي أنّ صاحبَ أشهر صياغةٍ لهذا الاعتراض ينصّ على أنّه لا يُخرج مخالفه من دائرة العقل. فمن نقل الحجّةَ وحذف هذا السطر ترك القارئَ مع رجلٍ أشدَّ ممّا هو.
٤. درابر: ليست الفظائعُ وحدها، بل كيف يتوزّع الألم
الصياغةُ الثانية أدقُّ وأصعبُ ردًّا، وصاحبُها الفيلسوفُ الأمريكيُّ بول درابر. وهي لا تنظر إلى واقعةٍ واحدة، بل إلى نمطٍ في العالم كلِّه: كيف يتوزّع الألمُ واللذّةُ على الأحياء؟
يقول درابر: قارن بين فرضين. الأوّل: أنّ العالم صنعُ إلهٍ رحيم. والثاني، وسمّاه «فرضَ اللامبالاة»: أنّ ما يصيب الأحياءَ من ألمٍ ولذّةٍ لا علاقةَ له بأيّ قصدٍ، خيرًا كان أو شرًّا. ثمّ اسأل: أيُّ الفرضين يتوقّع ما نراه فعلًا؟ ونحن نرى ألمًا لم يظهر لنا فيه انتظامٌ على مقياسٍ أخلاقيّ: يصيب الطفلَ في شهره السادس، ويصيب الشيخَ الظالمَ وهو نائم، ويصيب الحيوانَ في غابةٍ لا شاهدَ فيها، قبل أن يوجد إنسانٌ يُبتلى أصلًا. والألمُ حاضرٌ حيث ينفع في البقاء، وحاضرٌ كذلك حيث لا ينفع.
والدعوى أنّ هذا الذي نراه أقربُ إلى ما يتوقّعه الفرضُ الثاني منه إلى ما يتوقّعه الأوّل. وهي دعوى مقارنةٍ تُنازَع، لا مشاهدةٌ تُرصد بالعين. ومن قال «بل هذا ما يتوقّعه فرضُ الرحمة أيضًا» فقد نازع في موضع النزاع نفسِه، ولم يخرج عنه.
وانتبه إلى ما لا تحتاجه هذه الحجّة. درابر لا يقول «هذا ظلم»، ولا «ما كان ينبغي أن يقع». إنّما يقول: أمامنا فرضان، فأيُّهما يشبه ما نراه أكثر؟ فهذا سؤالُ ترجيحٍ لا سؤالُ أخلاق. ومن ردّ الاعتراضَ كلَّه بأنّ المعترضَ يفترض ميزانًا أخلاقيًّا، لم يخاطب حجّةَ درابر أصلًا.
والحجّةُ تقارن بين فرضين، ولا تنقض أحدَهما نقضًا قاطعًا، ودرابر ينصّ على ذلك بنفسه. فهي لا تُثبت كذبَ الإيمان بالله، ويمكن أن يرجح عليها دليلٌ آخر من مسألةٍ أخرى ٧. فمن نقلها «دليلًا على عدم وجود الله» حذف شرطًا كتبه صاحبُها.
وهذا مثالٌ مفروض، لا تجربةٌ أُجريت. تخيّل أنّك جلستَ ليلةً كاملةً في قسم الطوارئ ومعك دفتر، فسجّلتَ من دخل وبأيّ حال. ثمّ نظرتَ في الدفتر صباحًا تفتّش عن ترتيبٍ ما، أيِّ ترتيب. فالذي يتوقّعه درابر ألّا تجد في دفتر ليلتك سطرًا ينتظم على مقياسٍ أخلاقيّ: لا الأصغرُ سنًّا أخفُّ إصابة، ولا الأحسنُ سيرةً أسلمُ خروجًا. ومن جلس ليلتَه فوجد خلافَ ذلك، فقد نقض المثالَ بما هو من جنسه. وهذا هو معنى «التوزيع العشوائيّ» بالضبط. فهو لا يعني أنّ الألمَ بلا سبب، لأنّ لكلّ حادثةٍ سببَها الطبيعيَّ التامّ. بل يعني أنّ الألمَ لا ينتظم على مقياسٍ أخلاقيّ.
*وحدُّ هذا المثال:* دفترُ ليلةٍ واحدةٍ عيّنةٌ صغيرة، وأنت تفتّش فيه عن ترتيبٍ من النوع الذي تعرفه أنت. ومن قال إنّ الترتيبَ قائمٌ على مقياسٍ لا يظهر في دفتر ليلة، لم يُبطله المثال. وهذا هو جوابُ «لا أعرف حكمته»، وهو يمسّ حجّةَ درابر فعلًا، لكن بثمنٍ أعلى ممّا يُظنّ.
٥. سؤالٌ مستقلّ: لماذا لا يُظهر اللهُ نفسَه لمن يطلبه؟
هذا السؤالُ ليس فرعًا من مشكلة الشرّ، ولا يُجاب بأجوبتها. ويسمّى «خفاءَ الله»، أي سؤالَ: لماذا لا يُظهر اللهُ نفسَه ظهورًا لا يُشكّ فيه؟ ولعلّه عند كثيرٍ ممّن يسأل عن الدين أسبقُ من سؤال الشرّ، وصيغتُه على لسان صاحبه: لستُ منكرًا، أنا طلبتُ فلم أجد.
وصاحبُ صياغته المعاصرة الفيلسوفُ الكنديُّ ج. ل. شيلينبرغ، وهذه بنيتُها في صياغته المتأخّرة:
- لو وُجد إلهٌ لكان كاملَ الحبّ.
- ومن كان كاملَ الحبّ كان منفتحًا دائمًا على علاقةٍ شخصيّةٍ واعيةٍ متبادلةٍ مع كلّ من يقدر عليها.
- ومن كان كذلك، لم يوجد شخصٌ «غيرُ مقاوِم» يفتقد الاعتقادَ بوجوده، لأنّ الاعتقادَ بوجود الطرف الآخر شرطٌ لازمٌ لقيام العلاقة معه.
- لكنّ عدمَ الإيمان عند غير المقاوِم موجود: طالبون صادقون بحثوا فلم يبلغوا، وأممٌ لم تبلغها فكرةُ هذا الإله أصلًا.
- فيخلص شيلينبرغ إلى أنّه لا وجودَ لإلهٍ شخصيٍّ كاملِ الحبّ.
وانتبه إلى القيد الذي في المقدّمة الثالثة: «غيرُ مقاوِم»، أي من لا يدفع الإيمانَ عن نفسه ولا يهرب منه. فمن ردّ الحجّةَ بقوله «الأدلّةُ ظاهرةٌ والمنكِرُ معاند» لم يخاطبها أصلًا، بل خاطب حجّةً أخرى. وقد صحّح شيلينبرغ صياغتَه بعد كتابه الأوّل: كان الشرطُ في كتاب ١٩٩٣ «عدمَ إيمانٍ لا يُلام عليه صاحبُه»، ثمّ صرّح بأنّ ربطَ الأمر باللوم كان خطأً، فجعل مكانه «عدمَ المقاومة» ٨ · ٩. ثمّ إنّ الحجّةَ لا تستهدف إلا إلهًا شخصيًّا كاملَ الحبّ؛ فلا تمسّ من قال بصانعٍ خلق العالمَ ثمّ اعتزله، ولا من قال بمطلقٍ غيرِ شخصيّ.
والمثالُ الذي يصوّر هذه الشكوى بأمانة: تلميذٌ يقف في الممرّ أمام مكتب أستاذه كلَّ يومٍ أسبوعين. الأستاذُ في الداخل، يعلم أنّه واقف، ولا يفتح. ومهما قيل بعد ذلك في الحكمة، فوقوفُ التلميذ في الممرّ واقعةٌ لا تُنكر، وسؤالُه سؤالُ من له حقّ.
*وحدُّ هذا المثال:* الأستاذُ لا يملك أن يوصل شيئًا إلى تلميذه إلا بفتح الباب، والدعوى هنا أنّ لله طرقًا للحضور غيرَ التي يتصوّرها الواقف. فالمثالُ يصوّر الشكوى، ولا يحكم في الجواب.
