تخطَّ إلى المحتوى

٤. كيف نعرف أنّ شيئًا صحيح؟

السؤال: بأيّ ميزانٍ نزن دعوى، ومتى يحقّ لنا أن نقول «ثبت»؟

الجوابُ في سطرين: نزنها بمقدارٍ من الثقة يناسب نوعَ المسألة. فالبرهانُ القاطع نادرٌ خارجَ الرياضيّات، وأكثرُ ما نبني عليه حياتَنا كلَّها ترجيحٌ لا قطع. وأخطرُ أداةٍ في هذا الباب اسمُها «الاستدلالُ بأفضل تفسير»، أي أن تختار من التفسيرات أحسنَها تفسيرًا لما تراه. وعليها يقوم الطبُّ والقضاءُ والتاريخ. ولها عيبٌ كبير، يقع على كلّ من استعملها في المسائل التي لا سوابقَ لها، مؤمنًا كان أو ملحدًا، ولا نجد له جوابًا حاسمًا.

ثلاثةُ طرقٍ إلى المعرفة: الحسّ والعقل والخبر، ولكلٍّ ضعفُه

نحن لا نعرف بطريقٍ واحد.

الطريقُ الأوّل: الحسّ، أي ما رأيتَه أو سمعتَه أو لمستَه. وضعفُه أنّه محدودٌ ويُخدَع: فالعصا المستقيمة تبدو مكسورةً في كوب الماء، وأنت تعلم أنّها لم تنكسر. ولا يعني هذا أنّ الحسَّ باطل؛ يعني أنّه يُصحَّح بغيره.

والطريقُ الثاني: العقل، أي ما تلزمك صحّتُه بمجرّد أن تتصوّره: أنّ الشيءَ لا يكون موجودًا ومعدومًا في وقتٍ واحدٍ ومن جهةٍ واحدة، وأنّ الجزءَ أصغرُ من الكلّ. وضعفُه أنّه لا يعطيك وقائع: فالعقلُ وحدَه لا يخبرك أنّ في المطبخ خبزًا.

والطريقُ الثالث: الخبر، أي ما نقله إليك غيرُك. وهو أوسعُ طرقك إلى المعرفة على الإطلاق، وإن أنكره منكرٌ بلسانه: فأنت لم ترَ اليابان، ولم تشهد مولدَ أمّك، ولم تقِس سرعةَ الضوء. وضعفُه أنّ الناقلَ قد يكذب أو يخطئ، فيُنظر في الناقل نفسِه: أثقةٌ هو؟ أضبطَ ما نقل؟ أيوافقه ناقلٌ آخرُ مستقلٌّ عنه؟

*المثالُ الجامع:* تدخل مطعمًا فتشمّ رائحةَ غازٍ خفيفة. حسُّك أعطاك الرائحة. وعقلُك ربط بينها وبين التسرّب. وخبرُ الناس هو الذي عرّفك أصلًا أنّ الغازَ يُخلط بمادّةٍ ذاتِ رائحةٍ ليُكتشف تسرّبُه. ثلاثةُ طرقٍ في ثانيةٍ واحدة، ولم يستغنِ واحدٌ منها عن الآخرين. فمن قال «لا أقبل إلا ما رأيتُه بعيني» فقد ألغى الطريقين الآخرين، ثمّ استعملهما في اليوم نفسِه ألفَ مرّة.

*وحدُّ هذا التقسيم:* أنّه يبيّن أنّ الخبرَ طريقٌ إلى المعرفة في الجملة، ولا يبيّن أنّ خبرًا بعينه صحيح. والفرقُ بين الأمرين هو الفرقُ بين «الخبرُ يصلح مستندًا» و«هذا الخبرُ مستندٌ صالح». والثانيةُ تُبحث خبرًا خبرًا، ولا يُغني عنها التقسيم.

عبءُ الإثبات: من يحمله، ولماذا

القاعدة: العبءُ على من ادّعى، لا على من سكت. وعبءُ الإثبات معناه أنّ من يدّعي شيئًا فعليه أن يأتي بدليله. وسببُ القاعدة عمليٌّ محض: لو كان العبءُ على المنكر، لصار على كلّ إنسانٍ أن يُبطل كلَّ دعوى خطرت لأحد، وهذا مستحيل. فتصير كلُّ دعوى مقبولةً حتى تُنفى، ويستوي في القبول الصادقُ والكاذب.

*مثال:* يدّعي رجلٌ أنّ له عليك دَينًا. المحكمةُ لا تطلب منك أن تُثبت أنّك لا تدين له بشيء، بل تطلب منه هو الإيصالَ أو الشاهد. ولو انعكست القاعدة لكفى أن يدّعي عليك ألفُ رجلٍ فتُفلس وأنت بريء.

وهنا يقع خطآن، واحدٌ في كلّ جهة:

خطأُ من يطالب من لا دعوى له. من قال «لم تكفِني الأدلّة» لم يدّعِ شيئًا يُطالَب ببرهانه، ومطالبتُه ببرهانٍ على العدم مطالبةٌ بما لا يلزمه. ولا يلزمه كذلك أن يفنّد ما لم يُعرض عليه: فمن طُولب بأن يردّ، دليلًا دليلًا، كلَّ ما قيل في الباب منذ ألفي سنة، فقد طُولب بما لا يُطاق. وهذا عبءٌ لا حدَّ له، وهو صورةٌ أخرى من الظلم في المناظرة.

وخطأُ من يجمع بين موقفين. من بنى على «لا إله» موقفًا وخطابًا ودعوةً إلى رأيه، ثمّ قال عند المطالبة «أنا لا أدّعي شيئًا»، فقد جمع بين عبءَي صفّين مختلفين. ولا نقول إنّه يستتر أو يخادع؛ فتلك أحكامٌ على النيّة لا نملكها. نقول: الموقفان لا يجتمعان، والمخرجُ سؤالٌ لا تهمة: أيَّهما تلتزم الآن؟ فما التزمه أُخذ به، وسقط عنه ما سواه.

