تخطَّ إلى المحتوى

اعتذارٌ بلا «لكن»

هذه رسالةٌ يكتبها قومٌ ما زالوا على الدين، إلى من تركه. ولن نبدأ بحجّة. فالحجّةُ ليست أوّلَ ما بيننا، ومن بدأ بها هنا فقد أجاب عن سؤالٍ لم يسأله أحدٌ بعد.

وقبل كلّ شيء: نحن لا نكتب هذه الرسالةَ لنستردّكم. علينا حقٌّ نؤدّيه، وأداءُ الحقّ لا يتوقّف على ما يصنعه صاحبُه به بعد أن يأخذه. فإن قرأتم وطويتم الصفحة على ما أنتم عليه، فقد وقع الاعتذارُ موقعَه، ولا نطلب إيصالًا.

ولسنا نتكلّم باسم مؤسّسة. لا أحد فوّضنا، ولا نملك أن نعتذر باسم أحد. هؤلاء أفرادٌ يكتبون عن سكوتهم هم، وعن مجالسَ حضروها ولم يقولوا فيها ما كان يجب. ومن ينتظر اعتذارًا رسميًّا من جهةٍ لها اسمٌ وختمٌ فلن يجده هنا، ولعلّه لا يجده في أيّ مكان. ومن انتظر أن تعتذر جماعةٌ لا وجهَ لها طال انتظارُه بلا نهاية. فخذوا ما يُقدَّم ممّن يقدر أن يقدّمه.

وسنجتهد في شيءٍ واحد: ألّا تجدوا «لكن» بعد إقرار. فأكثرُ ما قرأناه من هذا النوع يبدأ اعتذارًا ثمّ ينقلب دفاعًا. وأنتم تعرفون صيغتَه من سطره الأوّل: «نعم أخطأنا، لكنّ الدين بريء». هذه ليست جملةً واحدة، إنّها جملتان: الأولى تُقال لتفتح الطريقَ للثانية.

و«بل» أختُ «لكن»، وتقديمُ التبرئة على الإقرار حيلةٌ ثالثة. ونعرف الحيلتين من أنفسنا لا من غيرنا. قلنا: «ليس هذا من الدين، بل من عادات». وقدّمنا التبرئةَ ثمّ أتبعناها بما يثقلها، فخرج من يقرؤنا والإقرارُ في أذنه، والتبرئةُ في الصفحة. وهذا أنفعُ للمتكلّم من صيغة «لكن» لا أقلّ منها. ولذلك يأتي الإقرارُ في هذه الرسالة قبل التبرئة. ونقول ذلك هنا مكشوفًا لا في هامش، لأنّ من ترك خطأه في الخفاء أبقى لنفسه فضلَ من لم يخطئ.

ولا ندري إلى أيّكم نكتب. فمنكم من خرج من وجع. ومنكم من قرأ ووزن، فوجد في ميزانه هو أنّ ما عندنا لا يكفيه، وبيتُه دافئ، وأبوه رحيم، ولم يُقمع له سؤال. وأكثرُ ما قرأناه ممّا يُكتب إلى من ترك مكتوبٌ للأوّل، لأنّ الأوّل أهونُ علينا: نُواسيه فنبدو كرماء، ونؤجّل المسألةَ فلا نُسأل عنها. فإن كنتَ الثاني فاقرأ ما يلي على أنّه إقرارٌ بما فعلناه نحن، لا تشخيصٌ لما بك أنت. وما في هذه الرسالة من ذكر الجرح فهو حكايتُنا لا حكايتُك.

أوّلًا: ما نقرّ به

أُوذي منكم من أُوذي باسم الله، والذنبُ ذنبُ من آذى، ونحن سكتنا.

