الرسالةُ التي لا أكتبها
وقد مرّت بي في كتبٍ من هذا الباب صفحةٌ من صنفٍ واحد: رسالةٌ يُنشئها الكاتبُ على لسان الخالق. يتكلّم فيها بضمير المتكلّم، ويكون المخاطَبُ فيها قارئًا بعينه: أنت. وأنا لا أكتبها، وهذه الصفحةُ بيانُ الامتناع.
وأوّلُ ما أعترف به: أنّي حين أصفها لك أفعل طرفًا منها. ومثلي كمن يقول لك «لن أحكي لك آخر الفيلم» ثمّ يصف لك المشهد. ولا مخرجَ من هذا إلا أن أسكت عن الأمر كلِّه، وحينئذٍ لا تعرف أنّي امتنعتُ أصلًا. فاخترتُ أن أقول. ووصفتُ لك هذا الصنفَ بالقدر الذي يكفي لتعرفه، ولم أزد على الوصف نبرةً ولا خاتمة. وهذا حدُّ ما أستطيع، وأنا أذكره لك ولا أخفيه.
وأبدأ باعترافٍ يُفسد عليّ نصفَ ما سأقول بعده: أنا لا أزعم أنّها بلا أثر. بل أحسبها أشدَّ صفحةٍ أثرًا في كتبٍ كثيرة، ولعلّها الصفحةُ التي تبقى في النفس بعد أن تُنسى الفصول. وهذا ظنّي لا علمٌ عندي به. فأنا لم أسأل قرّاءَها، ولا أملك عليه شاهدًا.
وقد يكون الأمرُ عكسَ ما قدّرت. فقد يقرأ قارئٌ ذو عينٍ فاحصةٍ هذه الرسالةَ المصنوعةَ على لسان الله، فيراها سخريةً من كاتبها، لا كلامًا يؤثّر فيه. بل قد تكون هي السببَ الذي يجعله يترك هذا الصنفَ من كتب الردّ على الإلحاد، بدل أن تُبقيه معها. فإن كان ذلك هو الواقع فامتناعي عنها لا يساوي شيئًا، ولا يُحسب لي ثمنًا ولا شجاعة. أكون قد تركتُ صنعةً لا قيمة لها، ثمّ طلبتُ أجرًا على تركها. وأنا لا أعرف أيَّ الأمرين الواقع، ولا سبيلَ عندي إلى معرفته. فلا تقبل منّي تقديرَ الثمن، واحسبه أنت.
ولستُ ألومُ من كتبوها. وأحسبهم كتبوا بحسن نيّة. ولا أحكم على نيّة أحدٍ منهم، فأنا لا أعلم نيّاتِ الناس، كما لا أعلم ما في نفسك أنت. وبعضُهم أرحمُ بك منّي ومن قلمي. إنّما أقول ما يمنعني أنا، ثمّ الحكمُ لك.
أوّلًا: لأنّها كلامٌ يُنسب إلى غير قائله
في تلك الرسائل جملةٌ تبدأ بعبارة «يقول لك ربُّك»، ثمّ لا يأتي بعدها نصٌّ من الوحي بلفظه، بل كلامٌ أنشأه كاتبُها. وهذه ليست جملةً مبالغًا فيها؛ هي جملةٌ منسوبةٌ إلى غير قائلها. وأنا أسوقها لأمتنع عنها لا لأكتبها. وإن نسبتُ إلى الله كلامًا لم يقله، فقد قلتُ عنه ما لم يقل. ولا خطأَ في هذا الكتاب كلِّه يساوي هذا الخطأَ عندي. وليس ذلك ترتيبًا اخترعتُه لنفسي: القولُ على الله بغير علمٍ محرَّمٌ بنصّ القرآن، قُرن بالفواحش والشرك في سياقٍ واحد (الأعراف ٣٣). فأنا ملتزمٌ حكمًا مكتوبًا قبلي، لا مقرِّرٌ حكمًا من عندي.
وتعالى الله عن مشابهة خلقه، وإنّما المثلُ تقريبٌ لا تشبيه. وتخيّل أنّ أحدًا أخذ هاتفَك وأنت غائب، فكتب لصاحبك رسالةً باسمك. قد تكون الرسالةُ لطيفةً صادقة، والعيبُ ليس فيما قالت. العيبُ أنّها خرجت باسمك ولم تقلها أنت. ولا يُصلحها أن يُحسَّن كلامُها، لأنّ الخطأ ليس في الكلام بل في الاسم الموقَّع تحته.