وقاعدةٌ تُنسى: النجاةُ من عبء الإثبات ليست نتيجة. من نجا من العبء لم يُثبت دعواه، وإنّما أُعفي من إثباتها. وهنا موقفٌ فلسفيٌّ رصينٌ يحسن أن تعرفه: الفيلسوفُ الأستراليّ غراهام أوبي، وهو من أبرز من دافع عن الإلحاد، يرى أنّه لا توجد حجّةٌ ناجحةٌ في الاتّجاهين، بمعنى أنّ أحدًا لم يقدّم حجّةً تُلزم خصمَه العاقل ١. فمن نقل عنه أنّه «فنّد أدلّة المؤمنين» فقد أخذ نصفَ الميزان وترك نصفَه.

لكنّ أوبي مع ذلك ليس واقفًا في منتصف الطريق. فهو ملحدٌ باقٍ على إلحاده، وإن كان يصرّح بأنّ العاقلَ قد يكون مؤمنًا أو لاأدريًّا أو ملحدًا ١. وهو يرجّح الطبيعانيّةَ، أي القولَ بأنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد، بما يسمّيه فضائلَها النظريّة، كالبساطة. وتلك دعوى له في موضعٍ آخر لم نقابله على أصله، فلا نضعه بها في صفٍّ من جدول المواقف. ومن نقله «محايدًا لا يرجّح شيئًا» فقد أخطأ عليه من الجهة المقابلة.

الاستدلالُ بأفضل تفسير: الأداةُ التي يقوم عليها الطبُّ والقضاء

أكثرُ ما تعرفه اليوم لم تصل إليه ببرهانٍ رياضيّ ولا بمشاهدةٍ مباشرة، بل بهذه الأداة: أن ترى آثارًا، فتسأل: أيُّ تفسيرٍ لو صحّ لفسّرها كلَّها أحسنَ من غيره؟ ثمّ تأخذ به. وهذا هو «الاستدلالُ بأفضل تفسير».

المثالُ الأوّل، من الطبّ. يدخل رجلٌ العيادةَ وحرارتُه أربعون، ومعه سعالٌ جافٌّ وضيقٌ في التنفّس. والطبيبُ لا يرى بكتيريا أبدًا، ولم يرها بعينه المجرّدة في حياته المهنيّة كلِّها. لكنّه يرى في التحليل ارتفاعًا في كرّات الدم البيضاء، ويسمع بالسمّاعة صوتًا في قاعدة الرئة اليمنى، ويرى في صورة الأشعّة ظلًّا كثيفًا في الموضع نفسِه. فيقول: التهابٌ رئويٌّ بكتيريّ.

كيف حكم؟ جمع الآثارَ الثلاثة، ثمّ سأل: أيُّ فرضٍ يفسّرها مجتمعةً؟ ففرضُ «التهابٍ فيروسيّ» يفسّر الحرارة، ولا يفسّر الظلَّ في الصورة ولا ارتفاعَ الكرّات البيضاء على هذا النحو. وفرضُ «الحساسيّة» لا يفسّر الحرارةَ أصلًا. ففرضٌ واحدٌ يجمع الشتات، وغيرُه يترك بقايا بلا تفسير.

المثالُ الثاني، من التحقيق الجنائيّ. غرفةٌ مغلقةٌ من الداخل، ونافذةٌ مكسورةٌ زجاجُها متساقطٌ إلى الداخل، وأثرُ حذاءٍ في التراب تحتها، وخزنةٌ مفتوحةٌ بلا كسر، وكلبُ البيت لم ينبح. لم يشهد أحد. ومع ذلك يبني المحقّقُ حكمًا: دخل الفاعلُ من النافذة، وهو يعرف البيتَ وأهلَه، لأنّ الكلبَ سكت، ولأنّ الخزنةَ فُتحت بالرقم لا بالعنف.

ولاحظ ما فعله المحقّق: لم يشاهد شيئًا، بل جمع خمسةَ آثارٍ يجمعها فرضٌ واحدٌ أحسنَ ممّا يجمعها سائرُ ما خطر له. وكلُّ أثرٍ منها وحدَه ضعيف: فالزجاجُ قد ينكسر بحجرٍ عابر، والكلبُ قد يكون نائمًا. لكنّ اجتماعَها هو الحجّة.

وفرقٌ مهمٌّ بين أن يُقال «لا يجمعها إلا فرضٌ واحد» وأن يُقال «يجمعها أحسنَ ممّا يجمعها سائرُ ما خطر له». فهناك فرضٌ آخرُ يجمع هذه الآثارَ الخمسة، بل يجمعها أحسن، ولم يخطر للمحقّق. وهناك موضعُ الضعف في هذه الأداة.

وشروطُ استعمال هذه الأداة خمسة، ومن أخلّ بواحدٍ منها أفسدها:

١. أن يفسّر التفسيرُ أكثرَ ما عندك، لا أغربَ ما عندك. فالتفسيرُ الذي يفسّر واقعةً ويترك أربعًا ليس أفضلَ تفسير.

٢. أن تكون القائمةُ التي تختار منها واسعة. فكلمةُ «أفضل» نسبيّةٌ إلى ما خطر لك من تفسيرات. وهذا أخطرُ ضعفٍ في الأداة كلِّها، ومثالُنا نفسُه يقع فيه:

ارجع إلى الغرفة. لو لم يخطر للمحقّق أنّ ابنَ صاحب البيت عاد ليلًا ورتّب مظهرَ سطو، لصار «أفضلُ ما عنده» مجرّدَ أفضلِ ما في قائمةٍ قصيرة. والأسوأ من ذلك أنّ الفرضَ المتروك أقوى من فرضه: فالغرفةُ مغلقةٌ من الداخل، والخزنةُ فُتحت بالرقم، والكلبُ لم ينبح، والزجاجُ متساقطٌ إلى الداخل — وهو أثرُ كسرٍ من الخارج، أو من داخلٍ رُتّب ليبدو كذلك. فهذه الآثارُ الخمسة تجتمع على «فاعلٍ من أهل البيت» أحسنَ ممّا تجتمع على «دخيلٍ يعرف البيت». فالثاني يبقى محتاجًا إلى جوابٍ عن الرقم وعن سكوت الكلب، والأوّلُ يفسّرهما بلا زيادة. والذي أخرج هذا الفرضَ من القائمة ليس دليلًا، بل أنّه لم يخطر. ولذلك كان هذا الشرطُ أخطرَ الشروط. وهذا المثالُ نفسُه سيقف في وجهنا حين نستعمل الأداةَ في مسألة الوجود: ما القائمةُ هناك؟ ومن يضمن أنّ فيها ما لم يخطر لأحد؟

