ردُّ العقل — لِمَ لم يقنعني ما عُرض عليّ، وأين أقف أنا عاجزًا
هذه رسالةٌ كتبتُها على لسان العقل، جوابًا عن رسالة «من نفسِك إلى عقلك». والعقلُ لا يكتب رسائل، وليس في المرء اثنان؛ وإنّما هي طريقةٌ في الكلام. والمتكلّمُ فيها معترضٌ مقيمٌ على اعتراضه، لا كاتبُ الكتاب. وهذه رسالةٌ لا برهان: ليس فيها سطرٌ يُلزم بشيء، لا بنفيٍ ولا بإثبات، ومن قرأها دليلًا فقد قرأ غير ما كُتبت له. وكلُّ اعتراضٍ فيها مبحوثٌ في فصول الكتاب قبل الرسائل، وهناك جوابُه أو بيانُ ما لم يُجَب عنه.
قرأتُ ورقتَكِ مرّتين. في الثانية كنتُ أعدّ ما تطلبينه لا ما أردّ به. وجدتُ ثلاثةَ مطالب: سطرين وتاريخين، وجوابًا عن أربعة أسئلة، واعتراضي بصيغتي أنا. أمشي عليها بالترتيب، ثمّ أزيد بابًا لم تسأليني عنه.
وأبدأ بما لا يسرّني: أنتِ تنازلتِ في ورقتكِ عن أكثرَ ممّا كنتُ سأطلب منكِ التنازلَ عنه. لم تدّعي أنّكِ كنتِ في الغرفة شاهدًا مستقلًّا عليّ، بل قلتِ بنفسكِ إنّ ما تذكرينه عنّي جزءٌ من ذاكرتي أنا لا شاهدٌ ثانٍ عليها. ولم ترسمي لي صورةَ شابٍّ مجروحٍ جمعتِها من قصصٍ شتّى، ثمّ تقولي بعدها: «وأنت لستَ هو». وأقررتِ أنّ ورقتَكِ نفسَها عملٌ ساقه دافعٌ ولم يفحصه أحدٌ من خارجه. فلم يبقَ لي من هذا الوجه ما أردّ به. فأمشي إلى ما سألتِ عنه.
١ · التاريخان: أوّلُهما عندي، والثاني لا أملكه
سألتِ نفسَكِ قبلي: «ماذا لو لم تكن هناك ليلةٌ أصلًا؟»
لم تكن.
لا ليلة، ولا حادثة، ولا مجلسٌ أُهنتُ فيه، ولا موتٌ ولا مرض. والذي وقع أنّي قرأتُ ثلاثَ سنواتٍ في اتّجاهٍ واحد، وكنتُ في أوّلها أسأل لأطمئنّ، فصرتُ في آخرها أسأل ولا أنتظر جوابًا. وانتهى الأمرُ كما ينتهي عقدُ إيجارٍ لم يُجدَّد: بلا مشهد. وأقربُ وصفٍ له عندي مَلَلٌ يتراكم من أجوبةٍ لا تُجيب. ليس فيه ما يصلح لصفحة.
وأزيدُكِ ما ليس في مصلحتي: أرى أنّ هذا هو الأكثرُ وقوعًا، وهو الأقلُّ ظهورًا. فالجرحُ يُروى، والمَلَلُ لا يُروى. ولذلك يكتب من يكتب عنّا عن المجروح، لأنّ حكايتَه وحدَها هي التي تصلح أن تُروى.
أمّا التاريخان فهذا ما أملكه منهما بالضبط:
الأوّل: أوّلُ اعتراضٍ مكتوبٍ بصيغته. وهو مسجَّلٌ عندي بتاريخه، لأنّي أكتب ما أقرأ منذ زمن. الثاني: لا أملكه. التعبُ ليس له تاريخٌ يُكتب. ولا أستطيع أن أضع في مقابل الأوّل ليلةً بعينها. وليس ذلك لأنّها غيرُ موجودة، بل لأنّي لا أعرف.
ولن أخرج من هذا بريئًا: من لا يملك التاريخ الثاني لا يستطيع أن يقول إنّه جاء بعد الأوّل. وغايةُ ما أقوله أنّ المسطرةَ التي وصفتِ عطبَها ثمّ أعطيتِني إيّاها معطوبةٌ عندي أيضًا، ومن الجهة نفسها. فمن عاد بذاكرته يفتّش في نفسه عن سببِ ما صار إليه، لم يخرج إلا بحكايةٍ مرتّبة. والذاكرةُ تحبّ أن تجعل للأمر ليلةً بعينها.
وأنتِ صرّحتِ بما يترتّب على هذا الجواب، فأقوله بلفظكِ ولا أُتبعه شماتة: ما في أوّل ورقتكِ عن التاريخين، والأسئلةُ عن اللحظات الأربع، والورقةُ التي تطلبينها منّي، لا شيءَ منها يقف. ويبقى ما هو أثقلُ منها كلِّها: سؤالُكِ عن اعتراضي. وإليه أمشي، ولكن بعد موضعين.
