تخطَّ إلى المحتوى

٩. الأخلاق: من أين يأتي الواجب؟

قبل السؤال: هذه المسألة سؤالٌ عن مصدر الأخلاق، لا حكمٌ على سلوك الناس. ومن خلط بين الأمرين أخطأ خطأً بيّنًا. والفيلسوفُ الأمريكيُّ روبرت آدمز من أوسع من دافع في القرن الماضي عن «نظريّة الأمر الإلهيّ»، وهي القولُ بأنّ الواجبَ الأخلاقيَّ يأتي من أمر الله. وهو يصرّح بأنّ غيرَ المؤمن يعرف الأخلاقَ ويلتزمها. فمن استعمل كتابَه ليقول «الملحدُ لا أخلاقَ له» فقد استعمله ضدّ نصّه.

السؤال إذن: حين نقول «تعذيبُ طفلٍ للمتعة شرّ» — أنصف واقعةً في العالم، أم نعبّر عن نفورٍ في نفوسنا؟ وإن كانت واقعةً، فما الذي يجعلها واقعة؟

الجوابُ باختصار: ليس في مسألة الأخلاق برهانٌ قاطعٌ لأحدٍ من الفريقين. فالمقدّمةُ التي يُبنى عليها الاستدلال لم تُحسم، وهي: «لا أخلاقَ موضوعيّةَ بلا إله». والأخلاقُ الموضوعيّة أن يكون الخيرُ والشرُّ حقيقتين لا مجرّدَ أذواق. وأشهرُ من يُستشهد به على تلك المقدّمة ينكر الأخلاقَ الموضوعيّةَ من أصلها. وما يبقى بعد ذلك سؤالٌ ثقيلٌ حقيقيٌّ عن مصدر الواجب، لا مطرقةٌ تُكسر بها رؤوسُ المخالفين.

أوّلًا: ثلاثةُ أسئلةٍ تُخلط: السلوك، والمعرفة، والمصدر

في السوق ميزانٌ إلكترونيّ. تضع عليه كيسًا اشتريتَه فيقول: ٩٠٠ غرام، وأنت دفعتَ ثمنَ كيلو. الميزانُ لا يجامل أحدًا، وقراءتُه صادقةٌ في كلّ مرّة. وهذه معرفة.

أمّا أن يُردَّ إليك مالُك، وتُكتب على البائع مخالفة، فذاك شيءٌ آخر، يأتي به موظّفٌ يحمل ورقةً رسميّة. وهذا إلزام. والميزانُ الصادقُ لا يُلزم أحدًا بشيء.

فالأسئلةُ هنا ثلاثةٌ لا واحد:

السؤالصيغتُهأهو موضعُ الخلاف؟
السلوكأيتصرّف الملحدُ تصرّفًا حسنًا؟ليس موضعَ الخلاف — يتصرّف حسنًا، ولا خلافَ فيه أصلًا
المعرفةأيعرف الملحدُ الخيرَ من الشرّ؟ليس موضعَ الخلاف — يعرف، ولا يدّعي خلافَه باحثٌ جادّ
المصدرما الذي يجعل الشرَّ شرًّا، وبأيّ حقٍّ يُلزمني؟نعم — وهو وحدَه

*وحدُّ هذا المثال:* قد يقال إنّ الأخلاقَ ليست أصلًا من جنس الأوامر واللوائح، بل من جنس الوقائع: كالأعداد في الرياضيّات، لا كتعليمات توزيع الخبز. فيسقط التشبيهُ بالسلطة من أصله. وهذا موقفٌ فلسفيٌّ قائمٌ له أهلُه، وليس زلّةً في التفكير.

ثانيًا: «أعرف أنّه شرّ» و«هو شرٌّ في نفسه» — ما الفرق؟

في العيادة صورةُ أشعّة. يقول الطبيب: هنا كسرٌ في العظم. والكسرُ كان موجودًا قبل أن يُصوَّر، وسيبقى موجودًا لو انقطعت الكهرباءُ وضاعت الصورة. ولو اتّفق أطبّاءُ المدينة كلُّهم على أنّه ليس كسرًا لكان اتّفاقُهم خطأً. هذا معنى أن يكون الشيءُ كذلك «في نفسه».

وعلى المكتب نفسِه كوبُ دواءٍ مرٍّ يشربه طفلٌ فيعبس. ومرارتُه ليست في الدواء وحدَه، بل في لقاء الدواء بلسان هذا الطفل. وطفلٌ آخرُ قد لا يعبس. ولو لم يبقَ في الأرض من يذوق، لم تبقَ مرارةٌ في مكانٍ ما تنتظر لسانًا.

فأوّلُ اختبارٍ سؤالٌ واحد: لو اتّفق أهلُ الأرض جميعًا على أنّ تعذيبَ الطفل للمتعة ليس شرًّا — أيصير غيرَ شرّ، أم يكونون قد أخطأوا؟

من قال «يكونون قد أخطأوا» فقد رفض أن يكون اتّفاقُ الناس الفعليّ هو المقياس. لكنّ ذلك وحدَه لا يُلزمه بأنّ هناك وقائعَ أخلاقيّةً قائمةً مستقلّةً عنّا. ومن جعله يُلزمه بذلك فقد حمّل المقدّمةَ ما لا تحمل. و«الواقعيّةُ الأخلاقيّة» هي القولُ بأنّ الخيرَ والشرّ حقيقتان قائمتان، لا مجرّدُ أذواق. وهنا موقفان يقول أصحابُهما «أخطأوا» بملء الفم، ولا يقولان بالواقعيّة، ولا يُثبتان في العالم واقعةً أخلاقيّة:

  • شِبهُ الواقعيّة (الفيلسوفُ البريطانيُّ سايمُن بلاكبرن). أصلُها التعبيريّة، وهي أنّ الحكمَ الأخلاقيّ في أصله تعبيرٌ عن موقفٍ في نفس صاحبه، لا وصفٌ لواقعةٍ في العالم. لكنّ بلاكبرن يبني فوق ذلك — درجةً بعد درجة — حقَّنا في أن نقول عن الحكم الأخلاقيّ: «صادق» و«كاذب» و«أخطأنا فيه» و«كنّا سنظلّ مخطئين ولو لم ينتبه أحد». ومثالُه المقرِّب: الطرافة. أنت تقول عن نكتةٍ إنّها «ليست مضحكةً حقًّا»، وإنّ من ضحك لها «أخطأ»، وتقول «كانت ثقيلةً ولو ضحك الحاضرون جميعًا». ولا تلتزم بذلك أنّ في العالم صفةً اسمُها «الطرافة» قائمةً في الذرّات. فأنت تقيم بناءً كاملًا من الصدق والخطأ فوق مواقفَ في النفوس، لا فوق وقائعَ في العالم. ودعوى بلاكبرن أنّ الأخلاقَ من هذا النوع. فكلُّ جملةٍ يقولها الواقعيّ، يستطيع بلاكبرن أن يقول مثلَها.
  • البنائيّة (الفيلسوفةُ الأمريكيّةُ شارون ستريت، وقبلها الفيلسوفةُ الأمريكيّةُ كريستين كورسغارد بصيغةٍ على طريقة الفيلسوف الألمانيّ كانط). الحقيقةُ الأخلاقيّة عندهم ليست فوق مواقفنا، ولا هي مجرّدُ ما نتّفق عليه اليوم، بل هي ما يلزم عن مواقفنا التقييميّة بعد تنقيحها. وتنقيحُها أن نُخرج منها ما بُني على جهلٍ بالوقائع، وما لا يتّسق مع سائر ما نلتزمه، وما لا يحتمله المرءُ إذا عمّمه على كلّ من هو في موضعه. فمن عذّب طفلًا للمتعة أخطأ خطأً حقيقيًّا: لا لأنّه خالف واقعةً في نسيج الوجود، بل لأنّ التزامَه هذا لا ينجو من محاسبة التزاماته الأخرى. ومثالُه في المدرسة: تقول «الغشُّ لا بأس به، فالجميع يغشّون». ثمّ يُقال لك: أترضى أن يغشّك البائعُ في الميزان، أو أن يغشّك صديقُك في القسمة؟ فتقول: لا. فالتزامُك الأوّل لم يثبت أمام التزاماتك الأخرى؛ لا لأنّ في الكون ذرّةً اسمُها «حرام»، بل لأنّه لا ينجو من محاسبة نفسك له. ولكورسغارد كتابٌ عنوانُه *مصادرُ المعياريّة*، أي من أين يأتي الواجب. تبني فيه الإلزامَ على أمرين. الأوّل: أنّ الفاعلَ العاقل لا يستطيع أن يفعل شيئًا دون أن يرى لفعله سببًا يرتضيه. والثاني: أنّ هذا الارتضاءَ نفسَه يُلزمه بما يُلزم غيرَه ممّن هو في موضعه. وجوابُها هذا يخالف موقفي مباشرة.

فالسؤالُ الأوّل يُسقط «الاتّفاقيّةَ الساذجة»، وهي القولُ بأنّ الخيرَ ما يتّفق عليه الناس لا أكثر. ولا يبلغ بنا الواقعيّة. وما بعد ذلك يحتاج إلى فرزٍ آخر: وقائعُ من أيّ نوع؟ وفي أيّ شيءٍ من العالم هي قائمة؟ وكيف تُلزمني؟ وهذا هو السؤالُ الحقيقيّ.

ولا تقل «كلُّ الناس — مؤمنُهم وملحدُهم — يجيبون عن ذلك الاختبار بلا تردّد». فتلك دعوى تجريبيّةٌ عن أحكام عامّة الناس، وقد دُرست فعلًا. والذي تُظهره الدراساتُ أنّ الجوابَ أقلُّ ثباتًا ممّا يُظنّ. فقد وجد عالما النفس جيفري غودوِن وجون دارلي أنّ الناسَ يعدّون الأحكامَ الأخلاقيّةَ في الجملة حقائقَ موضوعيّة، مع تفاوتٍ كبيرٍ بحسب المسألة وبحسب الشخص. ووجدت دراساتٌ أخرى أنّ الناسَ يميلون إلى أنّ الحكمَ الأخلاقيَّ نسبيٌّ كلّما بعُدت عنهم ثقافةُ من يخالفهم. فالصوابُ أن يقال: يجيب كثيرون بذلك، وجوابُهم يتذبذب بحسب المسألة وبحسب من يُسأل عنه. ولا يُقال «أكثرُ الناس» بلا مصدر.

ثالثًا: أربعةُ ردودٍ على من يجعل الأخلاقَ دليلًا على الله

١) «ملحدٌ اعترف بأنّ الأخلاق تحتاج إلهًا» — نقلٌ مقلوبٌ عن ج. ل. ماكي

الفيلسوفُ الأستراليُّ ج. ل. ماكي من أبرز من كتب في نصرة الإلحاد. ويُنقل على أنّه «ملحدٌ اعترف بأنّ الأخلاقَ الموضوعيّة تحتاج إلهًا». وهو ينكر وجودَ الأخلاق الموضوعيّة أصلًا. وهذا النقلُ من أكثر ما وقفتُ عليه منقولًا على غير وجهه في الكتابة العربيّة.

والعبارةُ التي يُستشهد بها موضعُها كتابُه *The Miracle of Theism* («معجزةُ الإيمان بالإله»، ١٩٨٢) ص ١١٥، لا كتابُه *Ethics*. ومعناها بترجمةٍ قريبة: *إنّ الخصائصَ الأخلاقيّة عنقودٌ من الغرابة بحيث يَبعُد جدًّا أن تكون نشأت في المجرى العاديّ للأحداث بلا إلهٍ قديرٍ يخلقها.* وهذا هو الشطرُ الذي يُنقل.

وسياقُه جملةٌ شرطيّةٌ يرفض ماكي شرطَها. فهو في الكتابين معًا يبني على أنّ القيمَ الموضوعيّة غيرُ موجودة. وموضعُ الجملة من استدلاله: *لو* كانت هذه القيمُ موجودةً لكانت من الغرابة بحيث تحتاج إلى خالق؛ وهي غريبةٌ إلى هذا الحدّ، فالأولى أن نقول إنّها غيرُ موجودة. فالجملةُ مقدّمةٌ في حجّةٍ على أنّ هذه القيمَ غيرُ موجودة. ومن اقتطعها جعل الدليلَ على النفي دليلًا على الإثبات.

وتقريبُه: رجلٌ يقول: «لو كان في هذا البيت شبحٌ لاحتاج وجودُه إلى تفسيرٍ عجيب؛ ولا أرى ما يدعو إلى تفسيرٍ عجيب، فالأولى أنّه لا شبحَ فيه». فمن نقل عنه «لو كان فيه شبحٌ لاحتاج إلى تفسيرٍ عجيب» على أنّه إقرارٌ بالشبح، فقد قلب كلامَه.

وحجّةُ ماكي المشهورة اسمُها «حجّةُ الغرابة»، ولها شقّان:

الشقُّ الأوّل في الوجود: لو وُجدت قيمةٌ أخلاقيّةٌ موضوعيّة لكانت شيئًا غريبًا عن كلّ ما نعرفه في العالم — شيئًا مغروسًا فيه إلزامٌ يجذبك إليه بمجرّد أن تراه. ولا ذرّةٌ ولا حقلٌ ولا عددٌ يفعل هذا. والشقُّ الثاني في المعرفة: ولو وُجدت لاحتجنا إلى حاسّةٍ خاصّةٍ ندركها بها، لا نظيرَ لها في حواسّنا ولا في طرق استدلالنا — عينٍ لا ترى الضوء، بل ترى الواجب.

ويضمّ إليهما اختلافَ الناس: أنّ الأخلاقَ تتباين بين المجتمعات تباينًا يُفسَّر بأنّها انعكاسٌ لأنماط عيشهم، لا إدراكٌ لحقائقَ ثابتة.