٣. أن يُفضَّل التفسيرُ الذي يُخاطر. أقوى التفسيرات ما يقول: إن كنتُ صادقًا فستجد كذا. فالطبيبُ يعطي المضادَّ الحيويّ ويقول: ستنخفض الحرارةُ خلال ثمانٍ وأربعين ساعة. ثمّ يعود ليقيس. أمّا التفسيرُ الذي يوافق كلَّ شيءٍ سلفًا، ولا يمنع وقوعَ شيء، فلا يُختبر أصلًا. وهذا الشرطُ يُوجَّه إلينا قبل غيرنا.

٤. ألّا تُكثر الفروضَ بلا حاجة. إذا كفاك فرضٌ واحد، فلا تفترض ثلاثةً اتّفق اجتماعُها في ليلةٍ واحدة. وهذا ترجيحٌ عند تساوي التفسيرين، لا قاعدةٌ تسبق التفسير: فالمريضُ المسنّ صاحبُ الملفّ الطبّيّ الثقيل قد تكون عنده ثلاثةُ أمراضٍ فعلًا. ومن استعمل هذا الشرطَ فليعلم أنّه قد يُستعمل عليه أيضًا. فكلمةُ «الأبسط» تحتاج إلى مقياس. ودعوى الطبيعانيّ أنّ مذهبَه أبسط تقوم على هذا الشرط بعينه.

٥. أن تُعلن ما يُبطل تفسيرَك. إن قال المحقّق: «ولو ظهر أنّ الزجاجَ متساقطٌ إلى الخارج لسقط تحليلي كلُّه»، فقد أعطاك ميزانًا تزن به قولَه. ومن لم يقل ما يُبطل قولَه، لم يقل شيئًا يُختبر. وهذا الكتابُ نفسُه يُطالَب بهذا الشرط.

*وحدُّ هذه الأداة:* قوّتُها في الطبّ والتحقيق تأتي من أنّك تعرف سلفًا ما يشيع وما يندر: تعرف كم يشيع الالتهابُ الرئويّ، وتعرف كيف يتصرّف اللصوص، ولك سوابقُ لا تُحصى. أمّا في المسائل التي لا سوابقَ لها، كنشأة الكون، فيضعف الاستدلالُ بقدر ما تضعف معرفتُك بما يشيع وما يندر. وهذا اعتراضٌ جادّ يواجه كلَّ من استعمل الأداةَ في أسئلة الوجود الكبرى، مؤمنًا كان أو ملحدًا، ولا أعرف له جوابًا حاسمًا.

فأين تقف أنت؟ حيث تكثر السوابق، كما عند الطبيب والمحقّق، فالأداةُ قويّة. وحيث تغيب، كما في نشأة الكون، يضعف الترجيحُ بها بقدر ما تغيب. ويبقى هذا الاعتراضُ مفتوحًا.

البرهانُ القاطع والترجيح: ما يُلزمك، وما يرجّح فقط

البرهانُ يُلزم: من قبِل مقدّماته لزمته نتيجتُه، ولا مهرب. والترجيحُ يرفع الاحتمالَ ولا يُلزم: يجعل الفرضَ أولى بالقبول، ويبقى لمخالفك أن يخالف بلا تناقض.

وأكثرُ ما يُساق في هذا الباب من الجهتين ترجيحٌ لا برهان، وأصحابُه أنفسُهم يقولون ذلك حين تُقرأ كتبُهم لا ملخّصاتُها. فالفيلسوفُ روبن كولنز من أمتن من صاغ حجّة الضبط الدقيق، أي الحجّة القائلة إنّ ثوابتَ الكون لو تغيّرت قليلًا لما قامت حياة. وهو يصرّح بأنّها حجّةُ تأييدٍ احتماليّ لا برهانُ إثبات. وهي عنده ترجّح الإيمانَ بالله على صورةٍ واحدةٍ من الطبيعانيّة فحسب، هي الطبيعانيّةُ ذاتُ الكون الواحد. وهذه هي الطبيعانيّةُ التي لا تفترض أكوانًا متعدّدة يكون كونُنا واحدًا منها وتختلف ثوابتُها ٢.

والفيلسوفُ البريطانيّ ريتشارد سوينبرن يبني حجّةً تراكميّة، أي تجمع شواهدَ كثيرةً يقوّي بعضُها بعضًا. وينتهي فيها إلى أنّ وجودَ الله أرجحُ من عدمه، أي أنّ احتمالَه يزيد على النصف، لا إلى يقين. وهو نفسُه ينصّ على أنّه يتعذّر إعطاءُ قيمٍ عدديّةٍ دقيقة. ويحسب الشرَّ في الميزان دليلًا ضدّ وجود الله ٣. فلا يُقال إنّ الرجحانَ عنده «بقليل»، ولا يُقال إنّه «رجحانٌ ساحق». ومن زاد على قوله تواضعًا أخطأ كمن زاد عليه مبالغة. فمن نقل عن كولنز وسوينبرن «برهانًا قاطعًا» نسب إليهما ما ينفيانه بأنفسهما.

وطلبُ البرهان القاطع في كلّ شيءٍ ليس تشدّدًا في المنهج، بل هدمٌ له. لو لم تقبل إلا القاطع لسقط التاريخُ كلُّه، وأحكامُ القضاء كلُّها، وتشخيصاتُ الأطبّاء كلُّها. ولا أحدَ يعيش هكذا يومًا واحدًا.