٢ · حجّةُ الأصل: أنّكِ وُلدتِ في دينكِ — ولا أرفعها عليكِ
ويُفتح لي هنا بابٌ لا أدخله: أن أقول لكِ انظري إلى أصل إيمانكِ، فقد وُلدتِ فيه. ولا أقولها، لسببين.
الأوّل أنّكِ لم ترفعيها عليّ. لم تقولي إنّ استنتاجي باطلٌ لأنّ دافعَه كذا. بل قلتِ ما هو أدقُّ وأصعبُ ردًّا: إنّكِ سألتِ، وإنّكِ لا تعرفين أكان الذي وجدتُه جوابًا عن سؤالي أم عن سؤالكِ. ثمّ نزعتِ السكّينَ بيدكِ حين قلتِ إنّها تقطع في الجهتين معًا ولا تُصيب أحدًا دون الآخر. فهذا سلاحٌ نُزع قبل أن أمسّه، ومن رفع سلاحًا كهذا فإنّما يصارع نفسَه.
والثاني أنّها لو رُفعت لأصابت الاثنين. البيتُ الذي وُلدتِ فيه بيتي، والاسمُ الذي سمعتِه قبل أن تعرفي معناه سمعتُه معكِ.
والقاعدةُ التي أريد الاتّفاق عليها واحدة: أصلُ الاعتقاد لا يحسم صدقَه. والبحثُ في نشأة الاعتقاد عند الناس، كالذي في كتاب باسكال بواييه، موضوعُه كيف نشأ الاعتقاد، لا هل هو صادق. والانتقالُ من الأوّل إلى الثاني مغالطةٌ تُسمّى مغالطةَ التكوين: أن تحكم على الرأي بالموضع الذي نبت فيه لا بدليله. وهي تقع في الاتّجاهين معًا: أن تستدلّ بمنبت الرأي على بطلانه، أو بمنبته على صدقه. وهذا حكمي أنا على موضوع الكتاب، لا نصٌّ أنقله عن مؤلّفه. وقد صرتُ أُميّز بين الاثنين بعد أن أخطأتُ فيهما، وسأذكر أين بعد قليل.
وعبارتان تُقالان في هذا الباب: «العلمُ أثبت أنّ الدين وهمٌ في الدماغ»، و«العلمُ أثبت الفطرة» — أي الميلَ الذي يولد عليه الإنسانُ إلى الإقرار بخالق. سمعتُهما في التعليقات لا في الأوراق، ولا أنسب واحدةً منهما إلى فريقٍ بعينه. والورقةُ التي يُحتجّ بها لا تقول لا هذه ولا تلك.
ولا أقول لكِ: «لو وُلدتِ على بُعد ألفَي كيلومتر لكنتِ الآن تكتبين عن إلهٍ آخر». الصوابُ أن يقال: لكان الأرجحُ. فأثرُ النشأة يظهر في مجموع الناس، أمّا الجزمُ به في شخصٍ بعينه فزيادةٌ من النوع الذي أعيبه.
٣ · هل فحصتُ إلحادي أنا؟ ثلاثةُ أسئلةٍ سألتُها لنفسي، ورأيان رجعتُ عنهما
سألتُ نفسي ثلاثةً، وأجيب عنها بأمثلةٍ لا بدعوى.
هل قرأتُ أقوى ما عند الطرف الآخر؟ أحسنُ ما أستطيع قولَه: قرأتُ صيغةَ الحجّة عند أهلها، لا صيغتَها على المنابر. وأنتِ سمّيتِ غراهام أوبي، الفيلسوفَ الأستراليَّ، وهو من أبرز من دافع عن الإلحاد. فأقول ما في كلامه ممّا هو عليّ لا لي. هو ينتهي إلى أنّ حجج وجود الله لا تبلغ عنده حدَّ النجاح، والنجاحُ عنده أن تُلزم الحجّةُ كلَّ عاقلٍ كان ينكر نتيجتَها أو يتوقّف فيها. ثمّ يطبّق المعيار نفسَه على حجّة الشرّ، فلا تنجح عنده كذلك. ولا يقول إنّ حجج الطرفين باطلة، إنّما يقول إنّه لا واحدةَ منها بلغت هذا الحدّ. فأقوى ما في يدي لا يبلغ أن يكون برهانًا، بميزان الرجل الذي أستشهد به. أقبل هذا، وسأبني عليه في القسم الخامس.
هل عرضتُ حججي على من يستطيع كسرها؟ أقلَّ ممّا ينبغي. أكثرُ من أعرضها عليهم يوافقني، وموافقتُهم لا تساوي شيئًا. وهذا عيبٌ فيّ لا مزيّة.
هل غيّرتُ رأيًا تحت ضغط دليل؟ لن أقول «في مواضعَ وسأدلّكِ عليها»؛ الوعدُ بمثالٍ ليس مثالًا. فهذان اثنان بأسمائهما:
الأوّل: كنتُ أردّد أنّ أكثر حروب التاريخ سببُها الدين. طُلب منّي المصدر، فذهبتُ أتتبّع، فوجدتُ الدعوى أكبرَ من أيّ إحصاءٍ يسندها. تركتُها، ولا أقولها اليوم. وكانت تنفعني في المجالس.