وانظر في الفرق: سائرُ الأخطاء في كتابي هذا يمكن إصلاحُها. رقمٌ يُعاد عدُّه، ونسبةٌ تُراجَع على مصدرها، وفقرةٌ تُحذف فتذهب معها المسألة. أمّا هذه — لو كتبتُها أنا — فليست خطأً في معلومة، هي انتحالُ صفة. والانتحالُ لا يُصلَح بالتصحيح، لأنّ الخطأ ليس في المضمون بل في الفم الذي وُضع فيه الكلام.
وقد يقال لي: هي صنعةٌ أدبيةٌ معروفة، والقارئُ يعرف أنّها صنعة. وجوابي شقّان. أمّا من عرف أنّها صنعة، فهي عنده أضعفُ لا أقوى، لأنّه يرى فيها عاطفةً مصنوعةً وُضعت مكانَ الدليل. وأمّا غيرُه، فقد رأيتُ مقاطعَ من هذه الرسائل المصنوعة تُنشر بلا عنوانٍ ولا اسمِ كاتب. ومن تصله على هذه الحال قد يحسبها كلامًا منسوبًا إلى الله، لا كلامًا أنشأه كاتبُها. فالصنعةُ إذا انفصلت عنها لافتتُها التي تقول إنّها صنعة، صارت في الطريق شيئًا آخر.
«ولماذا أصدّق أنّ القرآن من الله أصلًا؟»
وهنا اعتراضٌ يَرِد من الملحد على هذا كلِّه. وأسوقه بلسانه قبل أن أمضي، لأنّه أوّلُ ما يَرِد لا آخرُه:
«أنت تمتنع أن تكتب كلامًا ثمّ تقول: هذا يقوله الله. حسنٌ. لكن من قال لي إنّ القرآنَ نفسَه يقوله الله؟ هذه هي مسألتي أنا، لا فرعٌ منها. فالكلامُ الذي تخترعه أنت، والكتابُ الذي تدلّني عليه، عندي سواء: كلاهما كلامٌ يُنسب إلى الله ولم أرَ الدليل. والفرقُ الوحيدُ بينهما أنّ هذا كتبتَه أنت وذاك كتبه غيرُك. أمّا أنّ أحدَهما ثبت أنّه من الله فعلًا، فلا.»
وهذا اعتراضٌ يلزمني أن أنظر فيه، ولا أصرفه بحجّة أنّه في غير موضعه. وليس جوابُه في هذه الصفحة، ولا أزعم أنّي أجبتُه هنا. وإنّما جوابُه في الفصل الثاني والعشرين: «كيف تعرف أنّ كتابًا وحيٌ من الله؟ خمسةُ معايير»، وفي الفصل السادس والعشرين: «هل تكلّم اللهُ حقًّا؟»، فارجع إليهما. وكلُّ ما تفعله هذه الصفحةُ أنّها تُخرج من الباب نصًّا ثالثًا، وهو كلامي أنا. أمّا مسألتُك، وهي صحّةُ نسبة النصّ الأوّل إلى قائله، فتبقى بعد هذه الصفحة كما كانت قبلها. ومن قال لك إنّ ورعي أنا في هذه الصفحة دليلٌ على دعواي فقد باعك سلعةً لا يملكها.
ثانيًا: لأنّي لو كتبتُها لخسرتُ حيث أردتُ الكسب
ولستَ ملزَمًا أن تقرأ هذا الكتاب لتقتنع. لك أن تقرأه لتختبرني، ولك أن تقرأه لأنّ صديقًا ألحّ، أو لفضولٍ، أو لأنّك تحبّ نثرًا. لا أعلم لِمَ تقرأ، ولا أدّعي طريقًا إلى معرفته.
فلو بلغتَ صفحةً اخترعتُ فيها صوتًا ليس لي أن أتكلّم به، لكان لك أن تقول أكثرَ من «هذه فقرةٌ ضعيفة». كان لك أن تقول: «إذن هو يصنع ما يؤثّر فيّ»، ويكون حكمُك في موضعه. ثمّ يرتدّ هذا الحكمُ إلى الخلف، إلى كلّ رقمٍ سقتُه، وكلّ مرجعٍ أحلتُ عليه، وكلّ موضعٍ قلتُ فيه «لا أدري». فأخسر الكتاب كلَّه في صفحة، لا الصفحةَ وحدها.