والدليلُ الراجح يبقى قابلًا للنقض، وهذه فضيلةٌ لا عيب. ففي سنة ٢٠١٢ نشرت مجلّةُ *Science* دراسةً في أربع تجارب، ومعها دراسةٌ أوّليّةٌ تقيس اقترانَ الأمرين عند الناس. وانتهت إلى أنّ التفكيرَ التحليليّ يزيد عدمَ التصديق الدينيّ. فطار بها الناقلون في العربيّة وفي الغرب جميعًا ٤. ثمّ أُعيدت إحدى تجاربها الأربع سنة ٢٠١٧ إعادةً مباشرة، على عيّنةٍ أكبر. وأُعلنت خطّةُ الإعادة قبل إجرائها. فلم يظهر الأثر، بل خرج الأثرُ المقيس في الاتّجاه المعاكس، وقريبًا من الصفر ٥.

ولاحظ الدقّةَ مرّتين. الأولى: أنّ إعادةَ التجربة لم تُثبت العكس؛ فلم تقل إنّ التفكيرَ التحليليّ يزيد الإيمان، بل قالت: لا سندَ لدعوى تلك التجربة. والفرقُ بين القولين هو موضعُ الغلط الشائع في النقل. والثانية: أنّ الذي سقط دعوى تجربةٍ واحدةٍ من أربع، لا الورقةُ كلُّها، فمن قال «سقطت الدراسة» زاد على ما قِيس. وهذه الدقّةُ في صالح الحجّة لا ضدَّها، لأنّ من طلب الدقّةَ من غيره لزمته في نفسه.

خمسُ مغالطات، وأمثلتُها من الجهتين حيث وُجدت

والمغالطةُ خطأٌ في الاستدلال يبدو في ظاهره صحيحًا. وهذه خمسٌ منها تتكرّر في هذا الباب:

١. مغالطةُ التكوين: أن يُحكم على الدعوى بمنشئها، أي بالطريق الذي جاءت منه، لا بمضمونها.

  • *يقع فيها المتديّن*: «هذا الرجلُ ترك دينَه لأنّ أباه كان يضربه، فاعتراضُه ساقط». وليس كذلك: فمنشأُ سؤاله شيء، وصحّةُ سؤاله شيءٌ آخر، وقد يكون اعتراضًا وجيهًا خرج من جرح. ومن جاء هذا المجيء فسؤالُه يُسمع كما يُسمع سؤالُ من جاء من الكتب، ولا يُنقص منه شيءٌ لأجل الباب الذي دخل منه.
  • *وتقع في الاتّجاه المقابل*: «هذا الرجلُ آمن بعد كربةٍ نجا منها، فإيمانُه انفعال». وهي المغالطةُ نفسُها مقلوبة، يقولها المنكرُ عن المؤمن كما يقولها المؤمنُ عن المنكر.
  • *ويقع فيها الملحد*: «تبيّن أنّ في الدماغ جهازًا شديدَ الحساسيّة لاكتشاف الفاعلين، أي أنّه يسارع إلى أن يرى وراءَ الحركة فاعلًا. والاعتقادُ الدينيّ ناتجٌ عنه، إذن هو وهم». والقاعدةُ تردّه بذاتها: تفسيرُ نشأة اعتقادٍ لا يفصل في صدقه ولا في كذبه. وإلا لبطل كلُّ اعتقادٍ له تاريخٌ نفسيّ، ومنها اعتقادُ القائل نفسِه. وممّن بنى على فكرة هذا الجهاز الباحثُ باسكال بواييه، في تفسيرٍ لنشأة الاعتقاد الدينيّ من طريقة عمل العقل البشريّ ٦. ولا نقول إنّه صاحبُ الفكرة، إذ لم نتحقّق من ذلك في مصدر. ولا يقول هو بالمغالطة التي مضت: مشروعُ كتابه بيانُ النشأة لا الفصلُ في الصدق. وأصرحُ من ذلك أنّ جستن باريت، صاحبَ صياغة هذا الجهاز، مسيحيٌّ ملتزم. وهو يبني كتابَه على أنّ الأصلَ المعرفيّ للاعتقاد لا يُبطله ولا يُثبته، ويعقد لذلك فصليه السابعَ والثامن. ونسبةُ الفصلين نقلناها عن مراجعةٍ نقديّةٍ للكتاب، ولم نقابلها على متنه ٧. والعجيبُ أنّ الطرفين يقعان في المغالطة نفسِها: هذا يقول «أثبت العلمُ أنّ الدينَ وهمٌ في الدماغ»، وذاك يقول «أثبت العلمُ الفطرة». والبحثُ الواحدُ لا يقول أيًّا منهما.
وقاعدةُ أنّ تفسيرَ النشأة لا يفصل في الصدق تقوم بنفسها، ولا تُنسب إلى بواييه. والذي ثبتت نسبةُ هذا المعنى إليه هو باريت وحدَه. والدعوى المنسوبةُ إلى قائلٍ أثقلُ من قاعدةٍ تُقال بلا نسبة. فإذا كان الشاهدُ هو واضعَ الصياغة نفسِها التي يُحتجّ بها في الاتّجاه المقابل، زاده ذلك وزنًا لا يملكه بذاته.

٢. رجلُ القشّ: أن تعرض رأيَ خصمك بأضعف صورةٍ لتهزمه، ثمّ تكسر تلك الصورة.