والثاني: كنتُ أسوق ما عُرف باسم «خوذة الله» دليلًا على أنّ العلم فسّر التجربة الدينيّة. وهي خوذةٌ تُلبَس على الرأس وتُسلَّط منها على الدماغ مجالاتٌ مغناطيسيّةٌ ضعيفة، قيل إنّها تُحدث إحساسًا بأنّ في الغرفة أحدًا. ثمّ قرأتُ الورقة. كانت تجربةً لا يعرف فيها المشاركُ ولا الباحثُ مَن سُلّط عليه المجال، ومَن لبس الخوذةَ ولم يُسلَّط عليه شيء. فلم يتكرّر فيها الأثرُ المدّعى. والذي كان يُنبئ مسبقًا بمن سيشعر بذلك هو قابليّةُ الشخص للإيحاء، لا المجال. وهي لا تقول إنّ التجربة الدينيّة إيحاءٌ محض. ولا تحسم مصدرَ الإحساس بالحضور، بل أسقطت دعوى المجال وحدها. وصاحبُ الدعوى اعترض على طريقة التجربة: على الجهاز المستعمل، وعلى مدّة تعريض الدماغ للمجال. وقال إنّ الفريق لم يُطبّق إجراءاته هو كما هي. وردَّ عليه الفريقُ بأنّ الجهازَ من مختبره هو، وأنّه أقرّ الإجراءَ سلفًا. والنزاعُ لم يُحسم إلى اليوم. فمن قال «العلمُ فسّر تجربتَكِ» فقد زاد، ومن قال «العلمُ عجز فبقي الله» زاد مثلَه. وأنا كنتُ الأوّل.
وثالثٌ لا أعدّه لي: كنتُ أنقل عن مكِي أنّه ملحدٌ يعترف بأنّ الأخلاق الموضوعيّة تحتاج إلهًا. سمعتُ ذلك عنه ولم أقرأه. ثمّ قرأتُ كتابه فوجدتُه ينكر وجودَ القيم الموضوعيّة من الأساس. فالذي كان استشهادي به يفترضه، وهو أنّ هناك أخلاقًا موضوعيّةً أصلًا، هو نفسُه الذي يهدمه. وأصحّح ذلك اليوم كلّما سمعتُه. ولا أقدّمه شهادةً على نزاهتي، لأنّ تصحيحَه يخدمني. والرجوعُ الذي يُحسب هو الذي يكلّف.
ويُغريني أن أشبّه أمرَ الدافع بطبيبٍ مات أبوه بمرضٍ فبحث فيه، وأن أقول: بحثُه ليس أضعفَ من بحث غيره لأنّ أباه مات به. وأكسر التشبيهَ بيدي قبل أن تكسريه: بحثُ الطبيب يراجعه غيرُه من أهل الاختصاص، وتُكرَّر تجاربُه. أمّا استنتاجي فليس له من يراجعه، ولا تجربةٌ تُكرَّر. فالتشبيهُ لا يُنجيني، وأتركه.
ويبقى الفرقُ الذي أتمسّك به، بعد أن تركتُ التشبيه: التحيّزُ في اختيار السؤال غيرُ التحيّز في فحص الجواب. وهذا فرقٌ لا يبرّئني، إنّما يفتح بابَ السؤال عن الفحص. وأنتِ فتحتِه.
ويُغريني أن أقول لكِ: «أخشى أن يكون خلطُ الدافع بالدليل أعجبكِ لأنّه ينفعكِ هنا لا لأنّه صحيح». ولا أقولها، وأستحي منها. فهي كلامٌ عمّا في داخلكِ، وأنا خارجه. وهي بعينها الشيءُ الذي أشكركِ في هذه الرسالة على أنّكِ لم تفعليه. وأنتِ التي سمّيتِ المغالطةَ، وبيّنتِ حدودَها، وطبّقتِها على ورقتكِ قبل أن تطبّقيها عليّ، حتى قلتِ إنّ ورقتَكِ نفسَها عملٌ ساقه دافعٌ لم يُفحص. ولا أستعمل هذا الإقرار عليكِ: من فتح على نفسه بابًا لا يدخل منه خصمُه.
٤ · المواضعُ الأربعةُ التي سألتِ عنها: أين تحرّك فيّ شيءٌ لم أجد له اسمًا
كتبتُها كما طلبتِ. ولا أسحب منها شيئًا، ولم تطلبي أنتِ ذلك.
الأولى — «الحمد لله» قبل أن أفكّر: نعم، تقع. وتفسيري عندي كافٍ: لسانٌ نشأ على لغةٍ فيها الاسم، ويقولها من لا يقصده كما يقولها من يقصده.
الثانية — دقيقةٌ حُمل إليّ فيها مولود: نعم. ارتفع شيءٌ لم يكن الفرحَ ولا الخوف، وأردتُ أن أشكر ولم أجد من أشكره. أكتبها ولا أزيد.
الثالثة — ليالٍ بلا سؤالٍ ولا اعتراض، وفيها شيءٌ لم أسمّه: نعم.