وهذه أقوى الردود على الحجّة، وما يُجاب به عن كلٍّ منها:
| الردّ | صيغتُه | وما يُجاب به عنه |
|---|---|---|
| المسافةُ المعرفيّة (سوينبرن ١٠) | لو ظهر اللهُ ظهورًا لا يُشكّ فيه لصار اليقينُ طاغيًا يُذهب ثقلَ الاختيار الأخلاقيّ؛ فالخفاءُ شرطُ الحرّيّة | يجيب شيلينبرغ: الاعتقادُ ليس طاعة. من اعتقد وجودَ الله بقي حرًّا أن يحبّه أو يعصيه، وفي التصوّر الدينيّ نفسِه كائناتٌ تعرف وجودَه وتعصيه. فهذا الردُّ يخلط بين شرطِ العلاقة وقهرِ الإرادة |
| المعرفةُ البنويّة (موزر ١١)، وهي صورةٌ مسيحيّةٌ يُشبَّه فيها علمُ المؤمن بربّه بعلم الابن بأبيه | اللهُ يحتجب عمّن يفحص عنه ببرودٍ من بعيد، ويُعرَف لمن أقبل مستعدًّا لأن يتغيّر | يجيب شيلينبرغ: من كان غيرَ مقاوِمٍ فهو بحكم التعريف مستعدٌّ بإرادته، فقد استوفى الشرطَ ولم يبلغ. فالردُّ إمّا أن يُفرغ لفظ «المقاومة» من معناه، وإمّا أن يترك الحالةَ المطروحة بلا جواب |
| الصمتُ أسلوبًا (ريا ١٢) | قد يكون الصمتُ من أسلوب ذاتٍ لها شخصيّتُها، وتعالي الله يجعل توقّعاتِنا عن صورة الحبّ الكامل غيرَ موثوقة | يجيب شيلينبرغ: هذا الردُّ يستهدف مقدّمةَ الحبّ لا مقدّمةَ الاعتقاد. وثمنُه أنّ قطعَ القياس على الحبّ الذي نعرفه يقطعه في الجهتين: من قال إنّ حضورَ الله قد يكون بصورةٍ لا نعدّها حضورًا، لزمه أن يقول إنّ غيابَه قد يكون غيابًا |
| العلاقةُ بلا تصديق (بوستن ودورتي ١٣) | الاعتقادُ الجازمُ بوجود الله ليس شرطًا لازمًا لكلّ صور العلاقة به؛ فقد تقوم علاقةٌ على الرجاء بلا تصديقٍ جازم | وهذا أمتنُ ما قيل في نظري، لأنّه وحدَه يهاجم بنيةَ الحجّة (المقدّمة الثالثة) لا نتيجتَها. وثمنُه أنّ تعليقَ الأمر على مفهومٍ رقيقٍ للعلاقة يُضعف دعوى الحبّ الكامل نفسَها |
| كلُّ منكرٍ مقاوِم | إنكارُ المقدّمة الرابعة: لا يوجد في الحقيقة من طلب بصدقٍ فلم يجد | يجيب شيلينبرغ: هذه دعوى عن بواطن الناس لا سبيلَ إلى إثباتها، ويكذّبها ظاهرُ حال من طلبوا بصدق |
وعُد بهذه الردود إلى التلميذ الواقف في الممرّ. قيل له في الأوّل: لو فتح الأستاذُ لك لصرتَ تستقيم لأنّك مراقَب، كطالبٍ في امتحانٍ والمراقبُ واقفٌ فوق رأسه، لا لأنّك اخترت. وقيل في الثاني: الأستاذُ يفتح لمن يطرق طرقًا آخر، لمن جاء مستعدًّا أن يتغيّر، كما لا يتعلّم أحدٌ السباحةَ بقراءة كتابٍ عنها. وقيل في الثالث: قد تكون للأستاذ طريقتُه في الكلام، لا تشبه طريقتَك. وقيل في الرابع: قد تكون بينك وبينه صلةٌ وأنت لا تراه. والتلميذُ بعد هذا كلِّه ما زال في الممرّ. وغايةُ ما يقوله أمتنُ الردود أنّ وقوفه قد لا يكون انقطاعًا تامًّا. وثمنُ ذلك أن يضعف معنى الحبّ الذي يُنسب إلى الأستاذ. وهذه الردودُ الخمسة من ميدانٍ واحد: كتابةُ فلاسفة الدين المعاصرين. فليس في الجدول تقريرُ أهل القبلة في الباب، وحصيلتُه حصيلةُ ذلك الميدان وحدَه. وتقريرُهم غيرُ ما فيه: أنّ الدلالةَ منصوبةٌ في الفطرة وفي النظر في الآفاق والأنفس قبل أن تُطلب، وأنّ الحجّةَ إنّما تقوم بإرسال الرسل لا بالظهور المباشر، كما في سورة الإسراء، وأنّ من لم تبلغه دعوةٌ لا يُؤاخذ، وهو المقرَّرُ عند الأشاعرة ولغيرهم في تفصيله خلاف. وهو جوابٌ من داخل الإيمان: لا يلزم من لم يقبل مصدرَه. ثمّ هو يرفع المؤاخذة ولا يرفع الواقعة، فالتلميذُ على حاله في الممرّ.
والعبءُ هنا ثقيلٌ على المؤمن، ولن أخفّفه. والمجلَّدُ الأشهرُ في المسألة مبنيٌّ على الخلاف. فيه فصولٌ كتبها مؤمنون وملحدون وأدريّون، أي متوقّفون لا يُثبتون ولا ينفون. وهذه الفصولُ يناقض بعضُها بعضًا، وناشرُه يصفه بأنّه متعدّدُ المنظورات ١٤. فمن نقل لك فصلًا منه على أنّه «موقفُ الفلاسفة»، لم يخبرك أنّ الكتابَ كلَّه بُني على الخلاف.
٦. أربعةُ أجوبةٍ مشهورة: ما يمسّه كلٌّ منها وما يعجز عنه
(أ) الاختيارُ الحرّ: هل الشرُّ ثمنُ أن نكون أحرارًا؟
قوّتُه: كثيرٌ ممّا نسمّيه شرًّا في الأرض فعلُ إنسانٍ باختياره. ولا أقدّر لذلك نسبة، فهذا شيءٌ لا يُحصى بالعدد. على أنّ ما لا يمسّه هذا الجوابُ أثقلُ ممّا يمسّه. وعالمٌ يُمنع فيه كلُّ فعلٍ سيّئٍ قبل وقوعه ليس عالمًا فيه أحرارٌ لا يخطئون، بل عالمٌ ليس فيه أحرارٌ أصلًا. والمثال: مصنعٌ أرادت إدارتُه أن تمنع كلَّ خطأٍ في خطّ الإنتاج، فثبّتت أذرعَ العمّال بحيث لا تتحرّك إلا في مسارٍ واحد. لم تعد هناك أخطاء، ولم يعد هناك عمّال؛ صار في مكانهم امتدادٌ للآلة يلبس قفّازات.
*وحدُّ هذا المثال:* أذرعُ العمّال تُقيَّد بالحديد ونحن نراه، والذي يُقيَّد في دعوانا إرادةٌ لا تُرى. وهنا اعتراضٌ من داخل الجواب، وهو أقوى من كلّ ما يُساق عليه من خارجه: لا حاجةَ إلى تقييدٍ أصلًا. ففي كلّ موقفٍ بعينه يكون اختيارُ الخير ممكنًا، وإلا لم يكن الفاعلُ حرًّا فيه. فلا تناقضَ في أن يوجد حرٌّ يختار الخيرَ في كلّ مرّة، كما لا تناقضَ في أن تُرمى قطعةُ النقود ألفَ مرّةٍ فتقع على وجهها في كلّ مرّة. فما الذي يمنع القادرَ من أن يخلق أحرارًا هذا شأنُهم؟ وهذا اعتراضُ ماكي بعينه. ولا يُردّ في ميدان هذا الجدل — وأصلُه المشترك أنّ الفعلَ لا يكون حرًّا إن كان اللهُ هو الذي حتّمه — إلا بدعوى الإمكان التي قال بها بلانتينغا: أنّه يجوز ألّا يوجد إنسانٌ ممكنُ الخلق يصلح لذلك. وعند متكلّمي أهل السنّة، الأشاعرة والماتريديّة، مأخذٌ آخر لا يمرّ بهذا الباب ولا يضيّق المقدور: أنّ إيمانَ الخلق أجمعين مقدورٌ لله، وأنّ المانعَ عدمُ المشيئة لحكمةٍ لا عجزٌ في القدرة، وأنّه لا يجب عليه شيءٌ يُلزمه به سواه؛ وفي سورة يونس تصريحٌ بأنّ المانعَ المشيئةُ لا العجز. وهو جوابٌ من داخل الإيمان لا يُلزم من لم يقبل أصلَه، وموضعُه من الحجّة أنّه يردّ القضيّةَ الرابعة المتقدّمة: أنّ الخيّرَ القادرَ يمنع كلَّ شرٍّ يقدر على منعه. وأمّا دعوى بلانتينغا فكافيةٌ في ردّ دعوى التناقض، لكنّها لا تُصدَّق لذاتها، ولا تُغني شيئًا أمام الاعتراض الاحتماليّ.