  • *يقع فيها المتديّن*: يُنقل عن الفيلسوف ج. ل. ماكي، وهو من أقوى من نصر الإلحادَ من الفلاسفة في القرن الأخير، أنّه «ملحدٌ يعترف بأنّ الأخلاقَ الموضوعيّة تحتاج إلى إله». والعيبُ ليس أنّ هذا القولَ مختلَقٌ عليه. فماكي قال الجملةَ الشرطيّة بعينها في كتابه *The Miracle of Theism*: لو وُجدت قيمٌ أخلاقيّةٌ موضوعيّة — أي لو كان الخيرُ والشرُّ حقيقتين لا مجرّدَ أذواق — لكان الإيمانُ بالله أقربَ إلى تفسيرها من الطبيعانيّة ٨. فالعيبُ في إسقاط الشرط. فماكي ينكر أوّلَ الجملة الشرطيّة إنكارًا صريحًا. وله «حجّةُ الغرابة»، وخلاصتُها أنّ قيمًا كهذه لو وُجدت لكانت أغربَ من أن تكون جزءًا من العالم. وهي عنده حجّةٌ على أنّ الأخلاقَ الموضوعيّة غيرُ موجودة أصلًا ٩. فمن نقل آخرَ الجملة وطوى أوّلَها فقد نقل نصفَ جملة. ومن ردّ هذه النسبةَ بأنّها «رجلُ قشّ» وقع في نظير ما يعيبه: فهو يردّ شيئًا ثابتًا عن الرجل بقيده، فيصير الردُّ في غير موضعه.
  • *ومثلُه بترُ عبارةٍ لعالم الأحياء ريتشارد دوكنز*: «البيولوجيا دراسةُ أشياءَ معقّدةٍ تبدو مصمَّمةً لغرض». وهذه العبارةُ في الصفحات الأولى من كتابه، وهي دعواه هو. يقابل فيها البيولوجيا بالفيزياء ليقرّر ما الذي يحتاج إلى تفسير، ثمّ يمضي الكتابُ كلُّه في ردّ هذا المظهر إلى آليّةٍ عمياء. فمن ساقها اعترافًا منه بالتصميم فقد بترها عن كتابها ١٠.
  • *ويقع فيها الملحد*: يُختصر «برهانُ الحدوث»، أي الاستدلالُ على الخالق بأنّ للكون بداية، في قولهم: «كلُّ شيءٍ له سبب، فمن سبّب الله؟». وأصحابُ البرهان يقولون: «كلُّ ما بدأ فله سبب»، فالردُّ يصيب صيغةً لم يقلها أحد. ومثلُه أن تُختصر حجّةُ خفاء الله في قولهم: «لو كان موجودًا لظهر». وخفاءُ الله هو سؤال: لماذا لا يُظهر اللهُ نفسَه ظهورًا لا يُشكّ فيه؟ وصيغةُ الفيلسوف جون شيلينبرغ أدقُّ من ذلك بكثير: يقول إنّ الحبَّ الكامل يقتضي أن يبقى بابُ العلاقة مفتوحًا، وإنّ العلاقةَ لا تقوم مع من لا يصدّق أصلًا. فإذا وُجد إنسانٌ «غيرُ مقاوِم»، أي لا يعاند ولا يهرب من هذه العلاقة، وهو مع ذلك لا يصدّق، فوجودُه عند شيلينبرغ ينقض أن يكون هناك إلهٌ كاملُ الحبّ ١١. ومن ردّها بأنّ «الأدلّةَ ظاهرةٌ والمنكِرَ معاند» فقد ردّ على حجّةٍ أخرى، فشرطُ ألّا يكون معاندًا مكتوبٌ في المقدّمة نفسِها. وأمّا الجوابُ عن أصل المسألة فموضعُه الفصلُ الثاني عشر؛ وفيه مبحثٌ مفردٌ لسؤال الخفاء، تُعرض فيه أقوى الردود على الحجّة وما يُجاب به عن كلٍّ منها.
وقاعدةٌ عمليّةٌ تقي من هذه المغالطة: اكتب اعتراضَ خصمك، ثمّ اعرضه على من يعتنقه فعلًا، واسأله: أهذا اعتراضُك؟ فإن قال «بل هو أقوى من هذا» فأنت لم تصف موقفَه بعد. وما لم يجتز الاعتراضُ هذا الاختبار فلا تردّ عليه، لأنّ ردَّك حينئذٍ على شيءٍ صنعتَه بيدك.

٣. إلهُ الفجوات: أن يُملأ ما لم يُفسَّر بعدُ بفرضٍ كبير.

  • *يقع فيها المتديّن*: «لا نعرف كيف نشأت أوّلُ خليّةٍ حيّة، إذن الله». وعيبُها أنّها تربط الإيمانَ بمساحة الجهل، فينكمش الإيمانُ مع كلّ اكتشاف. كما لو توقّفت سيّارتُك فقلت: «شيءٌ في الكهرباء»، ثمّ فتح الميكانيكيُّ غطاءً بعد غطاء، فضاق تفسيرُك حتى صار في حجم حسّاسٍ صغير.
  • *ويقع فيها الملحد*: «لا نعرف بعد، لكنّ العلمَ سيصل». وهذه فجوةٌ تُملأ بوعدٍ لا بمعلومة، ومن جعلها جوابًا فقد قال «لا أعلم» باسمٍ مطمئن.
  • وفرقٌ يجب أن يُقال: ليست الثانيةُ من جنس الأولى بالضبط. فالصورةُ واحدة، والقيمةُ الاستدلاليّةُ ليست واحدة. فلدعوى «سيصل العلم» سجلٌّ استقرائيّ: فجواتٌ كثيرةٌ أُغلقت بالفعل. وهذا سجلٌّ يُقرّ به، ولا نزيد عليه حصرًا تاريخيًّا لا نملك إحصاءه. وهذا لا يجعلها معلومة، ولا يُغني عن الدليل، لكنّه يمنع أن يُقال إنّ الدعويين سواءٌ بالضبط. ويكفي في الفرق أنّ «سيصل العلم» استقراءٌ ضعيف، و«إذن الله» ليس استقراءً أصلًا، فلا سجلَّ يُحتجّ به في موضعه.
  • وتنبيهٌ ثانٍ: «لا أعلم» ليست هي هذه المغالطة. من قال «لا أعلم كيف نشأت الحياة» فقد قال الصوابَ ووقف حيث ينبغي. فالمغالطةُ في تحويل «لا أعلم» إلى جواب، سواءٌ سُمّي الجوابُ «الله» أو «سيصل العلم».
  • وتنبيهٌ ثالثٌ عادل: ليس كلُّ استدلالٍ بما لم يُفسَّر من هذا الباب. فهناك فرقٌ بين «لا نعرف بعد» و«هذا النوعُ من الأسئلة لا يُجاب بهذا النوع من التفسير». والثانيةُ دعوى تحتاج إلى بيان، لا إلى مجرّد تسمية. وإهمالُ الفرق يجعل التهمةَ تبتلع كلَّ استدلالٍ سلفًا، ومن فعل ذلك صار خصمًا لا حَكَمًا.