ولن نقول «جهلة». هذه كلمةٌ مريحةٌ لنا، لأنّها تُبعد الأذى إلى هامشٍ لا نعيش فيه. والحقّ أنّ منه ما وقع ممّن يُستمع إليه ويُحسَن به الظنّ، لا من هامشٍ بعيد. ووقائعُ غيرِنا نعرفها ولا نملك أن نرويها. وسكتنا عنه ونحن نعلم. والسكوتُ عن معلومٍ ليس غفلة، إنّه اختيارٌ يُتّخذ في لحظته: قدّمنا حفظَ الصفّ على المظلوم، وسمّينا ذلك حكمةً، وأخّرنا كلامًا كان يجب أن يُقال يومَه. وأيُّ نفعٍ في كلمةٍ تُقال بعد عشر سنين لمن احتاجها في مجلسٍ واحد؟

ولكم أن تقولوا: سمّوا. أيّ مجلس؟ أيّ عالم؟ وهو اعتراضٌ في محلّه، ونجيب عنه بما يُضعف موقفنا لا بما يقوّيه. لا نسمّي وقائعَ غيرِنا. فمن أُوذي فالحكايةُ حكايتُه، وإن نشرناها بلا إذنه آذيناه مرّةً ثانيةً لنكسب بها مجلسًا. ولا نسمّي أسماءَ من نتّهمه في ورقةٍ لا يستطيع أن يردّ فيها. فيبقى الذي نملك تسميتَه: ما خرج من أفواهنا نحن.

قلنا لمن سأل: «هذه شبهةٌ لا سؤال». وقلنا لمن اعترض: «انظر في قلبك قبل أن تنظر في المسألة». وقلنا لمن ترك: «أراد شهوةً فطلب لها بابًا». وقلنا للفتاة التي تُضرب في بيتها: «اصبري، والبيوتُ أسرار». وأفتينا لصالح العادة بأحكامٍ لم نجد لها سندًا إلا أنّها عادةُ قومنا. هذه جملٌ قيلت بحروفها، ونحن قائلوها.

وحقٌّ عليكم أن تلاحظوا أنّ الميزانَ هنا مائل: ما ينفعنا ذكرُه وصفناه، وما يكلّفنا ذكرُه تركناه بلا تفصيل. فالاعتذارُ الذي لا يُسمّي حادثةً واحدةً ناقص، ولا ندّعي غيرَ ذلك. وكلُّ ما سمّيناه هنا فعلُنا نحن وحدَه.

وسأل منكم من سأل في الصغر فقُمعت أسئلتُه، وكان من قمعها — فيما رأينا — يخفي أنّه لا يعرف.

وأثقلُ ما في ذلك ليس الجهل، فكلُّ الناس يجهلون دليلَ أكثرِ ما يعلمون. أعني أنّ أحدنا يعرف أنّ الأرضَ تدور، ولا يقدر أن يقيم على ذلك دليلًا واحدًا من عنده. فأكثرُ ما يعلمه كلُّ أحد، مؤمنًا كان أو ملحدًا، عالمًا أو عامّيًّا، علمٌ ورثه وهو يثق بمن نقله إليه، لا علمٌ تحقّق منه بنفسه. والذي لا يُحتمل ليس أنّ الشيخَ لم يعرف، بل أنّه لم يقل «لا أعلم»، وحوّل السؤالَ إلى تهمة. فتعلّم الطفلُ في تلك اللحظة درسًا لم يقصد أحدٌ أن يعلّمه إيّاه: أنّ هذا البابَ لا يُطرق، وأنّ من طرقه صار هو المشكوكَ فيه، لا مسألتُه.

وكم من طفلٍ سأل فقيل له أمام أهله: «هذا سؤالُ من في قلبه مرض». ولا ندّعي أنّ اعتراضاتِكم اليوم أثرٌ من تلك الساعة، فالاعتراضُ يُوزن بنفسه لا بتاريخ صاحبه. وإنّما نُقرّ بما فعلناه بالسؤال يومَ كان سؤالًا.

وفي خطابنا استعلاءٌ، واتّهامٌ بالنيّات، وتضخيمٌ للفروع، وتهوينٌ للأصول.

خُطبٌ في طول الثوب وموسيقى الأعراس، وصمتٌ عن رشوةٍ اسمُها هديّة، وعن عاملٍ يُنقَص أجرُه، وعن امرأةٍ تُضرب في بيتٍ يُصلّى فيه. والعيبُ ليس في أن تُذكر المسألتان، بل في أن تأخذا من المنبر أكثرَ ممّا يأخذه ما هو أعظمُ منهما.