وحدُّه، وهو حدٌّ واسع: لا يفسّر ألمَ الطبيعة. الزلزالُ لا يختاره أحد. والسرطانُ في نخاع طفلٍ في الثالثة ليس فعلَ إنسانٍ حرّ، ولا نتيجةَ فعله. والغزالةُ في مثال رو ماتت وحدَها في غابةٍ لا إنسانَ فيها. فمن ساق الاختيارَ الحرَّ جوابًا عامًّا فقد أجاب عن نصف المسألة، وسكت عن نصفها الأثقل. وحالةُ رو الثانية تُري أنّ الحدَّ أوسعُ من ذلك: الطفلةُ قُتلت بفعلٍ حرّ. والجوابُ يبيّن لماذا لم يُمنع القاتلُ من الاختيار، لكنّه لا يقول شيئًا في سؤالٍ آخر: لماذا لم تُصرَف النتيجةُ عن الطفلة بعد أن اختار؟
ويُقال في ألم الطبيعة: عالمٌ بلا قوانينَ ثابتةٍ لا يمكن أن يُفعل فيه شيء، ولا أن يُتعلَّم فيه شيء. فالنارُ التي تطبخ طعامك هي النارُ التي تحرق يدك، وثباتُ قانونها هو الذي يجعلها تطبخ، وهو الذي يجعلها تحرق. وهذا وجيه. وحدُّه أنّ القانونَ الثابت يحتمل الاستثناءَ في مواضعَ نادرةٍ من غير أن ينهدم. ومن قال إنّ القوانين تُخرق في المعجزة لزمه سؤالٌ لا أملك له جوابًا حاسمًا: فلماذا لا تُخرق هنا؟
(ب) أيصنع الألمُ في الإنسان ما لا يصنعه غيرُه؟ — جوابُ جون هِك
قوّتُه: أنّه ليس كلامًا بعيدًا عن التجربة. فالعالمُ الذي لا يُؤلم فيه شيءٌ لا يوجد فيه صبرٌ ولا شجاعةٌ ولا رحمةٌ ولا إيثار. وليس ذلك لأنّ الناسَ فيه أشرار، بل لأنّ هذه المعاني تُعرف بما يقابلها، فإذا غاب ما يقابلها غابت صورُها التي نعرفها. فالشجاعةُ لا تُعرف إلا أمام خطر، والصبرُ لا يُعرف إلا على مكروه. ولا أزعم أنّ هذه المعاني تمتنع تمامًا في عالمٍ بلا ألم. فمن قال إنّ لها في عالمٍ آخر صورًا أخرى، فليس عندي حجّةٌ تردّه. غايةُ ما أقوله أنّ الصورَ التي نعرفها من الصبر والرحمة مرتبطةٌ بما يقابلها. وهذا هو مذهبُ الفيلسوف البريطانيّ جون هِك في «صناعة الأرواح»: أنّ العالم ليس دارَ لذّةٍ أُسيء صنعُها، بل موضعٌ تتكوّن فيه الأشخاص ١٥.
وشرطُه الذي لا يقوم بدونه: خاتمةٌ بعد الموت تشمل الناسَ جميعًا. فهِك يصرّح بأنّه لن تبقى في الحساب الأخير نفسٌ لم تكتمل، ولا ألمٌ لم يصر خطوةً في غاية الله. فمن نقل «صناعةَ الأرواح» بلا هذا الشرط نقل نصفَ المذهب. وهو شرطٌ ثقيل، يُلزم القائلَ بهذا المذهب بأن ينجو الناسُ جميعًا في النهاية. وعمومُ النجاة قولٌ لا يصحّ اعتقادُه في الإسلام: من مات على الكفر خالدٌ في النار، ثبت ذلك بالنصّ القاطع وإجماعِ أهل السنّة. فيُعرض المذهبُ ولا يُؤخذ به. ويترتّب عليه أنّ هذا الجوابَ لا يقوم إلا على جوابٍ من جنس «الميزان بعد الموت»، فكلُّ حدٍّ يقع على الميزان بعد الموت يقع عليه، وإن لم يظهر ذلك في أوّل النظر. واللزومُ في جهةٍ واحدة: فمن قال بالحساب بعد الموت ولم يقل بعموم النجاة لم يلزمه شرطُ هِك.
والألمُ المقصودُ هنا ألمٌ لم يجنِه صاحبُه. فمن يتعلّم من خطئه هو لا يدخل في المسألة، لأنّ لألمه سببًا من فعله هو، والطفلُ الذي يتألّم لم يُخطئ. ولستُ أحكم على مصابٍ بعينه بأنّ ما أصابه عقوبة: ذاك غيبٌ لا يُعلم، وللمصيبة في الشرع وجوهٌ أُخر، منها تكفيرُ الخطايا ورفعُ الدرجات وابتلاءُ الاختبار. والمثال: امرأةٌ وُلد لها ابنٌ لا يسمع، فقضت سنواتٍ تتعلّم لغةَ الإشارة، ثمّ صارت تعلّمها غيرَها. ما في هذه القصّة من رحمةٍ واتّساعِ صدرٍ لم يكن ليوجد على صورته هذه لولا أمرٌ لم تختره ولم تجنِه. وهذا يقع ويُعرف.
*وحدُّ هذا المثال:* الذي بُني هنا نفسُ الأمّ، والذي تحمّل الألمَ أوّلًا هو الابن. وهذا الانقسامُ بين من يُبنى ومن يتألّم لا يفارق أحسنَ مثالٍ يُضرب لهذا الجواب، فهو لا يفارق الجوابَ نفسَه.
وحدُّه، وهو أقسى ما في المسألة: ألمٌ يقتل صاحبَه ولا يبنيه. طفلٌ يموت في سنته الثانية لم يُصنع له خُلق. ومن الناس من يخرج من البلاء أقسى وأضيق، لا أرحمَ وأوسع. وهذا واقعٌ مشهودٌ لا يُنكَر.
ولا أقول إنّ هِكًا سكت عن هذا، ولا عن ألم الحيوان؛ فمن قال ذلك نسب إليه أضعفَ ممّا قال. ففي كتابه مبحثٌ مفردٌ في «ألم الحيوان»، ومبحثٌ في «المعاناة المفرطة أو المنقطعة عن الغاية»، أي المعاناة التي لا يُرى أنّها تؤدّي إلى شيء. وجوابُه فيهما أنّ هذا الفيضَ من الألم الذي لا يُفسَّر بالاستحقاق هو بعينه شرطُ الشفقة والرحمة. فلو كان الألمُ لا يصيب إلا من يستحقّه، لصارت الشفقةُ حسابًا. فحدُّه أنّ جوابه مردود، لا أنّه غائب. ووجهُ ردّه أنّه يجعل الألمَ خيرًا في مجموع العالم، لا في حقّ المصاب نفسِه. وأخطرُ من ذلك: من جعل ألمَ إنسانٍ وسيلةً لبناء غيره فقد لزمه قولٌ لا يُقال: أنّ هذا الطفلَ أداةٌ في درسٍ لأمّه.
وأصدقُ من ساق حدًّا من هذا الجنس فيلسوفةٌ تؤمن بإلهٍ خيّر، وتكتب من داخل هذا الإيمان لا من خارجه: الأمريكيّةُ مارلين مكورد آدمز. وهي مسيحيّةٌ أنجليكانيّة، تنقض أشهرَ ردود أهل ملّتها، لا ردودَ خصومهم. فهي تقرّر أنّ دفاعَ الإرادة الحرّة وثيوديسيا «الخير الأعظم» تعجزان عن الشرور الفظيعة؛ والثيوديسيا محاولةُ تفسير وجود الشرّ مع وجود إلهٍ خيّر. وسببُ عجزهما أنّهما تنظران إلى الخير في حساب العالم كلِّه، ولا تقولان شيئًا عن خير الشخص المصاب بعينه ١٦. فمن عدّها في قائمة «الردود على مشكلة الشرّ» عدّ خصمَ تلك الردود في صفّها.
ولشهادة آدمز هنا وزنٌ خاصّ، كوزن تسليم ماكي من قبل: فالشاهدُ يقوى حين يشهد على مصلحته لا لها، ومن نُقل عنه اعترافٌ يضرّه سقطت عنه تهمةُ الهوى. وهذه قاعدةٌ في وزن النقل، لا في وزن الحجّة. فالحجّةُ تقوم بذاتها ولو لم يقلها أحد. ولو لم يعترف ماكي بشيءٍ لما تغيّر في المسألة حرف. ولا يعني هذا أنّ اعتراضك لا يُعتدّ به حتى يقوله واحدٌ من أهل الإيمان. أمّا الفيلسوفُ الأمريكيُّ بيتر فان إنفاغن فليس من هذا الصنف. هو مؤمنٌ يردّ حجّةً على الإيمان، فشهادتُه في مصلحته. وما يُنقل عنه تحديدٌ لما يدّعيه جوابُه، لا إقرارٌ على نفسه.