وهذه ليست دعوى في علم النفس أسوقها إليك. هي قاعدةٌ أرتضيها على نفسي أوّلًا: من ضُبط في موضعٍ واحدٍ يُراجَع في كلّ موضع. يُراجَع، لا يُبطَل كلامُه.
وأنت تعرف هذه القاعدةَ من حياتك. صاحبٌ لك ضبطتَه مرّةً يكذب في شيءٍ صغير: لا تصير كلُّ أخباره كذبًا من يومها، لكنّك من يومها تسأل وتتثبّت قبل أن تصدّق. هذا ما أطلبه منك في هذا الكتاب لا أكثر، ولا أطلب منك أن تُعفيني منه.
وأنا لا أريد أن تصدّقني لأنّي أثّرتُ فيك بصنعةٍ من يدي. فالتصديقُ الذي يقوم على التأثّر يزول حين يزول التأثّر، ولستُ أطمع في قارئٍ يبقى معي ما دام متأثّرًا. وأُوثر أن أخسرك وأنا صادق، على أن أكسبك وأنا أضع كلامًا في فمٍ لا أملكه.
وهناك ما هو أدقّ من هذا. هذه الرسائلُ لا تكتفي بأن تتكلّم عن الله؛ هي تتكلّم عن المخاطَب نفسِه. وأكثرُ ما قرأتُ منها يدور على جملةٍ واحدةٍ بصيغٍ مختلفة: أنّك في قرارة نفسك تعلم، وأنّك إنّما هربتَ من شيءٍ في نفسك، وأنّك تنكر بلسانك ما يقرّ به قلبُك. فهي تضع على لسان الله كلامًا لم يقله. ثمّ تجعل موضوعَ هذا الكلام ما في نفسك أنت بعينك.
وأنا لا أعلم ما في نفسك. لا أعلمه ولا أدّعي طريقًا إليه، ولو كنتُ أعلمه لما احتجتُ أن أكتب أصلًا. وأخطرُ ما في تلك الصفحة أنّها تختم النقاشَ قبل أن يبدأ: فإن وافقتَني فقد اعترفتَ بما قيل عنك، وإن خالفتَني فخلافُك نفسُه دليلٌ عليك.
وهي كمن يقول لك: أنت لا تحبّ هذه المادّة لأنّك تخاف الامتحان. فإن سكتَّ قال: رأيت؟ وإن قلتَ لا قال: وإنكارُك هو الدليل. أيَّ جوابٍ أجبتَ به صار في صفّه.
والحجّةُ التي يُحسب فيها كلُّ جوابٍ تصديقًا لها ليست حجّةً تُساق إلى مخاطَب. هي بابٌ مغلقٌ رُسمت عليه صورةُ بابٍ مفتوح. وليس هذا إنكارًا منّي لِما أخبر به الوحيُ عن قلوب أقوامٍ بأعيانهم؛ ذاك خبرٌ ممّن يعلم السرائر، ولا يجعل لي علمًا بقلبك أنت.
ثالثًا: لأنّ قاعدةً تُنقض مرّةً لم تكن قاعدة
وهذا الكتابُ جزءٌ من موقعٍ يعرض المصحفَ، ويعدّ ألفاظَه، ويجمع النصوصَ منسوبةً إلى مصادرها. وقاعدةُ الموقع الأولى جملتان: نحن نجمع ونعدّ ونُحيل، ولا نشرح كلامَ الله بكلامنا؛ وما لا نملك عليه دليلًا لا نقوله.
ولم تكن قاعدةً مكتوبةً للزينة. وهذه ثلاثةُ مواضعَ كلّفَتنا فيها. أذكرها لك بأسمائها وأرقامها، لا لتصدّقني فيها، بل لتفحصها وتحاسبني عليها:
١. أخذنا مقالاتٍ تُساق في باب «الإعجاز العدديّ»، أي في عدد مرّات ورود الألفاظ في القرآن، فعددنا هذه الألفاظَ في النصّ بأنفسنا. قيل إنّ لفظ «الآخرة» ورد مئةً وخمس عشرة مرّة، فوجدناه إحدى وسبعين. وقيل إنّ «يوم» ورد ثلاثَ مئةٍ وخمسًا وستّين مرّة، و«أيّام» ثلاثين، فوجدنا الأوّلَ مئتين وسبعَ عشرة، والثاني عشرين. وقيل إنّ «البرّ» ورد ثلاثَ عشرةَ مرّة، و«البحر» اثنتين وثلاثين، فوجدنا الأوّلَ تسعَ عشرة، والثاني ثلاثًا وعشرين. فسقطت أربعةُ مقالات: كانت عشرين فصارت ستّةَ عشر. وعددنا في كلِّ ذلك الصيغةَ بعينها كما تُكتب ههنا، كلمةً تامّةً لا جزءًا من كلمة، ولم نعدّ مشتقّاتها؛ فالدعوى التي لا تُحدّد صيغتَها لا تُختبر أصلًا. والساقطُ دعوى من ادّعاها، لا شيءٌ في القرآن.