ثم — وهذه أشدُّها — نردّ على أضعف ما تقولون ونترك أقواه. نُطيل في «من خلق الله» لأنّ لنا فيها جوابًا محفوظًا، ونختار من صورها أهونَها. ولا نقترب من سؤال الخفاء: لماذا يصعب على من يبحث عن الله بصدقٍ أن يجده؟ ولا من مشكلة الشرّ في صورتها التي لا تُحلّ بمثال، أي في وجع من لا ذنبَ له. ولا من قولكم إنّ إيمانَ أكثرِ الناس يُقرأ من خريطة مولدهم لا من دليل. ومن ردّ على أضعف ما عندكم فقد أراح نفسَه ولم يمسّكم.

وقرأنا في أنفسنا ما لا يسرّنا: أنّ من زاد علمُه قد تزيد قدرتُه على الدفاع عن رأيه أكثرَ ممّا يزيد استعدادُه لمراجعته. وقد قيس هذا في الآراء السياسيّة لا في الدين، على طلّابٍ أمريكيّين في مسألتين. فوُجد أنّ الأعلمَ بالمسألة صار أشدَّ تمسّكًا برأيه وأبعدَ عن مخالفه، بعد أن عُرضت عليه حججٌ متوازنة من الجهتين. ونقلُ هذه النتيجة من السياسة إلينا قياسٌ نتّهم به أنفسَنا، لا حكمٌ نُنزله عليكم. وليس فيها أنّ الحجّةَ عديمةُ الجدوى، ولا أنّ التصحيح يزيد الخطأ رسوخًا.

وسُقنا إليكم أرقامًا سمّيناها إعجازًا عدديًّا، ثمّ عددنا ما ادّعيناه منها فخالف العدُّ بعضَه. وقد عددنا بأنفسنا في هذا العمل ما استطعنا، فسقط منها ما سقط. والدعوى التي تُنسب إلى الدين ثمّ يكذّبها العدُّ أضرُّ من السكوت عنها. فالقارئ يتلقّاها على أنّها دين، ثمّ يجدها خطأً، فيرتدّ الأثرُ على الدين نفسِه.

والعادةُ لم تلبس ثوبَ الدين وحدها: نحن ألبسناها إيّاه.

أفتينا لها، ودافعنا عنها في المجالس، وجعلنا الخروجَ عليها خروجًا على الله. فمن خرج منها فوجد نفسه خارجَ كلّ شيء، فنحن الذين أغلقنا البابَ خلفه. ثمّ إنّ كثيرًا ممّا أبعدكم ليس من الدين، وإنّما هو عادةٌ ألبسناها ثوبَه. والحدُّ بينهما ليس حكمًا لنا، بل مردُّه إلى الدليل: فما قام عليه نصٌّ قاطعٌ أو إجماعٌ فهو من الدين وإن ثقل، وما اختلف فيه أهلُ العلم فلا إنكار فيه على أحد، وما لم يقم عليه إلا العُرف فهو الذي نتكلّم عنه. ولا ندّعي أنّ ما أبعد كلَّ واحدٍ منكم من هذا الأخير. ونقول هذا بعد الإقرار لا قبله، ولا نطلب أن يُحسب لنا. فمن صنع الالتباسَ ثمّ جاء يشرحه لا يستحقّ على شرحه أجرًا. ولكم أن تسمّوا هذا تهرّبًا. وقولُنا إنّنا نعرف أنّه قد يُقرأ تهرّبًا لا يمنعكم من أن تقرأوه كذلك. وتسميةُ الاعتراض قبل أن يقوله صاحبُه حيلةٌ تنزع منه سلاحَه ولا تجيب عنه، وهي أقربُ إلى أقلامنا ممّا نحبّ.

ومن ذلك أنّنا رفعنا ثمنَ السؤال. وأصدقُ ما قرأناه في هذا مقابلاتٌ مع خمسةٍ وثلاثين ممّن تركوا، أُجريت في بريطانيا وكندا لا في بلادنا، فخذوها على قدرها. وفيها أنّ ما شغلهم بعد تركهم لم يكن مسألةَ العقيدة وحدها، بل ما سيقع لهم من أمر الأسرة، والفضيحة، والطرد، والخوف على رزقٍ وولد. وليس فيها أنّ هذه الكلفةَ هي سببُ الترك، ولا نسبةٌ مئويّةٌ يُقدَّر بها عددُ التاركين في بلد. ومن رفع الثمنَ إلى هذا الحدّ ثمّ سأل: «ولِمَ لا تناقشون في العلن؟» فقد سأل سؤالًا يعرف جوابَه.