٤. الاستدلالُ بالجهل: أن يُجعل عدمُ العلم بالشيء علمًا بعدمه، أو علمًا بوجوده.

  • *يقع فيها المتديّن*: «لم يستطع أحدٌ أن يُثبت أنّ الله غيرُ موجود، إذن هو موجود». وهذا لا يُنتج شيئًا: فعجزُ خصمك ليس دليلًا لك.
  • *ويقع فيها من يقول*: «لم يُرصد في تلسكوبٍ ولا في مختبر، إذن هو غيرُ موجود». وهذا يفترض أنّه لو وُجد لرُصد بهذه الأدوات، وتلك هي الدعوى المتنازَعُ فيها، فلا تُستعمل مقدّمةً في النزاع نفسِه.
  • *وحدُّ هذا المثال:* أنّ هذه الصياغةَ لا تكاد توجد عند من يُعتدّ به من منكري وجود الله: لا عند أوبي، ولا عند الفيزيائيّ شون كارول، ولا عند دوكنز. فهي مثالٌ مدرسيٌّ لصورة المغالطة، لا وصفٌ لحجّة أحدٍ بعينه. ومن نسبها إلى خصمٍ معيَّنٍ باسمه وقع في «رجل القشّ»، وهي المغالطةُ التي قبل هذه بواحدة.
  • أمّا الحجّةُ الجادّةُ في هذا الموضع فغيرُ ذلك، وصاحبُها يصوغها هكذا: يقول كارول إنّ الإيمانَ بالله، بوصفه فرضيّةً، لا يُنتج تنبّؤاتٍ حادّة. أي أنّه لا يقول «سترى كذا ولن ترى كذا»، فما يوافقه يوافقه أيضًا لو كان الأمرُ بخلافه. فيخسر عنده في المقارنة أمام الطبيعانيّة. وليس سببُ خسارته أنّه لم يُرصد، بل رخاوةُ بنيته على هذا النحو ١٢. وهذه حجّتُه هو، لا دعوى نقرّرها نحن. وهي تقع في قلب الشرط الثالث من شروط الاستدلال بأفضل تفسير: «أن يُفضَّل التفسيرُ الذي يُخاطر». وجوابُها لا يكون بتسمية، بل بأن يُقال: أيَّ تنبّؤٍ حادٍّ يُنتجه الإيمانُ بالله ولا تُنتجه الطبيعانيّة؟ وهذا عبءٌ علينا، وموضعُه أبوابُ الأدلّة من هذا الكتاب.
  • والفرقُ الفاصل: عدمُ وجدانك للشيء يدلّ على عدمه بشرطٍ واحد: أن تكون بحيث لو وُجد الشيءُ لوجدتَه. فتّشتَ في جيبك فلم تجد المفتاح: هذا يدلّ. وفتّشتَ السماءَ بالتلسكوب فلم تجد قوانينَ الرياضيّات: هذا لا يدلّ على شيء، لأنّ التلسكوبَ ليس أداةَ ذلك.

٥. المصادرةُ على المطلوب: أن تضع النتيجةَ التي تريد إثباتها في أوّل دليلك، ثمّ تستخرجها منه.

  • *يقع فيها المتديّن*: حين يجعل صحّةَ النصّ المقدَّس مقدّمةً مسلَّمةً في نزاعٍ على صحّته نفسِها. وهذا لا يُلزم من لا يُقرّ به، لأنّ صحّةَ النصّ هي عينُ ما يُنازَع فيه. وليس من هذا أن يُعرض النصُّ دليلًا يُنظر في دعواه ويُطالَب المنكِرُ بمعارضته، كتحدّي القرآن منكِريه أن يأتوا بمثله؛ فذاك سَوقُ دليلٍ يُنظر فيه، لا مصادرةٌ على المطلوب.
  • *ويقع فيها الملحد*: «كلُّ ما هو موجودٌ مادّيّ، والإلهُ ليس مادّيًّا، إذن لا إله». فالمقدّمةُ الأولى هي النتيجةُ نفسُها مكتوبةً بصيغةٍ أخرى. ومثلُه الخلطُ بين قيدٍ على الأداة ودعوى عن الوجود: فمن قال «لا يوجد في الوجود إلا ما تلتقطه أدواتي» فقد انتقل من قيدٍ على الأداة إلى حكمٍ على العالم، وهو أشبهُ بمن فتّش بمغناطيسٍ فلم يجد إلا حديدًا، فأعلن أنّ الدنيا كلَّها حديد.
  • والمثالان ليسا متكافئين: الأوّلُ خطأٌ في طريقة المحاورة، أي أن تحتجّ بما لا يُقرّ به محاورُك، ويُصلَح بأن يُخاطَب به من يُقرّ به. والثاني أطروحةٌ ميتافيزيقيّةٌ كاملة إن أُخذ مذهبًا، وليس غلطةً في المناظرة. فالكفّتان متساويتان في العدد لا في الوزن، ومن سوّى بينهما ليجد لكلّ جهةٍ مثالًا، فقد كذب على الواقع إكرامًا لشكل التوازن.
والمغالطةُ إذا نُسبت إلى جهةٍ واحدةٍ صارت سلاحًا في يدٍ، لا ميزانًا بين يدين. فهي تُنسب إلى من يقع فيها حيث وقع، لا بحسابٍ يعطي كلَّ جهةٍ مثالًا. ومن ألزم نفسَه مثالًا من كلّ جهة، ضمن التعادلَ قبل أن ينظر في الواقع، وخرج بأزواجٍ غيرِ متكافئة، كالزوج الذي قبل هذا. ولا يلزم من ذلك تسويةُ الكفّتين، فقد تكون إحدى الجهتين أكثرَ وقوعًا فيها أو أفدح. والميزانُ يُرفع ليُوزن به، لا ليُقال إنّه معتدلٌ أبدًا. ومن راجع تاريخَ العلم وجد أنّ الأساطيرَ تُصنع في الاتّجاهين معًا. فغاليليو حوكم وأُدين وأُرغم على التبرّؤ من رأيه، وقضى بقيّةَ عمره، تسعَ سنين، تحت الإقامة الجبريّة. لكنّه لم يُودَع زنزانةً ولم يُعذَّب. ولم تكن الأرضُ المسطّحةُ رأيَ المتعلّمين في القرون الوسطى كما يُشاع. ولا كانت «أطروحةُ الصراع» بين العلم والدين واقعَ التاريخ، بل هي صناعةُ القرن التاسع عشر ١٣.