٢. وكنّا نعرض حديثًا في فضل الأمّ، مكتوبًا تحته: «ضعيف ولكن المعنى صحيح». وهذا حكمٌ من عندنا نحن، ونحن لسنا من أهل هذا العلم. والذي يحكم على كلامٍ يُنسب إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، بأنّه ثابتٌ أو غيرُ ثابت، هو عالمٌ يُسمّى باسمه. ويُذكر اسمُه مع حكمه، ليُرجَع إليه. فحذفناه كلَّه ولم يبقَ منه سطر. ثمّ أعدنا حديثًا نظيرًا له، بعد أن وجدنا له حكمًا منسوبًا إلى عالمٍ باسمه (الألباني، صحيح الجامع ١٢٤٩ · حسن).
٣. وكانت فحوصُنا كلُّها داخليّة. ثمّ قابلنا النصَّ الذي نعرضه على نصّ مشروع «تنزيل»، ثمّ على نصّ مجمع الملك فهد، وكلاهما من خارج أيدينا. فاتّفق المرجعان، وانفرد ملفُّنا عنهما في خمسِ آياتٍ من ستّة آلافٍ ومئتين وستٍّ وثلاثين آية، والخلافُ في رسم الكلمة لا في معناها. فالعطبُ في نقل الملفّ إلينا، والمصحفُ على صوابه.
وهما صنفان. الأوّل في موضعين (يوسف ٣٩ و٤١): ألفٌ مقصورةٌ (ى) زائدةٌ في كلمةٍ من ملفّنا. وهي تجاور الألفَ الصغيرة التي تُكتب فوق الحرف، فلا يظهر الفرقُ للعين ولا عند القراءة. والثاني في ثلاثة مواضع (البقرة ١٨١ والأنفال ٦ والرعد ٣٧): كلمتان فصلهما المصحفُ، ووُصلتا في ملفّنا.
وأثرُ الصنف الثاني لا يقف عند الشكل، بل يصل إلى فهرسنا. فعددُ الكلمات فيه كان ٧٧٬٤٣٠ فصار ٧٧٬٤٣٣، لأنّ في كلّ موضعٍ من الثلاثة كلمتين كانتا تُعدّان واحدة. ومن بحث عندنا عن الكلمتين مفصولتين، لم يجد المواضعَ الثلاثة. أعلنّا ذلك وأصلحناه وكتبنا كيف وقع.
وليس شيءٌ من ذلك بالهيّن على النفس. ففيه ما رجعنا عنه بعد أن نشرناه. وفيه ما كان السكوتُ عنه أسلمَ لنا، لأنّ أحدًا لم يكن ليسأل عنه: فالمواضعُ الخمسةُ في ملفّنا لم يكن يكشفها إلا مصدرٌ ثالث، ولم يكن أحدٌ يطالبنا به. فإذا وصلتُ إلى الصفحة التي يبكي عندها الناسُ فاستثنيتُها، فقد أعلنتُ أنّ القاعدةَ تعمل حيث يهون ثمنُها، وتتوقّف حيث يشتدّ. والالتزامُ حيث لا ثمنَ ليس التزامًا. والاستثناءُ في موضع الشدّة هو الاستثناءُ الوحيد الذي يهدم القاعدةَ كلَّها.
«أليس امتناعُك نفسُه صنعةً أخرى؟»
وهناك اعتراضٌ أحسبه ممّا يَرِد على من قرأ هذا الباب بعينٍ فاحصة:
«وهل إعلانُك الامتناعَ إلا صنعةٌ أخرى؟ امتنعتَ عن الصفحة التي تُبكي، وكتبتَ صفحةً تُشعرني أنّك أمين — والمكسبُ واحد، وإنّما تغيّر الطريق.»