ومن ذلك أيضًا أنّنا نخطئ عنوانَ من نخاطب. وضعنا في خانةٍ واحدة من ابتعد عن جماعتنا ومجالسها، ومن لم يعد يرى دعوى الإيمان صحيحة، ومن ما زال يصلّي في بيته ولا يطيق المسجد. وأشدُّ من ذلك أنّا جعلنا الخروجَ كلَّه جرحًا: نبحث عن أبٍ قاسٍ أو مجلسِ قمعٍ خلف كلّ من ترك. ومن جعل كلَّ تركٍ أثرًا لجرح فقد اتّهم نيّاتِ الناس وهو يلبس ثوبَ الرحمة. ومن أخطأ عنوانَ قارئه دفعه إلى صفٍّ لم يختره، فصنعنا بذلك بعضَ ما كنّا نحذّر منه.

وقلنا كذلك إنّ التعليمَ يأخذ الأبناء، ولم يكن معنا دليلٌ على ذلك. وأقربُ ما قيس في هذا وجد التراجعَ الدينيَّ أظهرَ فيمن لم يلتحق بالتعليم العالي. وقد قيس في أمريكا، في حقبةٍ بعينها، ولا يُثبت سببًا في أيّ اتّجاه. ولا نسوقه شاهدًا لنا: هو لا يصلح شاهدًا على أنّ العلم يحفظ الدين، كما لا يصلح شاهدًا على ضدّه. وإنّما نسوقه لأنّه يُضعف دعوانا ولا يبني بدلَها شيئًا. فعادينا التعليمَ بقولنا ذاك بلا داعٍ، وخسرنا فيه أبناءنا مرّتين.

ثانيًا: بين الله ومن تكلّم باسمه

نُفرّق بين الله ومن تكلّم باسمه، ولا نجعل التفريقَ شعارًا يُرفع عند الحرج. وإليكم هذا الفرقَ في صورةٍ ملموسة.

جملةٌ واحدة — «الله يراك» — تُقال في بيتين. في الأوّل يقولها أبٌ لابنٍ في العاشرة ليمنعه أن يفتح الثلاجةَ ليلًا. ويعيدها كلّما أراد طاعةً لا تكلّفه شيئًا، حتى تصير الجملةُ في أذن الولد عينًا تراقبه ولا تحبّه. وفي الثاني تقولها أمٌّ لطفلٍ يخاف الظلام، فينام. اللفظُ واحد. والفرقُ في اعتقادنا ليس في الله الذي تُخبر عنه الجملة، بل في الفمين اللذين قالاها.

ثمّ يكبر الأوّل، فقد لا يسمع في اللفظ إلا يدَ أبيه.

ولا نقول إنّ هذا حالُكم. أكثرُكم لم يمرّ به، ومن مرّ به فقد يكون خرج لسببٍ آخر. ومن خرج بعد تفكيرٍ ونظرٍ لا غير، فحكايةُ البيتين كلُّها ليست عنه.

ثمّ نقول ما هو أثقل على موضعنا: هذا الكلامُ حجّة، وإن جاء في صورة حكاية. وخلاصتُه أنّ الطريقَ الذي جاء منه الاعتقادُ إلى نفس صاحبه شيء، وصدقَ الدعوى نفسِها شيءٌ آخر. وهذه حركةٌ معروفةٌ في الجدال، ولها ردودٌ معروفة. وقد جاءت في صورة حكايةٍ لا في صورة استدلالٍ منطقيّ، والحكايةُ أصعبُ ردًّا من الاستدلال. فنسمّيها باسمها ونضعها بين أيديكم: ردّوا عليها. ومن قال لكم إنّ كلامَه صورةٌ لا حجّة، ثمّ منعكم من مناقشته، فقد أخذ ربحَ الحجّة وأسقط عن نفسه كلفتَها.