والرابعة — ظلمٌ لا يخصّني، فارتفع فيّ ما هو أكبرُ من الاستنكار: نعم. وهذه أثقلُها عليّ، وأعود إليها في القسم السادس.
وسألتِ سؤالًا مفتوحًا: أكفَتْني التسمية؟ كفَتْني في ثلاث، ولم تكفِني في الرابعة. ولا أستنتج من ذلك شيئًا. فكونُ التفسير لا يكفيني حالٌ في نفسي، لا خبرٌ عن العالم. وأنتِ قلتِ هذا بنفسكِ حين رفضتِ أن تجعلي بقاءَ الشعور بعد تفسيره لغزًا، وحين لم تطلبي منّي أن أجعل هذه اللحظات دليلًا. فلا آخذ لنفسي ما تركتِه أنتِ.
٥ · اعتراضي، بصيغتي — وهو الذي سألتِ عنه
هذا قلبُ الرسالة، وإليه كنتُ أمشي. سأقوله بصيغةٍ أرضاها أنا، لا بصيغةٍ تُرضي من يسمع.
موقفي ليس شعورًا أضعه في مقابل شعوركِ. أنا أطلب شيئًا واحدًا محدَّدًا: دليلًا يُوزن.
انتبهي إلى الفرق، فعليه يقوم كلُّ شيء. لو صارت المسألةُ أن يُري كلٌّ منّا الآخرَ ما في داخله، فأُريكِ كيف يبدو الأمرُ عندي وتُرينني كيف يبدو عندكِ، لغلبت الحكايةُ الأدفأ. والدفءُ ليس ميزانًا. ولستُ أنازعكِ في الدفء أصلًا؛ هو عندكِ وأُقرّ به.
ولو قال لي صاحبي: رأيتُ قطّةً في شارعنا، صدّقتُه بلا شيء. ولو قال: رأيتُ أسدًا، طلبتُ صورة. ولو قال: رأيتُ أسدًا يطير فوق المدرسة، لم تكفِني صورة. ولستُ أقول إنّ الخبرَ الكبير كاذب، بل أقول إنّ ما يُطلب معه من دليلٍ يكبر بقدر كبره. والذي يُطلب منّي تصديقُه أكبرُ من هذا كلِّه.
وصيغةُ الاعتراض:
دعوى بهذا الحجم تحتاج سندًا بحجمها. أن يكون وراء الوجود ذاتٌ عالمةٌ قادرة، تأمرني وتنهاني وتحاسبني: هذه أضخمُ دعوى يمكن أن تُعرض على إنسان. والذي عُرض عليّ لا يبلغ حجمَها. وعلى من يدّعي أن يأتي بالدليل.
ويتفرّع منه موضعان أخصّ، أقيس عليهما:
الأوّل: الخفاء، وهو أن يكون اللهُ موجودًا ولا يُظهر نفسَه ظهورًا لا يُشكّ فيه. إن كان يُراد لي أن أعلم، فهذا العلمُ موزَّعٌ بين الناس توزيعًا غريبًا. وأقولها كما أراها: العقائدُ تتوزّع على خريطة العالم كما تتوزّع اللغات، لا كما تتوزّع الاكتشافات. فالرياضيّاتُ تصل إلى الجواب نفسه في طوكيو وفي القاهرة وبعد ألف سنة، والمسألةُ الكبرى لا تفعل.
وأنا أعرف أنّ عندكم عن هذا جوابًا، وأعرضه كما فهمتُه أنا لا كما تقولونه أنتم: لو أُجبرتُ على اليقين، لصار إقراري كإقرارِ من يُقرّ والعصا فوق رأسه، لا يُحمد عليه، ولا يدلّ على شيءٍ في صاحبه. فالإجبارُ على العلم يُبطل الغرضَ منه. وأنا أفهم هذا ولا أستخفّ به، ولا أقول إنّه لا شيء. وإنّما أقول: يلزمكِ أن تقوليه بلفظكِ، فقد سألتِني بلفظي.
والثاني: الشرّ. ولا أسوقه بالصورة التي يُساق بها: طفلٌ يتوجّع في مكانٍ لا يراه أحدٌ ولا يبلغ خبرُه أحدًا فلا يعتبر به معتبر. ما يعنيني فيه ليس الألمَ نفسَه، بل ما يزيد منه على أيّ غرضٍ يُذكر له.
وأقول فيه ما يُضعفه وهو في يدي: فبميزان أوبي، الذي سمّيتِه أنتِ، لا تنجح حجّةُ الشرّ، كما لا تنجح حججُ إثبات وجود الله. وأقبل ذلك، ولا يهدم هذا موقفي. فموقفي ليس نفيًا أبرهن عليه، ولا أدّعي أنّي أعلم أنّه ليس هناك أحد. وإنّما أقول عن نفسي وحدها: لم يقم عندي الدليلُ الذي أطلبه. ومن لم يقتنع ليس عليه أن يبرهن على عدم اقتناعه. هذا هو الميزانُ الوحيد الذي أقف عليه. وأخشى أن أتنازل عنه دون أن أنتبه، كلّما أردتُ أن أبدو منصفًا.