حدودُ العقل: ستّةُ أشياء لا يفعلها أيُّ استدلال

وهذه الحدودُ أثقلُ شيءٍ على من يحبّ الحسم.

١. لا يُنتج يقينًا من مقدّماتٍ ظنّيّة، وللقاعدة صورتان يجب الفصلُ بينهما.

  • في المقدّمات المتسلسلة، وهي التي تقوم كلُّ واحدةٍ منها على التي قبلها، تكون النتيجةُ أضعفَ من أضعف حلقةٍ فيها. فلو ركّبتَ عشرَ مقدّماتٍ كلُّها راجحة، زادت النتيجةُ بتركيبها ضعفًا لا قوّة. فاحتمالاتُ الحلقات يُضرب بعضُها في بعض، فيصغر الحاصلُ مع كلّ حلقةٍ تُضاف.
  • وفي الشواهد المتساندة المستقلّة، وهي التي يشدّ بعضُها بعضًا ولا يقوم بعضُها على بعض، يقوّي اجتماعُها. وهذا بعينه ما يفعله المحقّقُ بآثاره الخمسة، وما تقوم عليه حجّةُ سوينبرن التراكميّة.

*مثال:* قال لك صديقُك إنّ أخاه قال له إنّ المدرّب قال إنّ المباراةَ أُلغيت. هذه سلسلة: إن سقطت حلقةٌ منها سقط الخبرُ كلُّه. أمّا إذا أخبرك ثلاثةُ زملاءَ لا يعرف بعضُهم بعضًا، كلٌّ منهم على حدة، أنّ المباراةَ أُلغيت، فهذه شواهدُ يشدّ بعضُها بعضًا.

والخلطُ بين الصورتين يهدم إحداهما. فمن طبّق القاعدةَ الأولى على الشواهد المتساندة أبطل أقوى ما في هذا الباب. ومن طبّق قاعدةَ «الاجتماعُ يقوّي» على المقدّمات المتسلسلة ركّب سلسلةً واهيةً وسمّاها برهانًا. والسؤالُ الذي يفرّق بينهما: أتسقط الشواهدُ الباقيةُ لو سقط أحدُها؟ فإن سقطت فهي متسلسلة، وإن بقيت فهي متساندة.

٢. لا ينقل من «ما هو كائن» إلى «ما ينبغي أن يكون» بلا مقدّمةٍ قيميّة. فوصفُك الواقعَ وصفًا تامًّا لا يعطيك بذاته حكمًا بأنّ شيئًا يجب. لا بدّ من مقدّمةٍ قيميّةٍ تُضاف، وعندها ينتقل النزاعُ إليها. *مثال:* شاشةُ هاتفك تقول: «البطاريّة ٣٪». هذا وصفٌ لما هو واقع، ولا يخرج منه «اشحنه» حتى تضيف أنت: «وأنا لا أريده أن ينطفئ».

٣. لا يُلزم من لا يشاركك مقدّمتك. وهذا هو معنى قول أوبي إنّ «نجاح» الحجّة أن تُلزم الخصمَ العاقل، وإنّ هذا لم يقع لأحدٍ في هذا الباب ١. فمن خرج من نقاشٍ غيرَ مقتنعٍ لم يكن بالضرورة مكابرًا؛ لعلّه لا يسلّم بمقدّمةٍ سلّمتَ بها أنت.

٤. لا يُسوّي بين «مسوَّغ» و«صادق». والمسوَّغُ اعتقادٌ يُعذر صاحبُه فيه عقلًا. وقد يكون اعتقادُك مسوَّغًا وهو مع ذلك خطأ، والعكسُ كذلك. والفيلسوفُ ألفن بلانتينغا أشهرُ من دافع عن عقلانيّة الإيمان. وهو يصرّح بأنّ كتابَه لا يقدّم حجّةً على صدق الإيمان، وأنّ نتيجتَه شرطيّة: إن كان الإيمانُ صادقًا فهو مسوَّغ ١٤. فمن نقله برهانًا على وجود الله حوّل الشرطيّةَ إلى قطع.

٥. لا يُنتج دينًا بعينه من إلهٍ قليلِ الأوصاف. فأقصى ما تبلغه أدلّةُ هذا الباب، لو تمّت: واجبُ وجودٍ، أو مصمِّمٌ، أو عقلٌ أوّل. وواجبُ الوجود موجودٌ وجودُه من ذاته، فلا يمكن أن يُعدم. والانتقالُ من ذلك إلى نبوّةٍ ووحيٍ وشريعةٍ نقلةٌ أخرى، تحتاج إلى أدلّةٍ من جنسٍ آخر تمامًا، وموضعُها بابٌ آخر من هذا الكتاب. ومن أوهم قارئَه أنّ البرهانَ الأوّل يحمل الثاني فقد حمّله ما لا يحمل. *مثال:* هو كمن عرف أنّ للرسالة التي بين يديه مرسِلًا، ولم يقرأ بعدُ ما فيها.