وهنا موضعُ الأمانة: هذا التفريقُ لا يبرّئنا. الولدُ لم يكن يملك أن يذهب إلى الفم الآخر؛ نحن كنّا الأفواهَ المتاحة. ولن نقول لمن فعل ذلك به أبوه: «ما فعله بك أبوك لا علاقة له بالدين». فالصلةُ بين الأمرين قائمةٌ في تجربته، وإن لم تكن قائمةً في حكم الدين. ومن نفاها كذّبه في أوضح شيءٍ يعرفه. وما نعرضه احتمالٌ لكم أن تأخذوا به أو تتركوه، لا واجبٌ نفرضه، ولا شرطٌ لسماعكم. ولا نطلب منكم أن تفصلوا بينهما اليوم، ولا أن تسامحوا. فالمسامحةُ التي تُطلب طلبًا دَينٌ جديدٌ يُضاف إلى دَين.

ثالثًا: وما لا نعتذر عنه

وحتى لا يكون في الرسالة تودّدٌ متخفٍّ، نقول بصراحةٍ لا تحتمل التأويل ما الذي لا نعتذر عنه.

نحن نعتقد ما نعتقد، ولا نتبرّأ منه إرضاءً لأحد. ولا يُقال هذا مجملًا، فمن أبهم دعواه لم يترك لكم ما تردّون عليه. فالذي لا نخفّفه: أنّنا نعتقد أنّ الله موجودٌ، لا بالمعنى المجازيّ، وأنّه واحدٌ لا شريكَ له ولا شبيهَ له، وأنّه تكلّم إلى الناس، وأنّ القرآن الذي بأيدينا كلامُه، وأنّ بعد هذه الحياة حسابًا، وأنّ رحمتَه سبقت غضبَه، وأنّ بابَه لا يُغلق دون أحد. هذه دعاوى ثقيلةٌ نعرف ثقلَها، ولا نُقدّم دينًا نُسقط منه دعاواه ثمّ نسمّي الإسقاطَ تسامحًا. ولو فعلنا لصار ما بيننا مجاملةً، وأنتم أوّلُ من يزدريها. ولعلّ منكم من قرأ الفيلسوفَ الأستراليّ غراهام أوبي، وهو من أبرز من دافع عن الإلحاد، أو عالمَ الفيزياء الأمريكيّ شون كارول، أو عالمَ الأحياء البريطانيّ ريتشارد دوكينز. ومن قرأهم يعرف متى يُضعف المؤمنُ حجّتَه وهو يحاوره، ليكسب مجلسًا. وهم ثلاثةٌ في ثلاثة ميادين مختلفة، ونحن نعرف ذلك. ولسنا نفترض أنّكم قرأتموهم، فمن جامل قارئَه بقائمة أسماءٍ فقد بدأ يفعل ما نعِد بتركه.

ولا نعتذر عن أن ندعو. الدعوةُ إلى ما نعتقده حقًّا ليست عدوانًا في نفسها. ولسنا نزعم أنّ دعوتَنا ودعوتَكم متكافئتان. فقد قلنا قبل قليلٍ إنّ من قوبلوا ممّن تركوا في بريطانيا وكندا كان همُّهم بعد الترك أسرةً وفضيحةً وطردًا. ونرجّح أنّ الثمنَ في بلادنا لا يقلّ عن ذلك، وهو ترجيحٌ لا نتيجةُ قياس، فليس عندنا مرجعٌ يزنه. وفي بعض البلاد، لا في كلّها، نصٌّ في قانونها يجعل للترك عواقب. فمن قال بعد هذا «نحن وأنتم سواء» ناقض سطرَه بسطره. الميدانُ مائلٌ لصالحنا، وما دام مائلًا فدعوى التساوي لا تصحّ. والذي يُطلب منّا ليس أن ندع الدعوة، بل أن نكفّ عن استعمال هذا المَيْل ثمّ ندّعي أنّنا نجادل على أرضٍ مستوية. وليس هذا الكفُّ تنازلًا نُحدثه من عند أنفسنا: الدعوةُ عندنا بيانٌ يُعرض، ومن حُمل على قولٍ لم يعقده قلبُه لم يكن قولُه إيمانًا. فالذي يُحصّله المَيْلُ ليس هو الذي ندعو إليه.