وهذا اعتراضٌ صحيحٌ لا أدفعه بإنكار. نعم، يمكن أن يكون الامتناعُ صنعة. والفرقُ ليس في نيّةٍ أزعمها لنفسي، فنيّتي لا تصل إليك، ولا ينبغي أن تحكم عليّ بها. الفرقُ في شيءٍ قابلٍ للقياس: هل جرت القاعدةُ في المواضع التي كلّفت؟ وقد سقتُ لك ثلاثةً بأسمائها وأرقامها ومواضعها، فافحصها وحاسبني عليها.
ولكنّ لهذا الفحص حدًّا أذكره لك ولا أستره: هو يفحص أمانتي في النقل، لا صوابَ دعواي. وكاتبٌ أمينٌ تمامًا في نقله يمكن أن يكون مخطئًا تمامًا في استدلاله. فلو أجريتَ الفحصَ كلَّه فخرجتَ منه بأنّي صادقٌ دقيق، لم تكن قد قرّرتَ شيئًا في المسألة نفسِها. وهو أهونُ الفحصين عليّ، فلا تُعطِه أكثرَ من قدره.
ولا أستطيع أن أُخرج نفسي من شكّك إخراجًا تامًّا، ولا أظنّ أنّه ينبغي لي.
الشيءُ الوحيد الذي أملكه: أن أدلَّك على النصّ
بقي شيءٌ واحدٌ أملكه. هو شيءٌ متواضع، لكنّه كلُّ ما أستطيع أن أقدّمه إليك بصدق: أن أدلَّك على النصّ نفسِه، على القرآن.
والنصُّ موجود. تفتحه كاملًا في صفحة «المصحف» على هذا الموقع، منشورًا بلسانه العربيّ. ليس مختصَرًا، ولا منقًّى، ولا مرتَّبًا على ما يعجبك. ومعه ترجماتٌ لمعانيه إلى إحدى عشرة لغة، أكثرُها منسوبٌ إلى مترجمٍ بعينه، تعرف اسمَه فتحكم عليه. وليس المترجَمُ القرآنَ نفسَه، بل معناه كما فهمه مترجمُه ونقله. فالقرآنُ هو اللفظُ العربيّ، وما عداه نقلٌ عنه. وتستطيع أن تقابل المعنى المترجَم على النصّ العربيّ آيةً آية، وأن تقرأ منه حيث شئتَ أنت، وبترتيبك أنت.
*وحدُّ ذلك*: عندنا ترجمةٌ واحدةٌ لكلّ لغة، لا اثنتان. فمن أراد أن يقابل بين ترجمتين في لغةٍ واحدة، ليرى أين اختلف المترجمون، فلن يجد ذلك عندنا. وواحدةٌ من الإحدى عشرة بلا اسمِ مترجم، فهذه لا تعرف من تحكم عليه. فخذها عونًا على الفهم، ولا تبنِ عليها وحدَها حكمًا. أقول لك هذا حتّى لا تأتي تطلبُ ما وُعدتَ به فلا تجده.
وأنا واقفٌ بينك وبين النصّ لا محالة. أنت قرأتَ كتابًا كاملًا قبل أن أشير عليك بشيء، وكلُّ ما قرأتَه هيّأك لِما أقوله لك الآن. فهذه ليست إشارةَ رجلٍ محايد، ولا أدّعي الحياد. وكلُّ ما أستطيعه أن أدلَّك على موضعٍ تفتحه فيه بنفسك، لا من طريقي. فتفتحه على أشدّ مواضعه عليك، لا على المواضع التي أختارها لك أنا.
ومع كلّ آيةٍ عندنا تفسيرُها منقولًا بحروفه منسوبًا إلى مصدره. فما استشكلتَ ظاهرَه فانظر تفسيرَه قبل أن تحكم عليه. وهذا شرطُ النظر في كلّ نصّ، لا امتيازٌ أطلبه لهذا النصّ وحده.
وقد تسألني: أوليس نقلُك عنه في هذا الكتاب نيابةً عنه؟ لا. فهناك فرقٌ بين أمرين. أن أنقل نصًّا موجودًا، وأدلَّك على موضعه لتقابله عليّ، هذا نقل. وأن أؤلّف نصًّا لا وجودَ له، ثمّ أنسبه، هذا تقوُّل: أي نسبةُ كلامٍ إلى من لم يقله. الأوّل تستطيع أن تكذّبني فيه بالرجوع؛ والثاني لا مرجعَ له إلا أنا. والكلامُ الذي أُنشئه ثمّ أنسبه لا سبيلَ لك إلى تكذيبه ولا إلى تصديقه. وأن أدلَّك على النصّ خيرٌ من أن أتكلّم نيابةً عنه بكلامٍ من عندي. فمن تكلّم نيابةً عن نصٍّ بكلامه هو، فالصوتُ الذي يُسمع هو صوتُه هو.