٦ · أين أعجز فعلًا: لا في الأخلاق، بل في الوعي، وفي لماذا يوجد شيءٌ أصلًا
وشكلُ هذه المراسلة يقتضي أن أُقرّ فيها بموضعٍ أخسره. وأسهلُ ما أخسره أن أعرض بابًا واحدًا: لا أعرف كيف أُقيم إلزامًا أخلاقيًّا حين يخلو المرءُ من كلّ رقيب. ولا أعرضه، لسببين. الأوّل أنّ خسارةً أدفعها لأنّ الشكلَ يقتضيها ليست خسارةً حقيقيّة. ومن أعلن أنّه سيخسر، ثمّ اختار بنفسه موضعَ خسارته، فقد وزّع الأدوارَ ولم يفحص نفسه. والثاني، وهو أثقلُ عليّ، أنّ ذلك البابَ ليس أثقلَ ما عندي، بل هو أنفعُ ما عندكِ، لأنّه يقع بالضبط حيث عندكِ مفتاحٌ تعرضينه. فاختيارُه مجاملةٌ لا صدق. ولا يُصلح هذا الاختيارَ أن أقول بعده: «عجزي ليس دليلَكِ».
وأقول في المسألة الأخلاقيّة ما أعتقده، ثمّ أنتقل:
لستُ عالقًا فيها. فليس تناقضًا أن أعتقد أنّ تعذيب طفلٍ خطأٌ في نفسه، وأنا لا أملك لهذا الاعتقاد أساسًا مكتملًا. الرياضيُّ يشتغل بالأعداد كلَّ يومٍ ولا يحسم ما الأعدادُ في نفسها، ولا يُقال إنّه عالق. ومن قال إنّي عالقٌ فقد افترض، دون أن يصرّح، أنّ ما لا نعرف له أساسًا لا يصحّ أن نعتقده. وهذا الافتراضُ نفسُه موضعُ الخلاف، وأنا لا أُسلّم به.
وأهلُ الاختصاص أجابوا، وأجوبتُهم ليست فارغة. وخُذي مثالًا واحدًا أقيس عليه الأجوبةَ كلَّها: ولدٌ يُضرب في فناء المدرسة لأنّه لا يستطيع الردّ، ولا أحدَ يرى، ولن يُعاقَب الضاربُ أبدًا. أنتِ تعرفين أنّ هذا خطأ، تعرفينه قبل أن تعرفي لماذا. والسؤال: هذه المعرفةُ من أين جاءت؟ وهل تبقى صحيحةً لو لم يكن فوقنا أحد؟ وهذه أربعةُ أجوبةٍ بأسمائها:
- دايفيد إينوخ يدافع عن أنّ هناك حقائقَ أخلاقيّةً قائمةً بنفسها، لا ترجع إلى المادّة، ولا إلى أمرِ أحدٍ يأمر بها. فكونُ ضربِ الولد خطأً حقيقةٌ قائمةٌ كما يقوم العدد. وحجّتُه أنّك لا تستطيع أن تسأل نفسَك «ماذا أفعل الآن؟» إلا وأنت تفترض أنّ فعلًا أولى من فعل. وما لا يقوم السؤالُ بغيره، أي ما لا نستطيع أن نسأل بدونه، نعدّه موجودًا حقًّا، كما يعدّ الفيزيائيُّ الأعدادَ موجودةً لأنّه لا يحسب بغيرها. وهو دفاعٌ لا حسم. فكتابُه لا يجادل في وجود الله ولا يتناوله. وأقصى ما فيه أنّ قول القائل «لا أخلاقَ موضوعيّةً بلا إله» قولٌ يمكن أن يُنقض، وكتابُه محاولةٌ لنقضه مطروحةٌ للنقاش، لا حكمٌ نهائيّ. ولماذا لم يُغلق البابَ عندي؟ لأنّ كونَ السؤال لا يقوم بغيره يُثبت أنّي مضطرٌّ إلى افتراضه، ولا يُثبت أنّه موجودٌ في الواقع. وهذا اعتراضي أنا، ولإينوخ عنه جواب، ولم يقنعني. وقولي «لم يقنعني» ليس حكمًا عليه.
- إريك وايلنبرغ يقول: إن كان يُستغرب أن توجد قواعدُ أخلاقيّةٌ قائمةٌ بنفسها لم يضعها أحد، فعند المؤمن غرابةٌ مثلُها. فالمؤمنُ نفسُه يقول إنّ أشياءَ لا بدّ أن تكون كذلك، ولا شيءَ جعلها كذلك. وليس هذا إثباتًا للأخلاق، بل هو قولٌ بأنّ الطرفين معًا يقفان عند أمرٍ لا تفسيرَ له. وهو يصرّح بذلك، ومن نقل كلامَه على أنّه «إثباتٌ للأخلاق بلا إله» فقد زاد عليه. وهذا يرفع عنّي تهمةَ أنّ موقفي أغربُ من موقف المؤمن، ولا يعطيني أساسًا.