والذي نعتذر عنه الطريقةُ لا الاعتقاد. والاعتذارُ عن الإساءة غيرُ الاعتذار عن الاعتقاد، ومن خلط بينهما لم يصدق في أيٍّ منهما. فمن تنازل عن اعتقاده ليُرضيَكم، فما الذي يمنعه أن يتنازل عن اعتذاره ليُرضيَ غيرَكم؟

ولا نعتذر عن أنّنا نظنّكم مخطئين، كما لا نطلب منكم أن تعتذروا عن أنّكم تظنّوننا مخطئين. فمن لا يظنّ محاورَه مخطئًا في شيءٍ فهو لا يحاوره، إنّما يجامله.

رابعًا: ما ندعوكم إليه

لا ندعوكم في هذه الرسالة إلى عودة. ندعوكم إلى مجلسٍ واحدٍ يُقال فيه ما لم يُقل.

مجلسٌ بأربعة شروط، نلتزمها أوّلًا ونطلبها ثانيًا:

الأوّل: أن نصوغ اعتراضَكم في أقوى صورةٍ نقدر عليها، ثم نعرضها عليكم ونسأل: أهذا هو؟ فإن قلتم لا، فالصياغةُ صياغتُنا ولا نردّ عليها. والثاني: ألّا نطالبكم ببيّنةٍ لا نُلزم بها أنفسَنا. والثالث: أن يقول كلٌّ منّا «لا أعلم» في موضعها، وأن تُحسب له لا عليه. والرابع: أن يُحكم على كلّ فريقٍ بأحسن ما عنده.

وهذا الشرطُ الرابع نبدأ نحن بأدائه في اتّجاهين، لا في اتّجاهٍ واحد. أمّا في جهتكم، فلن نحاكمكم إلى أسوأ من كتب باسم الإلحاد شماتةً في منشورٍ ليلًا. وإنّما نحاكمكم إلى سؤال الخفاء، وإلى الشرّ في صورته التي لا تُحلّ بمثال، وإلى جغرافيا الإيمان: قولِكم إنّ إيمان أكثر الناس يُقرأ من خريطة مولدهم. ولهذه الثلاثةِ مواضعُها من فصول هذا الكتاب.

وأمّا في جهتنا، فنسمّي أحسنَ ما عندنا لتحاكمونا إليه، لأنّ الشرطَ الذي يقع على طرفٍ واحدٍ ليس شرطًا. الأوّل: أنّ في العالم ما لا يحمل في نفسه علّةَ وجوده، أي ما يأخذ وجودَه من غيره. والثاني: أنّ الواجبَ الأخلاقيَّ نجده كأنّه أمرٌ يقع علينا، لا شيءٌ صنعناه نحن في أنفسنا. والثالث: أنّ دعوى النبوّة خبر، فيُنظر فيها كما يُنظر في الأخبار: في ناقلها، وطريقِ وصولها، ونصِّها، لا كما يُنظر في البراهين المجرّدة. ولا نحتجّ بها هنا، ولكلٍّ منها إيرادٌ معروفٌ نعرفه، وقد نظرنا فيه في مواضعه: منه ما نراه مدفوعًا، ومنه ما لم نبلغ فيه حسمًا فقلنا إنّا لم نبلغه. ولم تسقط به واحدةٌ من الثلاث. وإنّما نسمّيها لتعرفوا إلى أيّ شيءٍ تحاكموننا، فلا تُحاكمونا إلى أضعف ما عندنا كما فعلنا نحن بكم.

ولا نشترط للمجلس صورةً: غرفةٌ تكفي، وصفحةٌ مكتوبةٌ تكفي، ورسالةٌ لا يقرؤها ثالثٌ تكفي. الذي نشترطه ألّا يكون فيه جمهور. فالجمهورُ يجعل التراجعَ خسارةً تُحسب على صاحبها، فيصير حفظُ ماء الوجه عند الاثنين أهمَّ من طلب الحقّ. ولسنا نحتجّ في هذا بدراسةٍ قاسته: هو ما رأيناه في مجالسنا نحن، ونعرضه عليكم لتزِنوه بما رأيتم.

ونحن نشترط مجلسًا لا جمهورَ فيه، ونعتذر على أوسع منبرٍ نملكه. وهذا تناقضٌ لا نُخفيه، وله سببٌ ومستفيد. أمّا السبب فأنّ من نعتذر إليه لا نعرف عنوانه، والاعتذارُ في مجلسٍ مغلقٍ لا يبلغ من لم يُدعَ إليه. وأمّا المستفيدُ منه بعدكم فمؤمنٌ يقرأ هذه الصفحة، فيرى نفسه في صفّ من اعتذر، فينال ثمرةَ الاعتذار وهو لم يعتذر لأحد. والاعتذارُ إنّما يُحسب لمن قاله لمن ظلمه، لا لمن قرأه فأعجبه.