فأين ينتهي؟ إلى ما يسمّيه «نظريّةَ الخطأ»: أنّ أحكامنا الأخلاقيّة كلَّها تدّعي أنّها حقائقُ موضوعيّة، وكلُّها مخطئةٌ في هذا الادّعاء. ثمّ لا يقف عند هذا: فهذا عنده لا يعني أن نُلقي الأخلاقَ جانبًا. هي اختراعٌ بشريٌّ يؤدّي وظيفتَه، نُبقيه ونُحسّنه كما نُبقي القانونَ ونُحسّنه. ونصفُ كتابه *Ethics* نفسِه مبنيٌّ على ذلك: فقسمُه الثاني في مضمون الأخلاق، وفيه فصلٌ في الأخلاق العمليّة. وليس له كتابٌ مستقلٌّ في الأخلاق العمليّة. فمن أحال على كتابٍ كهذا أرسل القارئ يطلب ما لا يجد. وسائرُ مؤلّفاته في السببيّة، وفي الفيلسوفين لوك وهيوم، وفي الإيمان بالإله.

فجوابُه متّسقٌ لا مراوغة فيه. فالاستدلالُ بالأخلاق على وجود الله يقوم على مقدّمتين: أنّ الأخلاقَ الموضوعيّةَ تحتاج إلهًا، وأنّ الأخلاقَ الموضوعيّةَ موجودة. وماكي يقبل مقدّمتَك الأولى، ثمّ يبني عليها رفضَ الثانية. ومن نقل عنه نصفَ جملته فقد قلب موقفَه. فالمقدّمةُ التي يُستشهد به عليها هي بعينها التي يهدم بها الأخلاقَ الموضوعيّة.

ولا أسمّي كتابًا عربيًّا بعينه ولا صفحة، لأنّي لم أتحقّق من طبعةٍ بعينها وصفحتها.

٢) هل الخيرُ خيرٌ لأنّ الله أمر به؟ — نظريّةُ الأمر الإلهيّ ومعضلةُ أيوثيفرو

وعبءُ الإثبات ههنا على المدّعي، والمدّعي من يقول «مصدرُ الأخلاق أمرُ الله»، لا كلُّ مؤمن. فعليه هو أن يأتي بالدليل على دعواه.

في محاورةٍ للفيلسوف اليونانيّ أفلاطون اسمُها *أيوثيفرو*، يسأل سقراطُ سؤالًا في سطرٍ واحد: أتحبّ الآلهةُ التقيَّ لأنّه تقيّ، أم هو تقيٌّ لأنّ الآلهةَ تحبّه؟

وتقريبُه من البيت: أبوك يقول لك: «لا تكذب». أهو صوابٌ لأنّ أباك قاله، أم قاله أبوك لأنّه صواب؟ فإن قلتَ الأوّل، فلو أمرك بالكذب لصار الكذبُ حسنًا — وهذا ما لا تقبله. وإن قلتَ الثاني، فهناك ميزانٌ فوق أبيك، يقيس هو عليه. وهذا هو شكلُ السؤال نفسِه حين يُطرح في حقّ الله. والمثالُ في صورة السؤال وحدها، فليس اللهُ كأبيك في شيء.

وصورتُه اليوم في وجه من يقول «مصدرُ الأخلاق أمرُ الله»:

القرنُ الأوّل — الفعلُ واجبٌ لأنّ الله أمر به. وهو قولٌ محرَّرٌ لأهله؛ عليه الأشاعرةُ من أهل السنّة: الحسنُ ما حسّنه الشرعُ، والقبيحُ ما قبّحه، ولا ميزانَ خارجًا عن الله يُحاكَم إليه. ويقول المعترض: فالأخلاقُ إذن اعتباطيّة، لا ميزانَ لها؛ لو أمر اللهُ بتعذيب البريء لصار واجبًا — تعالى الله عن ذلك. وقولُك «لكنّ الله خيّر» يصير عندئذٍ «تحصيلَ حاصل»، أي جملةً صادقةً لا تُخبر بشيءٍ جديد، كقولك «أبي هو أبي». ولا يبقى فيها مدح، إذ معناها: اللهُ يفعل ما يأمر به. وأهلُ هذا القول لا يقبلون هذا اللزوم: فنفيُ ميزانٍ خارجٍ عن الله ليس قولًا بالعبث، وقد نفى سبحانه عن نفسه أن يأمر بالفحشاء، كما في سورة الأعراف. فالوصفُ بالاعتباط لازمٌ يُلزَمون به ولا يقولون به.

والقرنُ الثاني — أمر اللهُ به لأنّه واجبٌ في نفسه. فهناك إذن ميزانٌ مستقلٌّ عن الله، يقيس به ويُقاس عليه. وعندئذٍ لا يكون اللهُ مصدرَ الأخلاق، ولا تكون الأخلاقُ محتاجةً إليه، فتسقط الحجّةُ من أصلها.

والجوابُ الذي يُعتمد اليوم في الدفاع عن النظريّة قرنٌ ثالث. وهو جوابٌ حقيقيٌّ لا حيلةٌ لفظيّة. صاغه روبرت آدمز والفيلسوفُ الأمريكيُّ وليم ألستون، وقوامُه الفصلُ بين الخيريّة والوجوب:

  • الخيريّةُ ليست ميزانًا فوق الله، ولا شيئًا يخترعه أمرُه، بل طبيعتُه هي الميزان. وخلاصةُ ما يذهب إليه ألستون في هذا أنّ الله لا يمتثل لميزانٍ للخير قائمٍ خارجَه، ولا يخترع الميزانَ اختراعًا، بل هو الميزانُ نفسُه الذي يُقاس إليه كلُّ ما سواه. (وهذا بألفاظي، لا بلفظه من صفحةٍ بعينها.)
  • والوجوبُ ينشأ عن الأمر، لكنّ الآمرَ ذاتٌ محبّةٌ عادلةٌ بالضرورة. ولذلك يكون فرضُ «لو أمر بالظلم» ممتنعًا من أصله، لا مجرّدَ أمرٍ مستبعَدٍ في الواقع.

فلا اعتباطَ هنا، ولا ميزانَ مستقلٌّ عن الله. ومن ظنّ أنّ معضلةَ أيوثيفرو تُحسم بالقرن الأوّل وحدَه، فقد وقف دون الجواب. لكنّ القرنَ الثالث لا يُغلق البابَ أيضًا. فعليه أربعةُ اعتراضات، وأقواها لم أجد له جوابًا يُقنعني. فالمعضلةُ تنتقل ولا تسقط. وهذا أدقُّ ما أستطيع قولَه.

ومن قال «من اعترض بأيوثيفرو لم يقرأ الجواب» فقد أعلن نصرًا لم يقع، ولام المعترضَ لا الاعتراض. فمن اعترض عليك بها لم يعترض لأنّه لم يقرأ، بل لأنّ أحدًا لم يعرض عليه القرنَ الثالث. وأن تقول «هذا اعتراضٌ له جوابٌ ينقل السؤال» شيء، وأن تقول «من اعترض لم يقرأ» شيءٌ آخر. فالأوّلُ حوارٌ مع صاحبك، والثاني تصنيفٌ له.