- شارون ستريت تذهب إلى أنّ نشأتنا بالتطوّر، أي نشوءَ الأحياء من أصولٍ مشتركةٍ عبر أجيالٍ طويلة، تجعلنا نشكّ في إدراكنا للقيم من الأساس. فالقوى التي شكّلت أحكامَنا شكّلتها على ما ينفع، لا على ما يصدق. فقد يكون استنكارُك لضرب الولد فيك لأنّه نفع أسلافَك، لا لأنّه يصيب حقيقة. والمخرجُ الذي تقترحه أن نقول: القيمُ ليست أشياءَ قائمةً خارجَنا نصيبها أو نخطئها، بل تنشأ ممّا نُقدّره نحن ونهتمّ به. وبهذا لا يبقى خارجَنا ميزانٌ نخشى أن نكون قد ابتعدنا عنه. وورقتُها لا تنتهي إلى سقوط الأخلاق، ولا إلى أنّه لم يبقَ إلا الوحي. وأزيد عليها شيئًا أقوله أنا لا هي: من قال إنّ الأخلاق قائمةٌ خارجَنا، مستقلّةً عمّا نُقدّره، وقعت عليه المعضلةُ نفسُها. وسواءٌ في ذلك أن يقول إنّها قائمةٌ بنفسها، أو قائمةٌ عند الله. وأعرف أنّ عندكم عن هذه الزيادة جوابًا: أنّ من جعل مستندَ العلم بالحسن والقبح خطابَ الشارع، لا ملكةً نصيب بها ميزانًا قائمًا خارجَنا، لم تقع عليه المعضلةُ بهذه الصورة؛ ومن قال إنّ الخالقَ خلق المدرِكَ والمدرَكَ معًا فالضمانُ عنده من هذا الوجه. والنزاعُ فيه قائمٌ لم يُفصل، ولا أطرحه.
- ج. ل. مكِي ينكر وجودَ القيم الموضوعيّة من الأساس، وله حجّتان. الأولى حجّةُ الغرابة: أنّ قيمةً تأمرك بنفسها شيءٌ لا يشبه أيَّ شيءٍ آخر في العالم. والثانية حجّةُ الاختلاف: أنّ الناس اختلفوا في الحسن والقبيح اختلافًا لا نجد مثلَه في المسائل التي لها جوابٌ واحد، فالأقرب أنّ أحكامَهم جاءت من عاداتهم، لا من شيءٍ يكتشفونه. وأوّلُ ما يسبق إلى لساني فيه: «مخرجٌ متماسك، وأنا لا أطيقه». وهذا تصغيرٌ لموقفٍ يُناقَش بالحجّة، لا يُحكم عليه بالذوق. والصوابُ أنّي أقربُ إلى قبوله ممّا يظهر في كلامي. والذي يمنعني ليس ذوقًا، بل أنّي لم أستوعب بعدُ ما يترتّب على قوله في الرابعة من أسئلتكِ.
فهذا بابٌ في يدي، وليس مقفلًا.
أمّا البابان اللذان لا مفتاحَ عندي لهما فهذان، وأقولهما لأنّهما موضعُ عجزي فعلًا:
١ · الوعي. لماذا لا يكون الدماغُ آلةً تعمل في الظلام: تُخرج الكلامَ والحركةَ والضحكَ بلا أن يشعر فيها أحدٌ بشيء؟ من أين جاء هذا الذي يذوق طعمَ الشاي، ويتوجّع فيجد للوجع طعمًا من الداخل، ويقول «أنا»؟ لا أملك طرفَ خيطٍ أبدأ منه، ولا أعرف كيف يبدو الجوابُ لو وُجد.
٢ · لماذا يوجد شيءٌ أصلًا؟ ولماذا لم يكن العدمُ وحدَه؟ لا جوابَ عندي، ولا أقول إنّ السؤال باطل. ومن قال «السؤالُ خطأٌ في صياغته» فقد أراحني بالكلام، لا بشيءٍ وراءه.
وأقولها بلا مجاملة، وهي عليكِ لا لي: وضعُ اسمٍ في هاتين المسألتين لا يكفيني. فمن أجاب في مسألة الوعي بذاتٍ عالمةٍ مريدةٍ فقد ردَّ الوعيَ — عندي — إلى وعي، ومن أجاب في مسألة الوجود بموجودٍ فقد نقل السؤالَ خطوةً. وهذا اعتراضٌ لا برهان. فقد يكون نقلُ السؤال خطوةً هو أقصى ما يمكن، وقد يكون طلبي غيرَ معقول. لا أعرف.
وعجزي ليس دليلَكِ. مسألةٌ لم تُحلَّ عندي لا تصير محلولةً عندكِ بمجرّد أن تضعي فيها اسمًا. والفجوةُ فجوتي، وهي مفتوحةٌ منذ سنين، وأنا أكتبها هنا بخطّ يدي حتى لا أُنكرَها في مجلسٍ آخر.