وهذه رسالةٌ لا برهان. غايتُها أن تُصحّح خبرًا عنّا، لا أن تُثبت خبرًا عن الله. وأيسرُ علينا أن نقول: «ليس فيها دليلٌ واحد»، ولا يصحّ ذلك. ففيها موضعٌ واحدٌ يشبه الحجّة، وهو حكايةُ البيتين، وقد سمّيناه في موضعه وعرضناه عليكم لتردّوا عليه. وما عداه إقرارٌ ووصفٌ ودعوةُ مجلس. ومن خرج منها كما دخل فلم يقع خللٌ في الحساب: هي تفتح عينًا، ولا تُبرم عقدًا.

ثمّ إن لم يكن بعدها شيء — لا مجلس، ولا ردّ، ولا سطر — فقد بقي المكتوبُ مكتوبًا: أنّ أناسًا ظُلموا باسم الله، وأنّنا كنّا في الغرفة، وأنّنا سكتنا. نقولها بلا مقابل، لأنّ الاعتذارَ الذي يشترط صاحبُه أن يُقبل مساومةٌ تلبس ثوبَ الندم.

وسؤالان: أحدهما علينا

السؤالُ الأوّل علينا: ما الذي لو صحّ لأسقط ما نستند إليه؟ ولم يسألنا إيّاه أحدٌ منكم، لأنّا لم نفتح له بابًا. وليس السؤالُ عن أصل الاعتقاد، فذاك عندنا يقينٌ قام على دليله، لا فرضٌ ننتظر ما ينقضه. وإنّما هو عن فهمنا، وعن ميزاننا، وعن أمانتنا فيما ننقل. ونحن نشترط «لا أعلم» على الطرفين، فلنبدأ بأنفسنا. نقول: لو وجدنا في الذي بأيدينا أمرًا لا يحتمل إلا معنًى نراه نحن ظلمًا بيّنًا بعد أن نستقصيَ وجوهَه وأقوالَ أهل العلم فيه، ثمّ وجدنا أنفسنا ندافع عنه لأنّه لنا لا لأنّه حقّ. أو لو تبيّن أنّ ما نسند به اعتقادنا هو بعينه ما نردّه إذا سيق إلينا من غيرنا، فيكون الميزانُ عندنا اثنين. أو لو ظهر أنّ الطريقَ الذي نُقل به ما نرويه من أخبار الآحاد فيه طعنٌ لا يحتمله، وكنّا نحن نعرف الطعنَ ونسكت عنه.

ومنّا من يقول: لا شيء. واليقينُ في أصل الاعتقاد ليس عيبًا يُعتذر منه، وإنّما سؤالُنا عن الدليل لا عن الأصل. ونقول له ما نقوله لكم: من لا يعرف على أيّ دليلٍ بنى رأيه فهو لا يجادل، إنّما يُعلن. والإعلانُ لا يحتاج مجلسًا ولا يحتاجكم.

والسؤالُ الثاني إليكم. وأقربُ ما يجري على القلم هنا أن نقول: «إن كان لكم عندنا سؤالٌ قديم قيل لكم إنّه سؤالُ من في قلبه مرض، فأعيدوه علينا». وهذه الجملةُ تدعو الطفلَ لا الرجل، وتعرض الشفاءَ على من يطلب جوابًا. فمن كان عنده ذلك السؤالُ فليُعِده، ونحن نجلس حتى يُتمّه.

ومن ليس عنده جرحٌ يُعاد، فسؤالُنا إليه واحد: ما أقوى ما عندك اليوم؟ لا أوّلَ ما خطر لك، ولا ما تُفحم به خطيبًا، بل الذي لو سقط لتزحزحتَ أنت. اعرضه في أقوى صورةٍ تقدر عليها. ثمّ نصوغه نحن بأقوى منها إن قدرنا، ونعرضه عليك ونسأل: أهذا هو؟ ثمّ نقول إن لم نعرف: لا نعرف.