ولتقريب فكرة «المرجع الذي لا يُقاس إلى غيره» يضرب ألستون نفسُه مثلًا: القضيبَ المعياريَّ في باريس الذي كان مرجعَ المتر. وهو مثالٌ ذكره قبله الفيلسوفُ النمساويُّ لودفيغ فتغنشتاين في كتابه *تحقيقاتٌ فلسفيّة*، ولم يطبّقه على الخير. أتقول إنّ طولَ هذا القضيب مترٌ لأنّه يطابق مترًا في مكانٍ آخر؟ لا مترَ آخرَ يُقاس إليه. أفيكون طولُه إذن اعتباطًا؟ لا — فمن قاس عليه بنى جسرًا قائمًا. فهو المرجعُ، لا المقيس.

*وحدُّ هذا المثال:* أنّ اختيارَ ذلك القضيب بعينه كان اصطلاحًا، أمّا كونُ الله هو الميزان فليس اصطلاحًا من أحد، وهذا حدٌّ يقرّ به ألستون نفسُه. والقضيبُ غُيّر فعلًا بقرار، فصار المترُ يُعرَّف بمقياسٍ مأخوذٍ من الذرّة، ثمّ بسرعة الضوء. أمّا الدعوى في الأخلاق فهي أنّ المرجعَ لا يتغيّر بقرار. فالمثالُ يُريك إمكانَ القرن الثالث، لا وقوعَه.

وعلى القرن الثالث أربعةُ اعتراضات:

(أ) المعضلةُ تعود درجةً واحدة. أطبيعةُ الله خيّرةٌ لأنّها طبيعتُه، أم لأنّها متّصفةٌ بالمحبّة والعدل، وهما صفتان خيّرتان؟ فإن قلتَ الأوّل، عاد الاعتباطُ إلى الأصل، ويقول المعترض: لو كانت طبيعتُه القسوةَ لكانت القسوةُ خيرًا — تعالى الله عن ذلك. وهو فرضُ محالٍ لا فرضُ ممكن، فصفاتُ الكمال واجبةٌ له وأضدادُها مستحيلة؛ وإنّما يُساق لامتحان النظريّة لا خبرًا عن الله. وإن قلتَ الثاني، فالصفاتُ نفسُها هي الميزان. وصار خيرُها قائمًا بها، لا بكونها صفاتٍ له.

وتقريبُه بمثال الأب: لو قلتَ «قولُ أبي صوابٌ لأنّه يصدر عن طبعه الطيّب»، سُئلتَ: أطبعُه طيّبٌ لأنّه طبعُه هو، أم لأنّ فيه الرحمةَ والصدق، وهما حسنتان في نفسيهما؟ فالسؤالُ الذي أجبتَ عنه عاد إليك من الباب الآخر.

(ب) هل تُخبر الجملةُ بشيء؟ إن كان معنى «خيّر» هو «مشابهٌ لله»، فقولُنا «الله خيّر» معناه «الله يشبه الله». وهذا «تحصيلُ حاصل»: جملةٌ صادقة لا تُخبر بجديد، كقولك «أبي يشبه أبي». والمؤمنُ حين يقول «الله خيّر» يريد مدحًا، لا تعريفًا. فكلّما جعلتَ الجملةَ خبرًا يفيد شيئًا، احتجتَ إلى صفاتٍ تُعرف قبل الله ومستقلّةً عنه. وكلّما ابتعدتَ عن ذلك اقتربتَ من «الدَّور»: أن تعرّف الشيءَ بنفسه، فتدور حيث بدأت. وهذا الاعتراضُ واردٌ على صيغة ألستون التي تجعل معنى «خيّر» مشابهةً لله، وليس واردًا على تقرير الصفات عند أهل السنّة. فالأسماءُ توقيفيّةٌ ومعانيها معقولة، ومدلولُ الخبر ثبوتُ الصفة للذات، لا مطابقتُها ميزانًا خارجًا عنها.

(ج) «لو أمر اللهُ بالظلم» — جملةٌ لا مهربَ للنظريّة منها. وقبل الكلام فيها تنزيه: نفى اللهُ عن نفسه أن يأمر بالفحشاء (الأعراف ٢٨)، ونفى الظلمَ عن فعله (يونس ٤٤، وفصّلت ٤٦). فالمسألةُ في حقّه محسومةٌ بالنصّ. قد تقول: هذا فرضٌ محال، فلا يُسأل عنه. وهو حقٌّ إن أردتَ به الخبرَ عن الله. لكنّه لا يدفع الاعتراضَ عن النظريّة، فهي نفسُها قائمةٌ على أنّ «ما أمر اللهُ به وجب»، ويلزم منها أنّه «لو أمر بالظلم لوجب». فهذه الجملةُ الشرطيّةُ جزءٌ من بناء النظريّة لا تنفصل عنه، ونحن نستنكرها بمجرّد أن نتصوّرها. وجعلُ الأمر بالظلم محالًا لا يُخرج هذه الجملةَ من بناء النظريّة. فلا تنجو النظريّةُ بذلك.

(د) وأقواها: من أين يأخذ الأمرُ قوّتَه في الإلزام؟ لماذا يُلزمني أمرُ الله؟ إن قلتَ «لأنّ شكرَ المُحسن واجب» أو «لأنّ طاعةَ الحكيم واجبة»، فقد وُجد واجبٌ سابقٌ على الأمر، وهذا ينقض بناءَ الواجب كلِّه على الأمر. وإن قلتَ «لا لشيء، بل لأنّه أمر»، فقد عدتَ إلى القرن الأوّل.

وتقريبُه: يقول لك قائل: «أطِع مديرَ المدرسة». فتسأل: ولماذا أطيعه؟ فإن قيل «لأنّ طاعةَ من يرعاك واجبة»، فهناك واجبٌ قبل أمره؛ وإن قيل «لأنّه أمر»، فقد رجعنا إلى حيث بدأنا.

ولآدمز عن هذا الاعتراض الرابع جوابٌ يُضعف قولي إنّه بلا جواب. يقول: الإلزامُ لا ينشأ عن مجرّد صدور الأمر حتى يُسأل «ولماذا يُلزم الأمر؟»، بل ينشأ عن العلاقة التي يصدر فيها الأمر. فإذا طلب منك شيئًا صديقٌ تحبّه وتَدين له بالوفاء، ألزمك طلبُه. ولو صدر الطلبُ نفسُه بلفظه من غريبٍ في الطريق، لم يُلزمك بمثل ذلك. اللفظُ لم يتغيّر، وإنّما تغيّرت العلاقة. فالواجبُ الأخلاقيّ عنده مطلبُ علاقةٍ حسنة، لا مرسومُ سلطة. وهذا هو ما يجعل الأمرَ الإلهيَّ مُلزمًا عنده: أنّه صادرٌ عمّن هو مصدرُ وجودك وخيرك، وأحقُّ من أحببت.