(ج) «لا أعرف حكمتَه» — أيصلح جهلُنا جوابًا؟
هذا الجوابُ يسمّى «الشكّيّةَ الإلهيّة»: موقفُ مؤمنين يقولون إنّ عقولنا أقصرُ من أن نحكم بأنّه لا حكمةَ وراء ألمٍ ما. ويسمّيه بعضُهم «الثيوديسيا الشكّيّة»، والتسميةُ غيرُ دقيقة. فهو ليس ثيوديسيا، أي ليس تفسيرًا لوجود الشرّ، ولا دعوى معرفةٍ بحكمته. إنّما هو دفاع، والدفاعُ بيانُ أنّ حجّةَ الخصم لا تنجح، من غير ادّعاءٍ لمعرفة السبب. ولهذا لا يصحّ أن يُسمّى موقفُ فان إنفاغن ثيوديسيا، وفضلُه بعينه أنّه لا يقدّم ثيوديسيا.
صيغتُه: المقدّمةُ الأولى عند رو انتقالٌ من «لا أرى خيرًا يبرّر هذا» إلى «لا يوجد خيرٌ يبرّره». وهذا الانتقالُ لا يصحّ إلا بشرط: أن أكون قادرًا على رؤية هذا الخير لو كان موجودًا. وقد صاغ الفيلسوفُ ستيفن وِكسترا هذا الشرطَ صياغةً مضبوطة، وبسطه الفيلسوفُ وليم ألستون حين عدّد وجوهَ القصور في معرفتنا ١٧ · ١٨.
والمثالُ يُريك الشرط: دخلتَ غرفةً تفتّش فيها عن فيلٍ فلم تجده، فلك أن تجزم أنّه ليس فيها. ثمّ دخلتَ الغرفةَ نفسَها تفتّش عن بعوضةٍ فلم تجدها، فلم تُثبت شيئًا. والفرقُ ليس في اجتهادك في البحث، بل في حجم ما تطلبه بالنسبة إلى عينك. فإن كانت مقاصدُ عقلٍ لا حدَّ له من صنف البعوضة لا من صنف الفيل، سقط الانتقال.
وقوّتُه حقيقيّة. وفان إنفاغن لا يدّعي أنّ القصّةَ التي يرويها في جوابه هي السببُ الواقعيّ لما يقع من شرّ، بل يقول عنها إنّه يصدّق أجزاءً منها ولا يكذّب شيئًا منها. وغايتُه أن يُثبت أنّ حجّةَ الشرّ تفشل بوصفها برهانًا. ومعنى فشلها عنده أنّها لا تُلزم رجلًا متوقّفًا لا يميل إلى إيمانٍ ولا إلى إنكار، ويتّبع الحجّةَ حيث ذهبت؛ وهذا الرجلُ يسمّيه «الأدريَّ المثاليّ». فغايتُه ليست أن يفسّر ما وقع ١٩.
وحدُّه الأوّل، وهو الذي يقتل الجوابَ من داخله: من قال «لا أعرف حكمتَه» أمكن أن يُقال له: فأنت لا تعرف أيضًا أنّه خيّر. فإن كانت عقولُنا أضعفَ من أن ترى الخيرَ الخفيّ في احتراق غزالة، فهي أضعفُ من أن تحكم بأنّ ما نراه إحسانًا إحسانٌ في حساب العالم كلِّه. والسيفُ يمتدّ أبعدَ من ذلك: إلى الوعد والوعيد، وإلى كلّ حكمٍ أخلاقيٍّ يُنسب إلى الله. فينهار به ما يسمّى «اللاهوتَ الطبيعيّ» كلُّه، وهو الاستدلالُ بالعقل وبالنظر في الطبيعة على وجود الله وصفاته. وهذا نصُّ ما يجيب به شيلينبرغ من يدفع حجّةَ الخفاء بهذا الجواب ٩.
وحدُّه الثاني، وهو أشدُّ ما رُدّ به: الشللُ الأخلاقيّ. إن جاز أن توجد خيراتٌ لا أراها تبرّر سماحَ الله باحتراق طفل، فقد جاز مثلُها أن تبرّر امتناعي أنا عن إطفاء النار: فما يدريني أنّ تدخّلي لا يُفوّت خيرًا لا أراه؟ والحجّةُ التي تُسكِت الاعتراضَ تُسكِت معها كلَّ نداءٍ للإغاثة. وهذا اعتراضٌ منشورٌ قائم، ساقه الفيلسوفان مايكل ألميدا وغراهام أوبي ٢٠. ولهذا الاعتراض جوابٌ معروف: أنّ التكليفَ يقع على ما أعلمه لا على ما أجهله. فمن علم أنّ الإغاثةَ واجبةٌ عليه، فاحتمالُ خيرٍ مجهولٍ لا يرفع عنه هذا الواجب. ولا أزعم أنّ هذا الجوابَ يقطع النزاع. وأضعفُ ما فيه أنّه يُبقي الشكَّ في موضعٍ ويطرده من موضعٍ آخر، بلا مقياسٍ يفصل بين الموضعين. وهذا بالضبط ما يشكو منه المعترض.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ ترى أنّ ما تعلمه من واجب الإغاثة لا يرفعه ما تجهله من العواقب، فأنت مع الجواب المعروف عن هذا الاعتراض: التكليفُ يقع على المعلوم لا على المجهول. وإن كنتَ ترى أنّ هذا الجوابَ يُبقي الشكَّ في موضعٍ ويطرده من آخر بلا مقياس، فمعك أضعفُ ما فيه، ولا أدفعه. فللاعتراض جوابٌ معروف، ولا أزعم أنّه يقطع النزاع؛ ويبقى مفتوحًا المقياسُ الذي يفصل بين موضعٍ يبقى فيه الشكُّ وموضعٍ يُطرد منه.
والجواب من وجهين:
أوّلًا: أفرّق بين جهلٍ بالوقائع والعواقب، وجهلٍ بالقيم، وأتبنّى الأوّلَ وحده. ولستُ أنقل هذا عن أصحاب الشكّيّة الإلهيّة، بل أضيّق ما قالوه. فوِكسترا وألستون يقولان بالنوعين معًا. وينصّان على أنّ جهلَنا لا يقف عند العواقب، بل يمتدّ إلى الخيرات الممكنة نفسِها: فقد يكون منها ما لا يخطر لنا أصلًا، خيرٌ لا نعرف أنّه خير. ومن وسّع الشكَّ إلى القيم لزمه الحدّان السابقان بتمامهما، وأنا أقرّ بذلك ولا أدفعه عنه.
والمثال: طبيبٌ يعرف يقينًا أنّ شفاءَ المريض خيرٌ وأنّ موتَه شرّ؛ هذا حكمُ قيمة، وهو عنده ثابتٌ لا يتزعزع. ولا يعرف أثرَ هذا الدواء بعينه في هذا المريض بعينه بعد ثلاثة أشهر؛ وهذا جهلٌ بالعاقبة. فالجهلان نوعان مختلفان، ولا يلزم أحدُهما من الآخر لمجرّد أنّ اسمهما واحد.
*وحدُّ هذا المثال، وهو موضعُ اعتراضٍ وجيهٍ عليّ:* المتنازَعُ فيه ليس «أتعلم أنّ الألمَ شرّ؟»، بل الحكمُ المركّب: أهذا الألمُ بعينه مبرَّرٌ بما يترتّب عليه؟ وهذا حكمٌ يجتمع فيه القيمةُ والعاقبةُ معًا فلا ينفصلان. ثمّ إنّ في المثال نفسِه ما يعمل ضدّي: بأيّ شيءٍ نحكم نحن أنّ الطبيبَ خيّر؟ بفعله؛ بأنّه لا يترك مريضًا يتعذّب أيّامًا وهو قادرٌ على تسكينه، مهما قيل في حكمةٍ لا نراها. فنسبةُ الخير إلى فاعلٍ نستخرجها من فعله. وأنا أمنع هذا الاستخراجَ بعينه حين أقول إنّ الحكمَ بأنّ اللهَ خيّر لا يقوم على استقراء الحوادث. فبين القولين توتّرٌ لا أزعم أنّي حللتُه. غايةُ ما أقوله: نستدلّ من الفعل على الفاعل بشرطين، أن يكون الفاعلُ شريكًا لنا في الميزان نفسِه، وأن نرى مدى فعله كلَّه. فإن لم يتحقّق الشرطان لم يصحّ هذا الاستدلال. ومن قال إنّ هذا التخصيصَ مصادرةٌ على المطلوب، أي أنّي وضعتُ في الشرط ما أريد إثباتَه، فقد وجّه اعتراضًا معلومًا. وجوابُه أنّ الشرطين ليسا وضعًا لحاجة هذه الحجّة، بل هما شرطا كلّ استدلالٍ من فعلٍ على فاعل، ويعملان في الجهتين معًا: فالذي يمنعني أن أستخرج «خيّر» من الحوادث يمنع خصمي أن يستخرج ضدَّه منها. وهذا لا يرفع التوتّرَ الذي أقررتُ به، لكنّه يرفع عن الشرطين تهمةَ أنّهما صُنعا لهذا الموضع.