ولا أشترط عليك نتيجةً في مقابل هذا. اقرأه. فإن انتهيتَ منه وأنت على رأيك الذي أنت عليه الآن، فذاك إليك لا إليّ، ولا أملك عليك شيئًا. وأنت بعده رجلٌ قرأ ثمّ حكم. والخلافُ الذي يقع بعد قراءةٍ هو أرفعُ ما يمكن أن ينتهي إليه خلافٌ بين اثنين في طريقه. وأمّا في منتهاه فلا أزعم أنّ الأمر سواء، ولو كان سواءً ما كتبتُ كتابًا كلَّه.
ما لا تُثبته هذه الصفحة
وهذه رسالةٌ لا برهان.
ولا يصحّ أن يُبنى على امتناعي شيء. فامتناعي عن اختراع صوتٍ لا يجعل ما أقوله صادقًا، ولا يُحسب دليلًا على ما أعتقده. والكاتبُ الذي يمتنع عن التزوير لا يصير بذلك محقًّا في دعواه. وكلُّ ما تفعله هذه الصفحة أن تُبقي بابًا واحدًا مفتوحًا: أنّ ما قرأتَه في هذا الكتاب تستطيع أن تختبره، لا أن يجرّك بتأثيره فيك.
وحدُّ هذه الرسالة غيرُ حدّ المسألة في نفسها. فأهلُ العلم بالعقيدة على أنّ الدليلَ على وجود الله قطعيٌّ يُفيد اليقينَ، لا ظنًّا راجحًا. وأقصى ما يبلغه كلامي أن يقول لك: «هذا أرجح». هذا أقصاه. وأنا لا أعدك بأكثر منه، ومن وعدك بأكثر فقد وعدك بما لا يملكه هو نفسُه. وأمّا اليقين فليس ممّا يُعطيه كتاب: لا كتابي، ولا كتابُ من يخالفني.
وبقي أنّي كتبتُ إليك هذا كلَّه ولم أسألك شيئًا، وصغتُ اعتراضَك بلساني ثمّ أجبتُه. وذاك عيبٌ في نفسه: أن أضعك في مقعد رجلٍ كُتب له جوابُه قبل أن يفتح فمه. فأختم بثلاثةٍ لك أنت، وأوّلُها أن تصحّح لي اعتراضَك إن كنتُ أخطأتُ صياغتَه.
فما الذي يغيّر رأيك؟ أسألك لا لأحتال عليه، بل لأعرف: هل هناك شيءٌ يغيّره أصلًا؟ فإن لم يكن، فليس بيننا نقاشٌ يُجدي، ولستُ أنا من يلومك عليه.
وما الذي يغيّر رأيي أنا؟ أن تُريَني قاعدةً من قواعدي توقّفتُ عن تطبيقها حين صار تطبيقُها مكلفًا، فأُصلحَها أو أُسقِطَ الدعوى المبنيّةَ عليها. وأن يُقابَل النصُّ الذي أدلّك عليه على أقدم نسخه الموجودة، فيظهر بينهما اختلافٌ يمسّ المعنى، ويكون هذا الاختلافُ قد كُتم. وهذا فحصٌ لا أملك أن أُغلقه، ولا أريد.
وأبيّن لك ما يفحصه وما لا يفحصه: نقلُ هذا النصّ قام على التلقّي والتواتر، يأخذه الجيلُ عن الجيل حفظًا وسماعًا، والمخطوطُ شاهدٌ عليه لا أصلٌ يُحاكَم إليه. فالمعروضُ للفحص أمانةُ الناقلين، لا ثبوتُ النصّ. وما اختُلف فيه من وجوه القراءة مدوَّنٌ منشورٌ لم يكتمه أحد، ولذلك اشترطتُ الكتمان ولم أكتفِ بالاختلاف.
وأخيرًا: أتريد أن يُكتب إليك في هذا الباب أصلًا؟ فإنّي لم أسألك قبل أن أكتب.