وردّي عليه أنّ هذا يقرّب ولا يُتمّ. وهو ردٌّ لا إسقاط. فالعلاقةُ لا تُلزم إلا إذا كان هناك واجبٌ سابقٌ في رعاية العلاقات الحسنة. وهذا واجبٌ سابقٌ على الأمر، كالذي قبله. ثمّ إنّ الصديقَ الذي أحبّه قد يطلب منّي ما لا يلزمني، فليس كلُّ مطلبٍ في علاقةٍ حسنةٍ مُلزمًا. فما الذي يفصل بين ما يُلزم منها وما لا يُلزم؟

فالاعتراضُ الرابع لم أجد له جوابًا يُقنعني. وجوابُ آدمز جوابٌ قويٌّ يستحقّ الوزن، ولم يُقنعني.

فأين تقف أنت؟ القرنُ الثالث يصمد أمام المعضلة في صورتها الأولى: فلا اعتباطَ فيه، ولا ميزانَ فوق الله. لكنّ الاعتراضَ الرابع يبقى مفتوحًا. وهو اعتراضٌ على طريقةٍ بعينها في تفسير الإلزام — طريقةِ الأمر الإلهيّ — لا على وجود الله. ومن رفض هذه الطريقة بقي أمامه السؤالُ نفسُه: من أين يأتي الإلزام؟ وللمسلمين فيه بابٌ قائمٌ باسمه في الكلام والأصول، هو «التحسينُ والتقبيح»، وفيه ثلاثةُ أقوالٍ مسمّاةٍ لأصحابها: الأشاعرةُ إلى أنّ الحاكمَ هو الشرعُ وحدَه، فلا إلزامَ قبل ورود خطابه؛ والمعتزلةُ إلى أنّ العقلَ يُدرك الحُسنَ والقبحَ ويُوجب بهما قبل ورود الشرع؛ والماتريديّةُ إلى أنّ العقلَ يُدرك والشرعَ هو الذي يُوجب. وليس هذا البابُ عينَ «نظريّة الأمر الإلهيّ» وإن التقيا في السؤال، ومقابلتُهما تحتاج تحريرًا ليس من أهليّتي، فلا أبسطه ههنا. ويبقى أنّ أحدًا لم يُجب عن السؤال جوابًا يُلزم كلَّ عاقلٍ إلزامَ البرهان، لا مؤمنٌ ولا ملحد. وليس انتفاءُ البرهان المُلزم انتفاءَ الجواب.

##### وماذا عن الأحكام التي في النصوص فعلًا؟ — الرقُّ والعقوباتُ والقتالُ وأحكامُ النساء

كلُّ ما تقدّم يدور على جملةٍ شرطيّةٍ محالة: «لو أمر اللهُ بالظلم»، أي على المعضلة في صورتها المجرّدة. وهي الصورةُ التي يقوى فيها جوابُ القرن الثالث، وأقولها عليّ لا لي.

لكنّ الاعتراضَ لا يأتي بهذه الصورة في أكثر ما رأيتُ وسمعت. وهذا خبرٌ عن تجربتي، لا عددٌ أُحصيه. فصورتُه عندهم سؤالٌ آخر: وماذا عن الذي أُمر به فعلًا؟ أحكامٌ بعينها في نصوصٍ بعينها: في الرقّ، وفي العقوبات البدنيّة، وفي القتال، وفي أحكام النساء.

وفيما أراه وأسمعه — لا فيما أملك عدَّه — فإنّ كثيرًا ممّن يترك دينه عند هذه المسألة لا يُخرجه فرضٌ يونانيٌّ مجرّد. بل تُخرجه صفحةٌ قرأها، يضعها أمامك ويسألك عنها. وهذا وصفٌ لصورة الاعتراض، لا تعليلٌ لموقف أحدٍ بعينه. ولا يحتاج الاعتراضُ إلى عددٍ ليثقُل.

وجوابُ هذا الاعتراض ليس من جنس ما تقدّم. فما تقدّم في بنية الحجّة: أيصلح الأمرُ الإلهيّ مصدرًا للإلزام أم لا. وهذا سؤالٌ في مضمون نصوصٍ بأعيانها: في ثبوتها، ودلالتها، وسياقها التاريخيّ. ولكلّ بابٍ من هذه الأبواب الأربعة مدخلُه، ولا يُنقل مدخلٌ إلى غير بابه. وما جاء به النصُّ قاطعًا في وروده ودلالته فليس مدخلُه أنّه حكمٌ لحالٍ بعينها انقضت، بل شروطُ العمل به وتنزيلُه على الواقع. ففي الرقّ: الفرقُ بين تنظيم واقعٍ كان قائمًا وإنشائه ابتداءً. وفي العقوبات: شروطُ إقامة الحدّ، وموانعُه، ودرؤه بالشبهة. وفي القتال: سببُه وغايتُه، والتمييزُ بين ما كان جوابًا لحالٍ بعينها وما هو حكمٌ دائم. وفي أحكام النساء: النظرُ في الحكم داخل نظامه من الحقوق والواجبات، لا في صورةٍ مفردةٍ مقطوعةٍ عمّا يقابلها. وكلُّ واحدةٍ من هذه فصلٌ لا فقرة، ومن أجاب عنها في سطرٍ فقد أهانها وأهان سائلَها.

وشيئان لا بدّ من قولهما:

الأوّل: أنّ جوابَ القرن الثالث، على متانته، لا يمسّ هذا الاعتراضَ أبدًا. فمن قيل له «حُلّت معضلةُ أيوثيفرو»، فظنّ أنّ سؤالَه عن تلك الصفحة قد حُلّ، فقد بِيع له غيرُ ما اشترى.

والثاني — وهو عليّ: أنّ نظريّة الأمر الإلهيّ في صورتها المعتمدة تجعل هذا الاعتراضَ أثقل لا أخفّ. لأنّ ركنَ الجواب الثالث أنّ الآمرَ محبٌّ عادلٌ بالضرورة. فكلُّ نصٍّ يبدو مخالفًا لذلك يصير سؤالًا على المؤمن لا على خصمه. ولا يملك من اعتمد القرنَ الثالث أن يقول «هو أمرٌ فحسب»، لأنّه هو الذي أغلق هذا البابَ على نفسه حين تركه. وأمّا القرنُ الأوّل فلم يتركه كلُّ مؤمن: فالأشاعرةُ — وهم مدرسةٌ في العقيدة عند أهل السنّة — على أنّ الحسنَ ما حسّنه الشرعُ والقبيحَ ما قبّحه، وأنّ العقلَ لا يُوجب على الله شيئًا؛ وللماتريديّة، وهم مدرسةٌ ثانية، قولٌ وسط: يُدرك العقلُ حسنَ الفعل وقبحَه، ولا يثبت التكليفُ إلا بالشرع. فلستُ أتكلّم إلا عمّن اعتمد القرنَ الثالث. أي أنّ الجوابَ الذي بُني لدفع الاعتراض المجرّد يُشدّد الاعتراضَ المحدَّد بنصوصه. وهذا دَينٌ أُثبته ولا أُوفيه هنا. وموضعُ النظر فيه الفصلُ العشرون: «نصوصٌ يُستشكل ظاهرُها»، وفيه الأربعةُ بأعيانها، وفيه من الإقرار بما لا جوابَ عندي فيه مثلُ الذي هنا.