ثانيًا، وهو الأهمّ: الحكمُ بأنّ اللهَ خيّر، إن قام، لا يقوم على استقراء الحوادث. والاستقراءُ أن تستخرج قاعدةً عامّةً من حالاتٍ كثيرةٍ رأيتها. ومن بنى حكمَه بأنّ اللهَ خيّر على «نظرتُ في الوقائع فوجدتُها حسنة» فقد أعطى خصمَه سلاحَه بيده، لأنّ الوقائع بعينها هي موضعُ النزاع. والمثال: أنت لا تعرف أنّ أباك لا يظلمك بأن تُحصي ما أعطاك وما منعك في سنة؛ ولو بنيتَ ثقتك به على هذا الإحصاء وحده لهدمها أوّلُ يومٍ مُنعتَ فيه ما تريد. أنت تعرفه من جهةٍ أخرى، ثمّ تقرأ المواقفَ على ما عرفت.
*وحدُّ هذا المثال:* أنت عرفتَ أباك من أفعالٍ أخرى رأيتَها. فالجهةُ الأخرى التي عرفتَه منها هي أيضًا استقراء، لكن من أفعالٍ غير هذه. وهذا هو التوتّرُ نفسُه بين الاستدلال من الفعل على الفاعل ومنعِ هذا الاستدلال. فالمثالُ يُريك كيف يُقرأ الموقفُ على معرفةٍ سابقة، ولا يُريك من أين تأتي تلك المعرفةُ في حقّ الله.
فمن أين يأتي السند إذن؟ هو واحدٌ من ثلاثة أنواع: خبرٌ يُنسب إلى وحي؛ أو حجّةٌ عقليّةٌ على وجود الله وصفاته لا تعتمد على تجربة الألم؛ أو خبرةٌ باطنيّة يجدها الإنسانُ في نفسه. ولكلٍّ منها كلفةٌ مختلفة، وأثقلُها الأوّل. فالخبرُ إن كان هو نفسُه موضعَ النزاع، لم يصحّ أن يُستدلّ بما فيه على صدقه. وهذا عيبٌ في صورة الاستدلال، لا طعنٌ في الخبر: فمن نُوزع في صحّة وثيقةٍ ثمّ احتجّ بسطرٍ داخلها يقول إنّها صحيحة، لم يزد على أن أعاد الدعوى. فمن أثبت رحمةَ الله بخبرٍ هو نفسُه موضعُ النزاع دار على نفسه. ولا يخرج من هذا الدوران إلا أن يثبت صدقُ الخبر من طريقٍ لا يمرّ بما فيه. وهذا الجوابُ لا يُثبت واحدًا من هذه الثلاثة، فهو يبقى مشروطًا بثبوت واحدٍ منها. وكيف يُختبر خبرٌ يُنسب إلى الوحي؟ ذاك سؤالٌ آخر، هو سؤالُ: كيف تعرف أنّ كتابًا وحيٌ من الله؟ فإن لم يثبت عندك شيءٌ من الثلاثة، فهذا الجوابُ عندك شرطٌ لم يتحقّق، لا جوابٌ قائم. ولا أقول أكثرَ من هذا.
فالخلاصة: الجهلُ بالحكمة لا يهدم إلا صورةً من الإيمان بنت الحكمَ بأنّ اللهَ خيّر على قراءة الحوادث. وتلك صورةٌ تُهدم بغير هذا أيضًا.
وأمّا حجّةُ درابر، فهذا الجوابُ يمسّها، لكن بثمنٍ أعلى ممّا يبدو. ووجهُ مسّه: من قال إنّ عقولنا أضعفُ من أن ترى الخيرَ الخفيّ، فقد قال إنّ توقّعاتِنا عن الطريقة التي يوزّع بها إلهٌ رحيمٌ الألمَ لا يُعتمد عليها. وحجّةُ درابر مبنيّةٌ على هذا التوقّع بعينه. فليس صحيحًا ما يُقال من أنّ «الجهلَ لا يُضعف ترجيحًا، إنّما يمنع القطع»: الجهلُ بالخيرات الممكنة يُضعف ثقتنا في التوقّع، فيُضعف الترجيح. وثمنُه أنّ الشكَّ لا يُوجَّه إلى جهةٍ دون أخرى. فمن أبطل توقّعي أنّ الرحيمَ يوزّع الألمَ على نحوٍ آخر، أبطل معه كلَّ توقّعٍ أبنيه على وصفه، بما فيه ما أطمئنّ إليه أنا. فالجوابُ يُضعف الترجيحَ ولا يمحوه. لكنّه يأخذ في مقابل ذلك من رصيد دعوى المؤمن نفسِها.
(د) الميزانُ بعد الموت: هل يُنصَف المظلومُ بعد موته؟
هذا الجوابُ يقول: الحسابُ لا يُقفل عند الموت، فما لم يُنصَف فيه المظلومُ هنا يُنصَف فيه بعد ذلك. وأوّلُ ما يُقال فيه أنّه لا ينقض مقدّمةً عند رو ولا عند درابر. فرو يسأل عن خيرٍ أيًّا كان موضعُه، ولفظُ مقدّمته «خيرٌ أعظم» مطلقٌ لا يقيّده بهذه الحياة. ولم أجد عنده نصًّا يذكر الآخرةَ بعينها، فلا أنسب إليه أكثرَ من إطلاق اللفظ. ويكفي هنا أنّ اعتراضه لا يفترض أنّ الحسابَ يُقفل عند الموت. والذي ينقضه هذا الجوابُ هو الصيغةُ الشعبيّة: «مات ولم يُنصَف»، وهي تفترض أنّ الحسابَ أُقفل عند الموت. فهذا الجوابُ ينفع في موضع الشكوى، ولا يزحزح الاعتراضَ في صورته الدقيقة.
وهنا فرقٌ ثانٍ مهمّ: الإنصافُ بعد الموت تعويضٌ لا تبرير. فأن يُعوَّض المصابُ بعد مصابه شيء. وأن يكون في المصاب نفسِه خيرٌ يبرّر السماحَ به شيءٌ آخر. ومن قدّم التعويضَ جوابًا عن سؤال التبرير فقد بدّل السؤال. كطفلٍ أُعطي بعد حقنةٍ مؤلمةٍ قطعةَ حلوى: الحلوى تعويضٌ عن الألم، أمّا ما يبرّر الحقنةَ فهو الدواءُ الذي فيها، وهما شيئان مختلفان.
والمثال: دخل رجلٌ قاعةَ محكمةٍ في دقيقتها الأربعين، فرأى قاضيًا يستمع إلى متّهمٍ يسبّ فلا يردّ عليه، وشاهدًا يكذب فلا يقاطعه. فخرج يقول: هذه محكمةٌ لا عدلَ فيها. وما رآه صحيحٌ كلُّه، وحكمُه على ما رأى صحيح؛ والذي أخطأ فيه أنّه ظنّ أنّ ما رآه هو الجلسةُ كلُّها.
*وحدُّ هذا المثال:* في المحكمة نعلم أنّ في آخر الجلسة حكمًا، لأنّنا نعرف المحاكم. والدعوى في هذا الجواب أنّ للحياة بقيّةً بعد الموت، وهذا بعينه ما يُنازَع فيه. فالمثالُ يُريك أنّ الحكمَ على جزءٍ ليس حكمًا على الكلّ، ولا يُثبت أنّ هناك بقيّة.
وحدُّه صريح: هذا جوابٌ من داخل الإيمان. هو يبيّن أنّ الإيمانَ لا يناقض نفسَه، لكنّه ليس حجّةً من خارجه تُلزم من لا يقبل حياةً بعد الموت. ثمّ إنّه لا يجيب عن «لماذا وقع الألم؟» أصلًا، بل يجيب عن سؤالٍ آخر: أيبقى المظلومُ بلا إنصاف؟ والفرقُ بين السؤالين هو كلُّ شيء، ومن خلط بينهما وعد بما لا يعطي.
ولا يُقال هذا لمفجوعٍ الآن. فالجوابُ الصحيحُ في غير وقته يسمعه المفجوعُ استعجالًا لإنهاء الحديث، لا مواساة. فيصير الجوابُ نفسُه جرحًا ثانيًا.