٦. ولا يفصل حيث تتكافأ الأدلّة. وهنا موضعُ قولٍ ثقيل: قل «لا أعلم» حين لا تعلم. ولك في أهل هذا الميدان أسوةٌ من الجهتين. فالفيلسوفُ بيتر فان إنفاغن، وهو مؤمنٌ يردّ حجّةَ الشرّ على وجود الله، يقدّم دفاعًا لا ثيوديسيا. والثيوديسيا محاولةُ تفسير وجود الشرّ مع وجود إلهٍ خيِّر، بأن تزعم أنّك تعرف السببَ الحقيقيّ لوقوعه. أمّا هو فلا يزعم ذلك. وإنّما يقدّم قصّةً قد تكون صادقةً في حدود علمنا، ولا يدّعي أنّها السببُ الواقعيّ. وغايتُه أن يبيّن أنّ حجّةَ الشرّ لا تنجح، لا أن يفسّر الشرّ ١٥. والفيلسوفُ وليم رو، وهو ملحد، صاغ حجّتَه من الشرّ على الإلحاد. وفي المقالة نفسِها وضع مصطلحَ «الإلحاد الصديق»، وقرّر أنّ المؤمنَ قد يكون عقلانيًّا تمامًا في إيمانه ١٦.

فهذان رجلان من أعرف الناس بهذه المسألة، من جهتين متقابلتين، يقفان هذا الموقف. فإن وجدتَ كتابًا يحسم كلَّ شيءٍ في صفحتين، فذلك خبرٌ عن الكتاب، لا عن المسألة.

ما الذي يُبطل هذا الكتاب؟

ومن لم يقل ما يُبطل قولَه، لم يقل شيئًا يُختبر. وهذا الشرطُ يُطالَب به هذا الكتابُ نفسُه. ولا يكفي فيه أن يُقال لك: «إن وجدتَ فقرةً تخالف قاعدةً من هذه القواعد فردَّها»؛ فهذا اتّساقٌ داخليّ، والاتّساقُ الداخليُّ يملكه كلُّ نظامٍ مغلق، وليس هو المطلوب. المطلوبُ جملةٌ من هذا الشكل: «لو صحّ كذا، لسقط كذا». فإليك أربعًا:

١. في النقل: أن يظهر أنّ مصدرًا اعتمدناه يقول خلافَ ما نسبناه إليه. والقاعدة: كلُّ موضعٍ من هذا النوع يُصحَّح أو يُحذف، ولا يُترك بحجّة أنّه صغير.

٢. في العدد: كلُّ دعوى عدديّةٍ في هذا الكتاب تُعَدّ، أو تسقط. فإن سيق رقمٌ في «إعجازٍ عدديّ» أو في إحصاءٍ، ثمّ خالفه العدّ، سقطت الدعوى من الكتاب ولو كانت مشهورة.

٣. في الاستدلال: كلُّ دليلٍ في أبواب الأدلّة يُذكر معه ما يُبطله. فإن قامت للطبيعانيّة آليّةٌ مكتملةٌ مقيسة تفسّر ظاهرةً سيقت شاهدًا، سقط ذلك الشاهدُ بعينه، ولم يُدافَع عنه. وفي هذا الشرط ما هو علينا. فالشاهدُ الذي يسقط إذا قامت الآليّةُ هو في بنيته شاهدُ فجوة، وهو الصنفُ الذي عبناه في «إله الفجوات». فلا يُساق شاهدًا إلا ما يبقى راجحًا بعد قيام الآليّة. أو يُصرَّح عند سوقه بأنّه معلَّقٌ على الفجوة، ويسقط بسقوطها. وسقوطُ شاهدٍ واحدٍ ليس سقوطَ الكتاب، ولكنّ سقوطَ عامّة الشواهد سقوطُه.

٤. وفي أصل الدعوى: هذا الكتابُ يدّعي، في ميزان هذا الباب، أنّ الإيمانَ بالله أرجحُ من الطبيعانيّة، لا أنّه مبرهَنٌ فيه برهانًا قاطعًا. وهذا خبرٌ عن الأدلّة المسوقة ههنا لا حكمٌ على المسألة في نفسها؛ فالمقرَّر عند أهل السنّة أنّ العلمَ بوجود الله قطعيّ، وأنّ أدلّتَه تفيد اليقين، وأنّ أصولَ الدين لا يُكتفى فيها بالظنّ. فالذي يُبطله في هذا الباب أن يظهر أنّ الطبيعانيّةَ تفسّر ما يفسّره الإيمانُ بالله، من غير زيادةٍ في الفروض ولا نقصٍ في التفسير. أي أن تسقط المقارنةُ التي بُني عليها الترجيح. ونحن في هذا الباب في مقام الترجيح، ومن كان في مقام الترجيح فمُبطِلُه ترجيحٌ مقابل، لا نصٌّ يُحتجّ به على من لا يُقرّ به. وليس هذا قصورًا في حجّية النصّ ولا تقديمًا للعقل عليه: فالنصُّ الثابتُ حاكمٌ لا محكوم، وما خالفه فمردود؛ وإنّما لا يُلزَم به من لم يُسلّم بمصدره.

وهناك ما لا يُبطله شيء: أنّ الناسَ يتديّنون. تلك واقعةٌ مرصودةٌ لا دعوى، ولا تُبطَل، ولا تُثبت شيئًا. أمّا الفطرةُ — وهي ما يولد عليه الإنسانُ من ميلٍ إلى الإقرار بخالق — فثابتةٌ عندنا بالنصّ، ولا نحتجّ بها ههنا على من لا يُقرّ بمصدره، كما مرّ في مدخل «الفطرة». وليس منها تديّنُ الناس بأديانهم، فذاك مكتسَبٌ من بيئاتهم. وأمّا آثارُها المرصودةُ فتُبحث بطريقها، ولا نسوقها شاهدًا مقيسًا.

وهذه القواعدُ لا تُثبت شيئًا عن الله، لا إثباتًا ولا نفيًا. غايتُها أن تضع في يدك ميزانًا، يُوزَن به ما نكتبه نحن كما يُوزَن به ما يكتبه من يخالفنا. فلك أن تردّ كلَّ فقرةٍ تخالف قاعدةً منها، وهذا اتّساقٌ داخليّ، وهو أقلُّ ما يُطلب. ولك أن تنقض الترجيحَ نفسَه، وهو الأثقلُ والأَولى.