٣) أخلاقٌ موضوعيّةٌ بلا إله؟ — الطبيعيّةُ الأخلاقيّة ومن معها

وقلّما يُناقَش هذا المذهبُ في الكتابة العربيّة فيما وقفتُ عليه، وأكثرُ ما يُذكر فيه سطرٌ يسخر منه ولا يناقشه. وهو أخطرُ ما في المسألة على الحجّة.

يقول أصحابُ المذهب الطبيعيّ في الأخلاق إنّ الخصائصَ الأخلاقيّة خصائصُ طبيعيّةٌ مركّبة، لا كائناتٌ غريبةٌ في عالمٍ ثانٍ. وأشهرُ من صاغه الفيلسوفُ الأمريكيُّ ريتشارد بويد في مقالته «كيف تكون واقعيًّا أخلاقيًّا»، والفيلسوفُ الأمريكيُّ نيكولاس ستورجن في «التفسيرات الأخلاقيّة».

ولم أتحقّق لبويد وستورجن من طبعةٍ بعينها بصفحاتها، فمن أراد فليطلب الاسمين والعنوانين.

وأقربُ ما يُفهم به مذهبُهم: الصحّة. أين «الصحّةُ» في جدول العناصر؟ ليست عنصرًا ولا جسيمًا ولا قوّة. ومع ذلك لا يشكّ عاقلٌ في أنّ قولنا «هذا الرجلُ مريض» يصف واقعة، وأنّ من قال إنّه سليمٌ يكون مخطئًا ولو أصرّ. والصحّةُ عنقودٌ من خصائصَ يسند بعضُها بعضًا — ضغطُ الدم، والسكّر، والمناعة، والنوم — وحدودُها ليست حادّة، ولا يضرّها ذلك.

فكذلك — يقولون — الخير: عنقودٌ من خصائصَ تتعلّق بازدهار الكائنات التي تعيش في جماعة: صحّةٌ، وأمان، وصداقةٌ يوثَق بها، وقدرةٌ على تدبير أمرك، ومعرفة. وهي خصائصُ يسند بعضُها بعضًا في العالم الواقعيّ، لا في أذهاننا. ولذلك يمكن أن نخطئ فيها كما نخطئ في الطبّ، وأن نصحّح خطأنا كما صحّحنا الطبّ. ولا نحتاج إلى حاسّةٍ سادسةٍ نراها بها: فهي تُعرف بما تُعرف به سائرُ الخصائص المركّبة — بآثارها، وبقدرتها على التفسير، وبالتجربة المتراكمة.

ويضيف ستورجن نقطةً حادّة: الخصائصُ الأخلاقيّة تفسّر وقائع. تقول: «فعل ذلك لأنّه فاسدٌ ظالم»، فتفسّر سلوكَه تفسيرًا يُنبئك بما سيفعله غدًا. والخاصّيّةُ التي تدخل في تفسيرٍ ناجح، لها من الحقّ في أن تُعدّ موجودةً ما لغيرها من الخصائص.

وثمّة صنفٌ ثانٍ يذهب أبعدَ من ذلك، وهو واقعيّةٌ أخلاقيّةٌ ليست طبيعيّةً وليست إلهيّة. ومعناها أنّ الخيرَ والشرّ حقيقتان قائمتان، لا تُردّان إلى الطبيعة ولا إلى الله. دافع عنها الفيلسوفُ دايفد إينوخ في كتابه *Taking Morality Seriously* («أن تأخذ الأخلاقَ بجدّ»، ٢٠١١) دفاعًا مفصَّلًا. ودافع عنها الفيلسوفُ الأمريكيُّ إريك فيلينبرغ ردًّا مباشرًا على من يستدلّ بالأخلاق على وجود الله.

وحجّةُ فيلينبرغ تضرب في الصميم: المؤمنُ نفسُه ينتهي إلى حقيقةٍ خامٍّ لا تفسيرَ فوقها؛ فقولُه «طبيعةُ الله خيّرةٌ بالضرورة» ليس مفسَّرًا بشيءٍ أعمقَ منه. فإن جاز الوقوفُ عند حقيقةٍ خامٍّ هناك، جاز الوقوفُ عند حقيقةٍ خامٍّ هنا. ولا ميزةَ عند فيلينبرغ للقول بوجود الله في هذا إلا أنّه يؤخّر الوقوفَ خطوةً واحدة. كالطفل الذي يسأل «لماذا؟» بعد كلّ جواب: لا بدّ أن يقف السؤالُ عند جوابٍ أخير، والخلافُ في موضع الوقوف لا في أصله.

وجوابُ آدمز: أنّ الحقائقَ الخامّ عند فيلينبرغ معلّقةٌ في الفراغ. فنحن نفهم كيف تُلزمنا إرادةُ شخصٍ بيننا وبينه علاقة، ولا نفهم كيف تُلزمنا قضيّةٌ مجرّدة.

وأنا أقول: هذا حدسٌ يقابله حدس، لا برهانٌ يُلزم. وهنا يقف النزاع.

فأين تقف أنت؟ معنى هذا لك: من قال «لا أخلاقَ بلا إله» يدّعي أكثرَ ممّا يملك. ومن قال «الأخلاقُ تقوم بلا إلهٍ قيامًا تامًّا» يدّعي أكثرَ ممّا يملك كذلك. والذي يترجّح أنّ هذه المسألة تطرح سؤالًا ثقيلًا حقيقيًّا، ولا تحمل برهانًا لأحد الطرفين. فلا تجعل إيمانك ولا إلحادك قائمًا على هذه المسألة وحدَها.

٤) معضلةُ التطوّر — وما يخسره موقفي أنا منها

ساقت الفيلسوفةُ شارون ستريت حجّةً تقوم على «التطوّر» و«الانتقاء الطبيعيّ». و«التطوّر» نشوءُ الأنواع الحيّة من أصولٍ مشتركةٍ عبر أجيالٍ طويلة، و«الانتقاءُ الطبيعيّ» بقاءُ الأصلح لبيئته وتكاثرُه أكثرَ من غيره. تقول: إنّ أحكامنا في الخير والشرّ تشكّلت تحت ضغط الانتقاء الطبيعيّ، وهو يكافئ البقاءَ لا الصواب. فإن كانت هناك حقائقُ أخلاقيّةٌ قائمةٌ مستقلّةً عنّا، فما الذي يضمن أنّ أحكامنا وقعت عليها؟

وتقريبُها: طالبٌ تعلّم أن يكتب ما يُرضي المصحّح، لا ما هو صحيح. فإن وافقت إجاباتُه الصوابَ، فما الذي يضمن ذلك غيرُ المصادفة؟

ويُنقل هذا في العربيّة على أنّه: «التطوّرُ يهدم الأخلاق، فلم يبقَ إلا الوحي». وهو نقلٌ خاطئٌ من وجهين:

  • أنّ ستريت بنائيّةٌ لا عدميّة. و«العدميّةُ الأخلاقيّة» القولُ بأنّه لا خيرَ ولا شرَّ في الحقيقة. والنتيجةُ التي تخرج بها من معضلتها أنّ «اللاواقعيّة» هي التي تنجو، لا أنّ الأخلاقَ تسقط. واللاواقعيّةُ هي القولُ بأنّ الحقائقَ الأخلاقيّة ليست قائمةً مستقلّةً عن مواقفنا.
  • وأنّ هناك من يحتجّ بأنّ المعضلةَ تصيب كلَّ واقعيّةٍ تجعل الحقائقَ الأخلاقيّة مستقلّةً عن مواقفنا، والقولُ الإلهيُّ واحدٌ منها.