(هـ) أيُّ جوابٍ يمسّ أيَّ صورة — جدولٌ بلا تجميل
والأجوبةُ الأربعة، مع ما لكلٍّ منها من قوّة، لا تُعطي شيئًا في كلّ صورةٍ من صور الاعتراض. وهي كما عُرضت ههنا مأخوذةٌ من مباحث فلسفة الدين المعاصرة، ومن نُقل عنهم فيها — بلانتينغا وهِك وفان إنفاغن وآدمز — يكتبون من داخل النصرانيّة. ولعلماء الكلام في الإسلام مباحثُ في هذا الباب لم أستقصِها. فالجدولُ الآتي حصيلةُ ما عُرض في هذا الفصل وحدَه، لا حكمٌ على كلّ إيمان. وهذا ما يمسّه كلُّ جوابٍ منها وما لا يمسّه:
| الجواب | فظائعُ الفعل الحرّ | ألمُ الطبيعة (الغزالة) | موتُ طفلٍ في الثانية | نمطُ درابر | خفاءُ الله |
|---|---|---|---|---|---|
| الاختيارُ الحرّ | يمسّ: يبيّن لماذا لم يُمنع الفاعل، ولا يبيّن لماذا لم تُصرَف النتيجة | صفر | صفر | صفر | صفر |
| صناعةُ الأرواح (هِك) | يمسّ في المصاب البالغ | له جوابٌ صريحٌ مردود: مبحثا «ألم الحيوان» و«المعاناة المفرطة أو المنقطعة عن الغاية»، وفيهما أنّ الألمَ الذي لا يُفسَّر بالاستحقاق شرطُ الشفقة. وردُّه أنّه خيرٌ في مجموع العالم لا في حقّ المصاب | صفر: طفلٌ يموت في سنته الثانية لم يُصنع له خُلق | ضعيفٌ جدًّا: لا يفسّر التوزيع | صفر |
| «لا أعرف حكمته» (الشكّيّة الإلهيّة) | يمسّ | يمسّ، وهو أقوى الأجوبة هنا | يمسّ | يمسّ بثمن: إضعافُ الثقة يعمّ الجهتين | يزيد السؤالَ ثقلًا لا خفّة |
| الميزانُ بعد الموت | تعويضٌ لا تبرير | لا أملك فيها شيئًا محدّدًا | تعويضٌ لا تبرير | صفر | صفر |
فالحصيلة: صورةُ رو في الغزالة لا يمسّها إلا جوابُ «لا أعرف حكمته»، بحدّيه. ولصناعة الأرواح فيها جوابٌ قيل ثمّ رُدّ، لا سكوت. ووجهُ ردّه أنّه يحسب الخيرَ في مجموع العالم، لا في حقّ المصاب. وفرقٌ بين جوابٍ قيل ثمّ رُدّ، وجوابٍ لم يوجد أصلًا. ومن عرض مذهبًا في صورةٍ أضعفَ من صورته فالعيبُ فيه هو، لا في المذهب. وأمّا صورةُ درابر فليس فيها إلا إضعافٌ للثقة، يعمّ دعوى المؤمن ودعوى خصمه معًا. فالأجوبةُ الأربعة لا تتقاسم صورَ الاعتراض فيما بينها حتى لا تبقى صورةٌ بلا جواب. ومن ظنّ ذلك فقد فهم منها غيرَ ما فيها.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ ترى أنّ كثرةَ الأصفار في هذا الجدول ترجّح الاعتراضَ عندك، فتلك قراءةٌ للجدول كما هو. وإن كنتَ ترى أنّ جوابًا واحدًا يمسّ صورةَ الغزالة ونمطَ درابر، ولو بثمن، يكفي لتبقى المسألةُ عندك غيرَ محسومة، فهذه أيضًا قراءةٌ له كما هو. والذي يترجّح عندي أنّ أقوى ما فيه جوابُ «لا أعرف حكمته»، لأنّه وحدَه يمسّ صورةَ الغزالة. ويمسّ كذلك نمطَ درابر، لكن بثمن: يُضعف الثقةَ في دعوى المؤمن كما يُضعفها في دعوى خصمه. ويبقى مفتوحًا أنّ لهذا الجواب نفسِه حدّيه، فلا تُحسم به صورةُ رو في الغزالة، ولا صورةُ درابر في توزيع الألم.
٧. إن لم يكن هناك إله، فبأيّ ميزانٍ تقول «هذا ظلم»؟ — ملحوظةٌ لا حجّة
الاعتراضُ في صورته الشائعة، لا في كلّ صوره، يقوم على حكمٍ لا يُنطق به: أنّ هذا ما كان ينبغي أن يقع. فهو لا يقول إنّ ما وقع مؤلمٌ فحسب، لأنّ الألمَ واقعةٌ وليس حكمًا. بل يقول إنّه ظلم. وكلمةُ «ظلم» تفترض ميزانًا يُقاس إليه ما وقع.
والمثالُ من الملعب: لاعبٌ سقط في منطقة الجزاء فصاح: «هذه ضربةُ جزاء! هذا ظلم!». هو هنا يحتكم إلى قانونٍ فوقه وفوق الحَكَم معًا، ولولا هذا القانونُ لما كان لصيحته معنى. فإن قيل له: لا قانونَ أصلًا، إنّما هي أقدامٌ وكرةٌ وأجسادٌ تتحرّك، بقي له أن يقول «لم يعجبني ما حدث»، ولم يبقَ له أن يقول «هذا ظلم». وهذا بعينه موضعُ هذه الملحوظة.
*وحدُّ هذا المثال:* قانونُ الكرة مكتوبٌ نعرف من وضعه، والميزانُ الذي نقيس إليه الظلمَ في العالم هو نفسُه موضعُ النزاع. فالمثالُ يُريك ما تفترضه كلمةُ «ظلم»، ولا يُثبت أنّ فوقنا ميزانًا.
ولهذه الملحوظة حدّان لا تتجاوزهما، وهما يُخرجان من دائرتها أكثرَ من يعرف ما يقول:
- لا تمسّ صورةَ درابر أبدًا. حجّتُه مقارنةٌ بين ما يتوقّعه فرضان، وسؤالُها: «أيُّهما يتوقّع ما نراه؟». فهي حجّةُ ترجيحٍ لا حجّةُ أخلاق: ليس في مقدّماتها حكمٌ بأنّ ما وقع ظلم، ولا بأنّه ما كان ينبغي أن يقع.
- ولا تمسّ من ساق الاعتراضَ إلزامًا من داخل الإيمان نفسِه. وهذه أقوى صورةٍ له عند أصحابه، وأوّلُ ما يقوله من درس المسألة. وصورتُه أن يقول لك المعترض: «أنا لا أُدخل في المقدّمات قيمةً من عندي، بل أُدخل قيمَك أنت. أنت تقول إنّ الله خيرٌ بالمعنى الذي تفهمه من الخير، ورحيمٌ بالمعنى الذي تفهمه من الرحمة، وإنّ الظلمَ قبيحٌ في حقّه؛ ثمّ أُريك أنّ ما في العالم لا يتّفق مع أقوالك هذه». ومن كشف لصاحب نظريّةٍ تناقضًا في نظريّته، لم يلزمه هو أن يؤمن بها. كما لا يلزم من بيّن لصاحب حسابٍ خطأً في جمعه، بقواعد الجمع التي يسلّمها هو، أن يكون قائلًا بنتيجته.
فهذه الملحوظةُ تخاطب صنفًا واحدًا: من يقول «هذا ظلم» باسمه هو، حكمًا منه على العالم. ولا تخاطب من يقوله إلزامًا لخصمه بأصول الخصم. وهي بهذا القيد لا تصلح جوابًا عامًّا في المسألة. ومن ساقها جوابًا عامًّا فقد ردّ على صورةٍ من الاعتراض لم يقلها أقوى أصحابه، ووقع في «رجل القشّ»: أن تعرض رأيَ خصمك بأضعف صورةٍ لتهزمه.
فإن كان القائلُ يقول «ظلم» باسمه هو، ولم يكن فوقنا ميزان، فليس عنده فيما جرى للطفل إلا وصفٌ واحد على أصله هو: خلايا انقسمت انقسامًا لا ينضبط، وأعصابٌ أطلقت إشارات، ثمّ توقّف كلُّ ذلك. وهذا الوصفُ صادقٌ فيما وصف، وتامٌّ فيما فسّر. لكن لا يبقى فيه موضعٌ لكلمة «ينبغي» إلا بمعنى: نحن نكره هذا. وهذا على أصله هو، لا على أصلي.