ولا ألمّح إلى أنّ عندكم جوابًا «يفتح معضلةً أقدمَ منه بألفَي سنة» ثمّ أسكت عن اسمها. فالتلويحُ بسلاحٍ مع إعلانِ أنّي لن أستعمله ليس كرمًا، بل استعلاء. فأسمّيها: هي سؤالٌ قديمٌ اسمُه معضلةُ أوثيفرون. وهو: هل الصدقُ حسنٌ لأنّ الله أمر به، أم أمر به لأنّه حسنٌ في نفسه؟ فإن كان الأوّل، فيلزم في الظاهر أنّه لو أمر بالكذب لصار الكذبُ حسنًا، فلا يبقى للحسن معنًى ثابت. وإن كان الثاني، فهناك ميزانٌ فوق الأمر.
وأعرف أنّ أشهرَ ما يُجاب به عنها في فلسفة الدين أنّ السؤال يفترض بابين، وليس هناك إلا بابٌ واحد. فليس أمرُ الله منفصلًا عنه، ولا فوقه ميزانٌ خارجٌ عنه، بل هو نفسُه الميزانُ الذي يُقاس إليه ما سواه. وهو جوابٌ قائمٌ لا أزعم أنّه لا شيء.
وبقي سؤالٌ يُغريني أن أُخفيه، ويُسمّى إخفاؤه أدبًا. وأقوله لأنّ إخفاءه حمايةٌ لكِ لم تطلبيها: لو عرض لكِ في نصٍّ تُقدّسينه موضعٌ لا يوافق ما تعرفينه في نفسكِ من الحسن والقبيح، أتقولين «فَهمي قاصر» أم «حكمي قاصر»؟ ولا أطلب منكِ أن تختاري. أطلب أن تقولي بأيّ ميزانٍ اخترتِ. فإن كان في يدكِ ميزانٌ تزنين به فهمَكِ، فذاك الميزانُ هو موضعُ سؤالي كلِّه.
٧ · ما تدّعيه هذه الرسالةُ وما لا تدّعيه — وثلاثٌ ألتزمها
ليس فيها برهانٌ على نفي وجود الله، ولستُ أزعمه ولا أحتاجه. وفيها اعتراضٌ ومطلب، وقد كتبتُهما بصيغتهما في القسم الخامس. فمن قرأ الورقةَ فوجدها حكايةً عمّا في داخلي فقد قرأ غير ما كتبت.
وهذه الورقةُ ليست أنظفَ من ورقتكِ: كتبتُها وأنا أعرف أنّها ستُقرأ، ومن كتب ليُقرأ اختار ما يكتب. فزِنيها بما فيها، لا بما أقوله عن نيّتي.
ولا أُنهي بغالبٍ ومغلوب. أُنهي بثلاثٍ ألتزمها وأطلب مثلَها:
أن يقرأ كلٌّ منّا أقوى ما عند الآخر لا أضعفَه؛ وألّا يُطالِبَ أحدُنا الآخرَ بيقينٍ لا يملك هو مثلَه؛ وأن يقول كلٌّ منّا «لا أعرف» في موضعها.
فإنّ أثقلَ ما في هذا الباب ليس الخلاف، بل أن يتناظر اثنان كلاهما يعرف في سرّه أنّ عنده بابًا لا مفتاحَ له، وكلاهما يتكلّم كأنّ البابَ مفتوح. ولا أعني أصلَ ما تؤمنين به: أنتِ تقولين إنّه ثبت عندكِ، وأنا أقول إنّه لم يثبت عندي؛ وذاك موضعُ خلافنا لا موضعُ اتّفاقنا. وإنّما أعني ما يقف عنده كلٌّ منّا وهو يعلم أنّه واقف.
أريتُكِ بابي، وأريتُكِ أين يقع فعلًا، لا أين ينفعكِ أن يقع. فأريني بابَكِ، ثمّ نبدأ.
وتُترك هذه الرسالةُ كما كُتبت، ولا يُردّ عليها ههنا؛ فمن ردّ في الذيل صارت له الكلمةُ الأخيرةُ بحكم الموضع لا بحكم الحجّة. والذي ههنا فهرسُ مواضع: أين يُبحث في الكتاب كلُّ ما أثارته.
ومطلبُها الجامع — دليلٌ يُوزن، وأنّ العبءَ على من ادّعى، وأنّ من لم يقتنع ليس عليه أن يبرهن على عدم اقتناعه — في الفصل الرابع · كيف نعرف أنّ شيئًا صحيح؟: عبءُ الإثبات ومن يحمله، ونصٌّ على أنّ من قال «لم تكفِني الأدلّة» لم يدّعِ شيئًا يُطالَب ببرهانه؛ والفرقُ بين ما يُلزم وما يرجّح؛ وستّةُ أشياءَ لا يفعلها أيُّ استدلال؛ وما الذي يُبطل هذا الكتاب.