فلا يصحّ أن يقال: «من استعمل هذه المعضلةَ سلاحًا فقد وجّهه إلى صدره». فالمسألةُ متنازَعٌ فيها، لا محسومة. فإذا تُركت بلا حسمٍ في اتّجاه، فالإنصافُ ألّا تُحسم في الاتّجاه الآخر.

فللمؤمن هنا جوابٌ ليس عند غيره، يسمّونه جوابَ «العامل الثالث». وحاصلُه أنّ المعضلةَ تطلب رابطًا بين أحكامنا والحقائق الأخلاقيّة. فمن قال إنّ ملكاتِنا لم تُترك للانتقاء الطبيعيّ وحدَه، بل هناك صانعٌ ضَمِن أن تطابق الحقَّ، فعنده رابطٌ يدّعيه. وبهذا الرابط ينقطع الاعتراضُ عنده، ولا ينقطع عند الطبيعيّ.

وبعضُ من ينقض جوابَ «العامل الثالث» حين يقدّمه إينوخ وأمثالُه، قد يسلّم بأنّ نقضَه لا يصيب الضمانَ الإلهيّ. وهذا تسليمُ قائلٍ بعينه، لا اتّفاقٌ بين الناقضين. ولم أُثبت له موضعًا محدّدًا، فلا أحمّله أكثرَ من ذلك. والمسألةُ موضعُ نزاعٍ قائم، لا أمرٌ مفروغٌ منه.

وهذا لا يعني أنّ جوابَ المؤمن ناجح. فثمنُه أن يتحمّل صاحبُه عبءَ الربط: أن يبيّن كيف عمل هذا الضمانُ في التاريخ الذي تفترضه ستريت، وهو تاريخٌ يُقاس بالأحافير والجينات، لا أن يذكر اسمَ الضمان ويكتفي به. وهذا عبءُ من نازعها على أرضها؛ وأمّا أصلُ الإنسان فموضعُه الفصلُ الرابع عشر، ولستُ أبني عليه شيئًا هنا. فليست المعضلةُ سلاحًا صافيًا في يد أحد، ولا هي متساويةَ الوقع على الطرفين. ومن ساقها هدمًا للأخلاق فقد نقل عن ستريت ضدّ ما في نصّها على كلّ حال.

أسئلةٌ باقيةٌ لكلّ موقف

فما الذي بقي بعد هذا كلِّه؟

بقي سؤالٌ ثقيلٌ حقيقيّ، لا برهانٌ قاطع. وهذا السؤالُ يُصاغ لكلّ موقفٍ بلغته هو، لا بلغة السلطة و«بأيّ حقّ»، لأنّ أقوى الخصوم يرفض هذه المفردات من أصلها:

  • لمن قال إنّ الأخلاقَ اتّفاقٌ نافعٌ للبقاء: فما جوابُك لمن لا يرى النفعَ في حالته هو؟ ولقومٍ كان اتّفاقُهم على الظلم نافعًا لهم؟ كصفٍّ اتّفق طلّابُه على أن يحمّلوا الواجباتِ كلَّها طالبًا ضعيفًا واحدًا، فنفع ذلك سائرَهم.
  • ولمن قال إنّها شعورٌ نشأ بالانتقاء الطبيعيّ: أتُدين مجتمعًا كاملًا شعورُه غيرُ شعورك؟ وإن أدنتَه، فما الذي تقوله عنه غيرَ أنّك تنفر ممّا لا ينفر منه؟ كمن يكره طعامًا يحبّه أهلُ بلدٍ آخر: أيقول لهم «أخطأتم»، أم يقول «لا أحبّه»؟
  • وللتعبيريّ وشِبهِ الواقعيّ: بنيتَ فوق المواقف بناءَ الصدق والخطأ والثبات. فهل يبلغ بناؤك موضعًا تقول فيه للمتّفقين على الظلم «أنتم مخطئون» بالمعنى الذي يفهمونه هم، أم بالمعنى الذي رتّبتَه أنت؟ كمن يقول لقومٍ ضحكوا لنكتةٍ ثقيلة: «أخطأتم» — أيقولها بمعنًى يلزمهم هم، أم بمعنى ذوقه هو؟
  • وللبنائيّ: تنقيحُ المواقف يبدأ من مواقفَ قائمة. فإن كانت المواقفُ التي تبدأ منها فاسدةً في أصلها، أيُصلحها التنقيحُ أم يصقلها فحسب؟ كمن يرتّب دفترًا مليئًا بإجاباتٍ خاطئة: يصير الدفترُ أنظم، ولا تصير الإجاباتُ أصحّ.
  • وللطبيعيّ الأخلاقيّ، وهو أقواهم عندي: قلتَ إنّ «الخير» عنقودٌ من خصائصَ يسند بعضُها بعضًا، تتعلّق بازدهار الكائنات التي تعيش في جماعة. وفي العالم عناقيدُ أخرى كذلك: فعنقودُ «ما يخدم قبيلتي وحدَها» متماسكٌ يسند بعضُه بعضًا، ويفسّر السلوكَ ويتنبّأ به. فما الذي يجعل عنقودَك أنت هو المسمّى خيرًا دون ذاك؟ وجوابُهم معروفٌ ومعتبر: أنّ ما تشير إليه كلمةُ «الخير» يتحدّد بما تتعلّق به أحكامُنا فعلًا، وبما ينجح في التفسير على المدى الطويل، لا باختيارٍ منّا. وأنا أقول: هذا جوابٌ محتمَل، ولا أزعم أنّي أُسقطه.
  • ولمن قال إنّها وقائعُ خامٌّ ليست طبيعيّة: كيف تدخل واقعةٌ مجرّدةٌ في تفكيري حين أقرّر فتُرجّح؟ لا أسألك «بأيّ حقٍّ تُلزم» — فأنت لا تراها سلطة — بل: ما وزنُها حين أوازن، وبأيّ ميزان؟ قل: أمامك اختبارٌ غدًا، وصديقٌ يعرض عليك ورقةَ الأسئلة، ولا أحدَ يراك. فإن كان «الغشُّ خطأ» واقعةً قائمةً في مكانٍ ما، فكيف تدخل هذه الواقعةُ في اللحظة التي تمدّ فيها يدك؟ وبأيّ ثقلٍ ترجّح؟

وهذه أسئلةٌ باقية، لا مطارقُ هادمة. عند كلٍّ من أصحابها أجوبةٌ عرضتُ بعضَها، ولا أزعم أنّي أُسقط موقفًا منها. وعندي مثلُها: الاعتراضُ الرابع على القرن الثالث لم أجد له جوابًا، ودَينُ النصوص لم أُوفِه.