وليس هذا تهمةً أرمي بها المخالف، بل موقفٌ التزمه أصحابُه بشجاعة. فماكي، صاحبُ أقوى صياغةٍ للاعتراض المنطقيّ، كتب أنّ القيمَ الأخلاقيّةَ الموضوعيّة غيرُ موجودةٍ أصلًا، أي أنّه لا يوجد صوابٌ وخطأٌ قائمان بأنفسهما خارجَ ما يرتضيه الناس. وسمّى حجّتَه على ذلك «حجّةَ الغرابة»: لو كان في العالم صوابٌ وخطأٌ قائمان بأنفسهما، لكانا شيئين لا يشبهان شيئًا ممّا نعرف: يأمرانك بذاتهما بلا آمر. ولاحتجنا إلى حاسّةٍ خاصّةٍ لا نظيرَ لها لندركهما بها. وهذا عنده أغربُ من أن يُقبل ٢١.
وماكي نفسُه يُري حدَّ هذه الملحوظة. فهو لم يترك حجّةَ الشرّ حين أنكر القيمَ الموضوعيّة، ولا حين قال بما يسمّى «نظريّة الخطأ»، أي أنّ كلّ حكمٍ أخلاقيٍّ يدّعي صوابًا قائمًا بنفسه حكمٌ مخطئ. بل ظلّ يسوق حجّةَ الشرّ بعد ذلك بسنوات، في كتابٍ أفرد لها فيه فصلًا ١. ولم يتناقض ماكي بذلك. فانسجامُه مع نفسه لم يكن بترك الحجّة، بل بسَوقها إلزامًا من داخل الإيمان: هو لا يقول «الكونُ ظلم الطفل»، بل يقول «إلهُكم كما وصفتموه كان يلزمه أن يمنع هذا». فأوضحُ مثالٍ على أنّ الاعتراضَ يقوم بلا ميزانٍ موضوعيّ هو ماكي نفسُه.
وأقول صراحةً ما تخسره هذه الملحوظة، ولا أزيّنها:
أوّلًا: هي لا تُثبت وجودَ الله، ولا تقترب من ذلك. غايتُها أن تُريك أنّ للإنكار كلفةً في موضعٍ آخر، والكلفةُ ليست برهانًا.
وثانيًا، وهو الأثقل: مقدّمتُها منازَعٌ فيها بقوّةٍ عند فلاسفةٍ لا يؤمنون. فالفيلسوفُ ديفيد إينوخ دافع عن «الواقعيّة الأخلاقيّة»، أي أنّ الخيرَ والشرّ حقيقتان لا مجرّدُ أذواق. وكتابُه في ذلك من أوسع ما كُتب في بابه، والواقعيّةُ التي يدافع عنها لا تردّ الأخلاقَ إلى الطبيعة ولا إلى الله ٢٢. والفيلسوفُ إريك فيلينبرغ ردّ مباشرةً على من يقولون إنّ الأخلاق لا تقوم بغير الله. وحاصلُ ردّه أنّ الحقائقَ الأخلاقيّةَ الأساسيّة ليست أغربَ من حقائقَ ضروريّةٍ يلتزمها المؤمنُ نفسُه. والحقائقُ الضروريّةُ هي التي لا يمكن أن تكون على غير ما هي عليه، ولا يُسأل عن سببها. فالعبءُ على الطرفين سواء ٢٣. فمن قال «لا شرَّ بلا إله» فقد كذّبه فلاسفةٌ غيرُ مؤمنين بكتبٍ كاملةٍ في خلاف قوله. ومن قال «إذن الملحدُ لا أخلاقَ له» فقد كذب على خصمه. فماكي نفسُه، في الكتاب ذاته الذي أنكر فيه القيمَ الموضوعيّة، جعل قسمَه الثاني في الأخلاق العمليّة: الإجهاضِ والعدلِ والكذبِ وغيرِها ٢١. وأن يفعل ذلك في الكتاب نفسِه أدلُّ على المقصود من أن يُفرد له كتابًا.
فما الذي يبقى من الملحوظة بعد هذا كلِّه؟ شيءٌ واحدٌ متواضعٌ وصحيح: أنّ الإنكارَ لا يُنجي من المشكلة، إن كان صاحبُ دعوى «الظلم» يقولها باسمه هو. فالمشكلةُ تسقط عن الإيمان بالله، ثمّ تنتقل إلى لغة المتألّم نفسِه. فأنت أمام أحد أمرين. إمّا أن تفقد الكلمةَ التي جعلت الحادثةَ ظلمًا، ويبقى الألمُ كما هو. وإمّا أن تُبقي الكلمةَ وتدفع ثمنًا آخر: أن تقول إنّ «الظلمَ قبيح» حقيقةٌ قائمةٌ بنفسها، لا شيءَ تحتها ولا أحدَ وضعها؛ وهذه دعوى ثقيلةٌ أيضًا، وإن كان لها قائلون.
ولا أرجّح لك بين الثمنين هنا. فيلينبرغ يقول إنّ العبءَ على الطرفين سواء، ولا أملك ما أردّ به دعوى التساوي هذه ٢٣. والذي أقوله لك واحد: تركُ الإيمان له ثمنٌ أيضًا. فلا تختر وأنت تظنّ أنّك تخرج بلا حساب، واختيارُك بعد ذلك إليك. وهذه ملاحظةٌ في الكلفة، لا حجّةٌ على وجود الله. وهي ترجيحٌ، لا إلزام.
ولا تُقال هذه الملحوظةُ لمفجوعٍ أبدًا. موضعُها مجلسُ نظرٍ هادئ. ومن قالها عند قبرٍ لم يقل شيئًا صحيحًا في غير موضعه فحسب، بل استعمل ميّتَ رجلٍ في مناظرة.
٨. وأين أقف أنا — «لا أعرف» صريحةٌ لا مجاملة
الميزانُ في هذه المسألة لم يستقرّ. وهذا ما أراه:
ما انتقل عنه الثقل: الاعتراضُ المنطقيّ. سلّم صاحبُ أشهر صياغةٍ له بأنّه لا يُظهر تناقضًا منطقيًّا. لكنّه لم يترك الاعتراضَ نفسَه، بل ختم بأنّ ثمّة قرينةً قويّةً على أنّ الإيمانَ بإلهٍ قادرٍ خيّرٍ لا يصير متّسقًا دون تغييرٍ جوهريٍّ في إحدى عقائده. ثمّ انتقل ثقلُ النقاش بعده إلى الاعتراض الاحتماليّ ١. وهذا وصفٌ لاتّجاه الكتابة، لا إحصاءٌ لها، وليس دعوى إجماع. ولا أقول إنّ الاعتراضَ المنطقيّ لم يعد يُطرح في موضعٍ جادّ: فهو يُطرح، وقد أُعيد فتحُه سنة ٢٠١٩ بقضايا أخرى، ودارت حوله ردود ٢. غايةُ ما أقوله إنّ ثقلَ النقاش اليوم في غيره.
وما لم يسقط: صورةُ رو بحالتيها، الغزالةِ والطفلة، وصورةُ درابر. لم تُردّا، وليس عندي ما يردّهما ردًّا حاسمًا. وثلاثةٌ من الأجوبة الأربعة لا تُعطي فيهما شيئًا يُعتدّ به: ففي أكثر الخانات صفر، وفي واحدةٍ جوابٌ ضعيفٌ جدًّا، وفي أخرى سكوتٌ مصرَّحٌ به، وفي ثالثةٍ جوابٌ قيل ثمّ رُدّ. والجوابُ الرابع يمسّهما بثمنٍ يعمّ دعوى المؤمن كما يعمّ دعوى خصمه. ومن أمانة الفلاسفة ما قاله الفيلسوفُ الأستراليُّ غراهام أوبي، وهو من أبرز من دافع عن الإلحاد: أنّ حججَ الطرفين لا تنجح في إلزام الخصم العاقل، لا حججُ الإيمان ولا حججُ الإلحاد ٢٤. وليس هذا انتصارًا لي؛ إنّما هو وصفُ حال. ووصفُ حالِ المجلس غيرُ الحكم على الأمر في نفسه. فقولي «لم تُردّا» خبرٌ عن حدّ ما في يدي أنا، وحدّ ما يقطع النزاعَ بين اثنين بميزانٍ يقبلانه معًا؛ لا حكمٌ بأنّ مسألةَ وجود الله موقوفةٌ على هذا الباب. ومن جعل عجزَ المناظر في مجلسه حكمًا على الحقيقة فقد خلط بين أمرين.
وما هو أثقلُ ممّا يُظنّ: خفاءُ الله. وهو في نظري أثقلُ من سؤال الشرّ عند من بحث بصدقٍ فلم يجد، لأنّه يمسّه هو، لا يمسّ العالم.