ثمّ سائرُ ما فيها، موضعًا موضعًا:
- الخفاء · الفصل الثاني عشر · لماذا الشرُّ والألم إن كان اللهُ موجودًا؟ وفيه قسمٌ مستقلٌّ له، مصرَّحٌ فيه أنّه لا يُجاب بأجوبة الشرّ: مقدّماتُ شيلينبرغ الخمس، وخمسةُ ردودٍ ومع كلِّ ردٍّ ما يَرِد عليه. والجوابُ الذي طلب أن يُقال بلفظ من يقول به — أنّ اليقينَ المُلجئ يُذهب ثقلَ الاختيار — مقولٌ هناك باسمه «المسافةُ المعرفيّة»، ومعه ما يَرِد عليه: أنّ الاعتقادَ ليس طاعة. ولم يُجعل فاصلًا. وصورةٌ أخرى منه — خفاءُ الكلام لا خفاءُ الوجود — في الفصل الحادي والعشرين · إن كان اللهُ موجودًا فلماذا لا يُظهر نفسَه؟
- الشرُّ بالقيد الذي وضعه له: ما يزيد منه على أيّ غرضٍ يُذكر · الفصلُ الثاني عشر نفسُه، وهو الذي يُسمّى فيه «الشرَّ المجّاني»: الصياغةُ الاستدلاليّةُ عند رو، وصياغةُ درابر في توزُّع الألم، وأربعةُ أجوبةٍ مشهورةٍ وجدولٌ يقول ما يمسّه كلٌّ منها وما يعجز عنه.
- توزُّعُ العقائد على الخريطة كما تتوزّع اللغات · الفصل السادس عشر · لو وُلدتُ في الهند لكنتُ هندوسيًّا — أفليس الدينُ وراثة؟ وفيه الصيغةُ القويّة: طريقٌ ما كان ليعطيك غيرَ ما أعطاك؛ وأشدُّ منها: أنّ الطريقَ يُخرج نتائجَ متناقضةً تتبع موضعَ صاحبها على الخريطة، ومكتوبٌ هناك أنّه لم يُفرَغ منها.
- الوعي · الفصل الثامن · الوعي: لماذا يصاحب الدماغَ شعور؟ ومنتهاه أنّ المسألة لا تُثبت وجودَ الله ولا ترجّحه ترجيحًا معتبرًا.
- لماذا يوجد شيءٌ أصلًا · الفصل الخامس · لماذا يوجد شيءٌ بدلَ لا شيء؟ وفيه أنّ الطرفين كليهما يقف، وأنّ الخلافَ في موضع الوقوف لا في الوقوف. وأمّا قولُه إنّ من أجاب بموجودٍ فقد نقل السؤالَ خطوةً ففي الفصل الخامس عشر · من خلق الله؟ وأليس الأبسطُ ألّا يكون إله؟، ومكتوبٌ فيه أنّ الذي يسقط صيغةُ السؤال لا مضمونُه.
- معضلةُ أوثيفرون — واسمُها هناك «أيوثيفرو» · الفصل التاسع · الأخلاق: من أين يأتي الواجب؟ وفيه الجوابُ الذي ذكره بنفسه، أنّ السؤال يفترض بابين وليس إلّا باب؛ وعليه أربعةُ اعتراضات، مصرَّحٌ فيه أنّ الرابع لم يُوجد له جوابٌ مُقنِع، وأنّ المعضلةَ تنتقل ولا تسقط.
- وسؤالُه الأخير: بأيّ ميزانٍ يُوزن الفهمُ إذا استُقبح موضعٌ في النصّ؟ · الفصل العشرون · نصوصٌ يُستشكل ظاهرُها، وفيه قسمٌ للحدس الأخلاقيّ في مقابل النصّ، ومنتهاه أنّ السؤالَ يُعاد في كلّ مسألةٍ على حدة: أفي ثبوت النقل موضعُ الخلل، أم في الفهم، أم في الحدس؟ ومعه الفصل الثاني والعشرون · كيف تعرف أنّ كتابًا وحيٌ من الله؟ خمسةُ معايير، وفيها معيارُ المضمون الأخلاقيّ، مصرَّحٌ فيه أنّه يعمل على دين الكاتب كما يعمل على غيره، وأنّه لم يُجرَ في هذا الكتاب على النصّ الذي يؤمن به.
- والثلاثُ التي التزمها وطلب مثلَها: أُولاها في الفصل الأوّل · لمن هذا الكتاب، وكيف تقرؤه — أن يُكتب موقفُ المخالف بأقوى صيغةٍ ثمّ يُعرض على من يعتنقه ويُسأل: أهذا موقفُك؟ والثانيةُ ترجع إلى عبء الإثبات في الفصل الرابع، وإلى ما فيه من أنّه لا حجّةَ في الاتّجاهين تُلزم الخصمَ العاقل. والثالثةُ قاعدةٌ مسمّاةٌ باسمها: الفصل الرابع والعشرون · كيف تحاور من يشكّ — وكيف تحاور من يؤمن، وفيه: قل «لا أعرف» حين لا تعرف، وقواعدُه مكتوبةٌ للجهتين معًا.
وما بقي بلا جوابٍ فهو في جدول ما لم يُحسم: الفصل الخامس والعشرون · ما لا يعرفه أحدٌ بعدُ — مؤمنًا كان أو ملحدًا، سبعةُ مواضعَ بأسمائها، منها الألمُ والخفاءُ والاعتراضُ الأخلاقيُّ على مضمون النصّ والفصلُ بين دعاوى الوحي المتنافسة — مسمّاةً لا مسكوتًا عنها.