وهذا سؤالٌ يظلّ مفتوحًا، ولا أزعم أنّه يُغلق الباب. والفيلسوفُ الأستراليُّ غراهام أوبي ممّن كتب في هذا الميدان كتابةً متينةً مستوعبة. وهو من أبرز من دافع عن الإلحاد، ويصرّح بإلحاده. وقد انتهى إلى أنّه لا حجّةَ ناجحةً في الاتّجاهين، إن كان «النجاح» أن تُلزم الحجّةُ كلَّ عاقلٍ كان ينكر النتيجةَ أو يتوقّف فيها.

وأوبي لا يقف عند التعادل. فموقفُه المعلَن في كتابٍ آخر أنّ الطبيعانيّة أرجحُ نظريًّا: أقلُّ افتراضاتٍ، مع القدرة نفسِها على التفسير. و«الطبيعانيّة» هي الموقفُ القائلُ إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد. فعدمُ نجاح الحجج عنده مقدّمةٌ يبني عليها ترجيحًا، لا نقطةُ توقّفٍ في المنتصف. ومن نقل عنه شطرَ «لا حجّةَ ناجحة» وحدَه، أوهم أنّ الرجلَ واقفٌ حيث لا يقف. وصنع بجملته ما صُنع بجملة ماكي: أخذ نصفَها.

وأنا أوافقه في المعنى الذي حدّه هو للنجاح: أن تُلزم الحجّةُ كلَّ عاقلٍ كان ينكر النتيجة، وذاك لم يتحقّق لأحدٍ من الطرفين. وأخالفه في الترجيح الذي بناه عليه. فإذا لم تُلزم الأدلّةُ كلَّ عاقل، فليس معنى ذلك أنّها لا تدلّ على شيء. وترجيحُه قائمٌ على شقّين: أُسلّم له بالأوّل، وأقف عند الثاني. فكونُ القدرة على التفسير واحدةً في الجانبين هو المتنازَعُ فيه في هذا الفصل وفيما قبله، لا المسلَّمُ به. ومرجِّحُ قلّةِ الافتراضات لا يعمل إلا بين متكافئين في التفسير. ولا أملك ما يُلزمه بمخالفتي.

ولماذا بقيتُ أنا على إيماني؟

وهذا سؤالٌ عادل. فمن سمعني أقول: هذا لا يُثبت، وهذا لا يُرجّح، وشاهدي لا يؤمن، وصاحبُ الحجّة رجع عنها، وهذا الاعتراضُ لم أجد له جوابًا — فمن حقّه أن يسأل: فإن كان هذا كلَّ ما في اليد، فلماذا لم تترك إيمانك أنت؟

وهذه الحججُ — حجّةُ الوعي وحجّةُ الإلزام الأخلاقيّ — ليست سببَ إيماني ولم تكن يومًا. ولو سقطت كلُّها اليوم ما تحرّك عندي شيء. وليستا كلَّ ما في هذا الكتاب: فسؤالُ أصل الوجود موضعُه الفصلُ الخامس، وبدءُ الكون السادس، والضبطُ الدقيق السابع. ولم أدّعِ في واحدٍ منها برهانًا، وإنّما هي مواضعُ النظر. ومن بنى إيمانه عليهما فقد بناه على ما لا يحمله: فمن جعل إيمانَه قائمًا على «المشكلة الصعبة»، ثمّ قرأ تشالمرز، خسر الاثنين معًا.

وثلاثةٌ تُبقيني، وهي خبرٌ عن نفسي لا حجّةٌ عليك:

١. النشأة. وُلدتُ في بيتٍ مسلمٍ في بلدٍ مسلم، ولو وُلدتُ في غيره لكنتُ غيري على الأرجح. وهذا خبرٌ عن سبب اعتقادي لا عن صدقه: فالنشأةُ تفسّر الاعتقادَ، ولا تصحّحه ولا تُبطله. وأعلم أنّ هذا الاعترافَ يُضعف موقفي لا يقوّيه، ولا أستطيع إنكاره. وفي الناس من نظر فخالف نشأتَه، فلستُ أحكم على أحدٍ بما أقوله عن نفسي. وإنّما أستبعد أن ينكر أثرَها عن نفسه من لم يفحصه. وتفصيلُ هذا في الفصل السادس عشر: «لو وُلدتُ في الهند لكنتُ هندوسيًّا».

٢. معاشرةٌ طويلةٌ للنصّ. أكثرُ وقتي في هذا المشروع أقضيه في مقابلة النصّ حرفًا بحرف، وفي العدّ والإحصاء. ورددتُ فيه دعاوى «إعجازٍ» عدديّةٍ كثيرةً لأنّ العدَّ كذّبها، وأسقطتُ من عملي مقالاتٍ وأحاديثَ لم تثبت عند التحقّق. فليس الذي بقي عندي إعجابًا لم يُختبر. وهو مع ذلك حكمٌ عامٌّ على نصٍّ عاشرتُه، لا برهانٌ ينتقل إليك في سطر. فمن عاشر شيئًا طويلًا حكم عليه حكمًا لا يستطيع أن يضعه في مقدّمتين ونتيجة. وهذا حدُّه، ولا أرفعه فوق حدّه.

٣. وميلٌ أسمّيه ميلًا لا دليلًا: أنّ الوجودَ يبدو لي مطلوبًا منه معنًى، وأنّ سؤالي «لماذا يوجد شيءٌ بدلَ لا شيء؟» لا يسكت. وأعلم أنّ سكوتَ السؤال ليس شرطًا لصدق الجواب، فقد يصدق الجوابُ ويبقى السؤالُ يلحّ في النفس. وأعلم أنّ من لا يجد هذا الميلَ في نفسه لا يُلام. فهو خبرٌ عن تكويني أنا، لا حجّةٌ على تكوينك أنت.

وأمّا لماذا لم أترك إيماني: فلأنّ الخروجَ منه جوابٌ أيضًا، يحتاج إلى ما يحمله، لا فراغٌ يُترك فيه المرءُ بلا موقف. وأنا لم أجد في الحجج ما يُلزمني بالخروج، كما لم أجد فيها ما يُلزمك بالبقاء. وهذه هي نتيجةُ أوبي نفسُها في نصفها الأوّل، وقد خالفتُه في نصفها الثاني، وقلتُ إنّي لا أملك ما يُلزمه. والميزانُ في هذا كلِّه ميزانُ البرهان وحدَه. فأمّا الوجوبُ في خطاب الشرع فبابٌ آخر له أدلّتُه، لا أتكلّم فيه ههنا ولا أُسقطه.

فإن بقيتَ على شكّك، فلا أحدَ يشترط عليك أن تقتنع. وإنّما الشرطُ عليّ أنا: ألّا أبيعك يقينًا لا أملكه، وألّا أُخفي عنك أين أقف، وأنا أطلب منك أن تقول أين تقف.