ومن اللافت أنّ الشرَّ يدخل الحسابَ حتى عند أشدّ من يدافع عن الإيمان بطريقة الاحتمالات. فالفيلسوفُ البريطانيُّ ريتشارد سوينبرن، من أشهر المدافعين عن الإيمان، يزن أدلّةَ وجود الله بطريقة الاحتمالات، وهي الطريقةُ التي تسمّى «البايزيّة»: يبدأ من احتمالٍ قبل النظر في الأدلّة، ثمّ يرفعه مع كلّ دليلٍ يؤيّد ويخفضه مع كلّ ما يعارض. ويُفرد للشرّ بابًا في هذا الحساب ولا يُسقطه منه. وينتهي في كتابه إلى أنّ وجودَ الله أرجحُ من عدمه، أي أنّ احتمالَه يزيد على النصف. ولا يقدّر مقدارَ هذه الزيادة؛ فلا يقين عنده، ولا رجحانٌ ساحق ١٠. وأمّا الرقمُ الشائع، «أثبت فلانٌ وجودَ الله بنسبة سبعةٍ وتسعين في المئة»، فليس في هذا الكتاب. ولسوينبرن رقمٌ يشبهه في مسألةٍ أخرى، هي احتمالُ ما يعتقده المسيحيّون من قيامة المسيح عليه السلام، في كتابٍ آخر ٢٥. فمن ساقه دليلًا على وجود الله نقل رقمًا صحيحًا إلى غير مسألته. ومن نفاه عن سوينبرن نفيًا مطلقًا نفى شيئًا موجودًا؛ فيسقط كلامُه عند أوّل من يُخرج الرقمَ من موضعه، ويسقط معه ما حوله من كلامٍ صحيح.
وأمّا سؤالك أنت: لماذا هذا القدرُ من الألم بعينه؟ لماذا هذا الطفلُ بعينه؟ فجوابي فيه واحد: لا أعرف. ولا أعرف أحدًا يعرف. ومن أجابك عنه بحكمةٍ معيَّنة، فإمّا أنّه أجاب سؤالًا غيرَ سؤالك، وإمّا أنّه قال ما لا يملك عليه دليلًا. والحكمُ ههنا على القول لا على قائله.
وهنا أمرٌ ليس حجّة، بل تحديدٌ لوعد. الدينُ لا يعدك بأن تفهم وجهَ كلّ حادثةٍ بعينها. أمّا الوجهُ العامّ فمبيَّنٌ في الخبر: أنّ هذه الدارَ دارُ ابتلاء. ولم يقل لك أحدٌ يُعتدّ بقوله إنّك ستُعطى الملفَّ كلَّه لتقرأه. الذي يُوعَد به شيءٌ آخر: أن تُنصَف.
فإن سألتَ: وما صورةُ ذلك؟ فأقول محدَّدًا، ولا أزيد على ما أملك. في الطفل: أنّ الذي مات لم يُعدَم، وأنّ ما جرى له ليس الكلمةَ الأخيرةَ فيه؛ وأنّ من ظلمه يُؤخذ منه؛ وأنّ ما احتمله لا يُهمَل في حسابه. هذه ثلاثةُ أشياء محدَّدة، يمكن أن تصدق أو تكذب، وليست لفظًا حسنًا. وأمّا الغزالةُ في الغابة فلا أملك فيها شيئًا محدَّدًا. وليس ذلك لأنّ الخبرَ لا يذكر البهائم: ففي سورة التكوير أنّ الوحوشَ تُحشر، وفيما أخرجه مسلمٌ أنّ الحقوقَ تُؤدّى إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقتصَّ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. لكنّ غزالةَ رو لم يظلمها أحد؛ أحرقتها نارٌ من صاعقة، فليس فيها حقٌّ يُستوفى من أحد، وإنّما السؤالُ عوضٌ عن ألمٍ لا ظالمَ فيه. وذاك موضعُ خلافٍ بين أهل النظر: المعتزلةُ يوجبون العوضَ على الله، والأشاعرةُ لا يوجبون عليه شيئًا ويجعلونه تفضّلًا إن وقع. ولا أحسم خلافَهم، ولن أخترع للغزالة إنصافًا لأسدّ به فراغًا في الجواب. فسكوتي ههنا سكوتُ من لا يرجّح بين قولين، لا إخبارٌ بأنّ الخبرَ خالٍ من هذا الباب. فجوابُ «الميزان بعد الموت» لا يمسّ الغزالةَ، ولا يمسّها إلا جوابُ «لا أعرف حكمته» بحدّيه.
وهنا اعتراضٌ لا أهوّن من شأنه: سيفُ الجهل بالحكمة يمتدّ إلى هذا الوعد أيضًا. فمن جهل الحكمةَ، فما يدريه أنّ «الإنصاف» يكون على المعنى الذي يفهمه؟ وجوابي أنّ الذي أجهله حكمةُ الواقعة، لا معنى الوعد. فالجهلُ بعلّة الفعل شيء، والجهلُ بمدلول الكلام شيءٌ آخر؛ ولو سرى أحدُهما إلى الآخر لم يبقَ لخطابٍ معنًى يُعتمد عليه، ولا صحّ تكليفٌ ولا وعدٌ ولا وعيد. والذي يلزمني من الاعتراض قدرٌ معلوم: أعرف أنّ الإنصافَ واقعٌ وأعرف معناه، ولا أعرف كيف يقع ولا مقدارَه ولا متى؛ وذاك فرقٌ مقرَّر: أن يُعلم معنى الخبر وتُجهل كيفيّتُه. وغايةُ ما أقوله إنّ هذا الوعدَ يُتلقّى من الخبر، لا من قراءة الحوادث. فهو جوابٌ من داخل الإيمان، كجواب «الميزان بعد الموت»: من لم يقبل مصدرَ الخبر لم يلزمه منه شيء. فلستُ أسوق هذا الوعدَ ههنا إلزامًا لمن لا يُسلّم بمصدره، ولا يصحّ أن يُقدَّم إليه على أنّه حجّة. وأمّا من صحّ عنده المصدرُ فالخبرُ حجّةٌ عليه، وذاك موضعٌ آخر.
والفرقُ بين الوعدين، أن تفهم وأن تُنصَف، ليس تفصيلًا صغيرًا: هو الفرقُ بين إيمانٍ ينهار عند أوّل حادثةٍ لا يُفهم وجهُها، وإيمانٍ يحتمل ألّا يُفهم كثيرٌ ممّا يقع.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ ترى أنّ صورتَي رو ودرابر ترجّحان الإنكارَ عندك، فذاك حسابُك، وأنا لا أملك ما يردّهما ردًّا حاسمًا. وإن كنتَ ترى أنّ سؤالًا بلا جوابٍ يبقى سؤالًا بلا جواب، لا برهانًا على نفيٍ ولا على إثبات، فأنت قريبٌ ممّا قاله أوبي: لا حججُ الإيمان تُلزم الخصمَ العاقل، ولا حججُ الإلحاد. والذي يترجّح عندي ثلاثةُ أمور: أنّ صورةَ الاستحالة لم تثبت؛ وأنّ صورتَي رو ودرابر لم تسقطا بأدوات هذا الفصل؛ وأنّ الخفاءَ أثقلُ من الشرّ عند من طلب بصدقٍ فلم يجد. فصورةُ الاستحالة سلّم فيها صاحبُ أشهر صياغةٍ لها. وصورتا رو ودرابر بقيتا قائمتين بعد الأجوبة الأربعة. والخفاءُ يمسّ الطالبَ نفسَه، لا العالم. وبقاءُ الحجّة قائمةً ليس حكمًا بصحّتها، وعجزي عن ردّها ليس تصحيحًا لها. وصاحبا الصورتين أنفسُهما لا يدّعيان أكثرَ من ذلك: رو يسمّيها حجّةً قويّةً لا برهانًا ٥، ودرابر يجعلها سببًا ظاهريًّا يُرجَّح عليه بدليلٍ من بابٍ آخر ٧. فهذا ميزانُ مجلسٍ بعينه، لا ميزانُ المسألة كلِّها؛ ومن ثبت عنده الخبرُ دخل في حسابه ما لا يُلزَم به من لم يثبت عنده. ويبقى مفتوحًا بعد ذلك أثقلُ ما في المسألة: لماذا هذا القدرُ من الألم بعينه، ولماذا هذا الطفلُ بعينه.
ولك أن تبقى على شكّك. لا أشترط عليك أن تقتنع، ولا أعدّ بقاءك حيث أنت فشلًا لي. وإنّما أطلب منك شيئًا واحدًا: أن يكون الذي تردّه هو ما قيل فعلًا، لا صورةً منه صنعها من أراد أن يكسبها.