الفصل الثالث: ما يبقى بعد سحبِ الورقة
ينتهي الامتحانُ في قاعةِ المدرسةِ فيقوم الطلابُ ويخرجون، ويقف الأهلُ عند البوّابةِ ينتظرون، ويسألون: كيف كان؟ فيمشي الطالبُ معهم إلى البيت. أمّا في القاعةِ الكبرى فالمَشيُ يكون في الاتّجاهِ المعاكس: هم الذين يمشون معه إلى البابِ ثمّ يرجعون، وهو الذي يمضي وحدَه. وقد وُصف هذا المشهدُ وصفًا دقيقًا:
«يتبعُ الميّتَ ثلاثةٌ، فيرجعُ اثنانِ ويبقى معه واحد: يتبعُه أهلُه ومالُه وعملُه، فيرجعُ أهلُه ومالُه ويبقى عملُه»
ثلاثةٌ يتبعون، واثنان يرجعان، وواحدٌ يبقى. الأهلُ يرجعون من عند القبرِ إلى بيوتهم، والمالُ يرجع قبل ذلك إلى مَن يقتسمُه، ويبقى العمل. وهو الوحيدُ الذي لم يكن أحدٌ يراه في الدنيا وهو يُودَع في الورقة، ولم يكن له في مجالسِ الناسِ ذكرٌ ولا وزن.
وتأمّلْ في ترتيبِ الثلاثةِ كما جاءت: الأهلُ والمالُ والعمل. اثنانِ منها هما اللذان أخذا من عمرِ الطالبِ أكثرَ ساعاتِه في القاعة: يسهر لهما، ويُسافر لأجلهما، ويؤجّل من أجلهما ما لا يُؤجَّل. والثالثُ هو الذي كان يُنفق عليه فُتاتَ الوقتِ وبقايا النهار. ثمّ يجيء يومُ الخروجِ فينقلب الميزان: يقف الأوّلانِ عند الحدِّ الذي لا يتجاوزانه، ويمضي الثالثُ معه إلى حيث لا يبلغه أحد.
وليس في هذا ذمٌّ للأهلِ ولا للمال؛ فالأهلُ نعمةٌ والمالُ نعمة، وكلاهما مادّةٌ من موادِّ الامتحانِ في هذه القاعة. وإنّما فيه بيانُ حدودِ كلِّ واحدٍ منهما: أنّهما يصحبانك في الطريقِ ولا يصحبانك في المصير، وأنّ الذي يُحوَّل منهما إلى العملِ الباقي هو وحدَه الذي يعبر البوّابةَ معك. فالمالُ إذا صار سبيلًا وصدقةً جاريةً عبر، والولدُ إذا صار داعيًا صالحًا عبر، وما بقي منهما في مكانه بقي في مكانه.
| في قاعة الدنيا | في القاعة الكبرى |
|---|---|
| جرسٌ يُسمَع قبل النهايةِ بدقائق | لا إنذارَ قبل الصيحة |
| ورقةٌ تُستبدَل إن فسدت | ورقةٌ واحدةٌ فيها بابُ محو |
| يُصحَّح فيها الظاهرُ من الخطّ | يُنظَر فيها إلى القلوبِ والأعمال |
| يمشي معك أهلُك بعد الخروج | يرجع أهلُك ويبقى عملُك |
| تنتهي المدّةُ فتُنسى الورقة | تنتهي المدّةُ فتُعرَض الورقة |
القلمُ الذي يكتب بعد اليد
وليس معنى إقفالِ بابِ الكتابةِ أنّ الورقةَ تُطوى على مقدارٍ ثابتٍ لا يزيد أبدًا؛ فثمّة استثناءٌ لطيف: أعمالٌ يضعها الإنسانُ في الأرضِ فتظلُّ تكتب في صحيفتِه بعد أن تُشلَّ يدُه عن الكتابة:
«إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»
ثلاثةُ أقلامٍ تُترَك في القاعةِ تكتب نيابةً عن صاحبِها وهو خارجُها: بئرٌ يشرب منها عابرٌ لا يعرف اسمَ حافرِها، وكلمةٌ عُلّمت فانتقلت من صدرٍ إلى صدرٍ إلى صدر، وولدٌ يرفع يديه في آخرِ الليلِ لأبٍ تحت التراب. وهذه وحدَها هي التي تنجو من الجرس.
بعد سحبِ الورقة
تُجمَع الأوراقُ في حزمةٍ واحدةٍ ويُربَط عليها خيط. يخرج الطلابُ إلى الفناءِ يتضاحكون ويتقايسون الإجابات، ثمّ يتفرّقون. تُنقَل الحزمةُ إلى غرفةٍ مغلقةٍ لا يدخلها أحد. وليس بيدِ واحدٍ منهم بعد ذلك حرفٌ يزيده أو ينقصه.
يعود المشيّعون من عند القبرِ يتحدّثون في شؤونهم، ويبقى صاحبُ الورقةِ وحدَه مع عملِه. ويُقسَم مالُه في مجلسٍ لا يحضره. ثمّ يمرُّ رجلٌ عطشانُ على سبيلٍ سبّلَه، فيشرب ويدعو، فيُكتَب له سطرٌ جديدٌ في صحيفةٍ ظنَّ الناسُ أنّها أُغلقت.
فالعاقلُ في هذه القاعةِ هو الذي يعرف متى يبدأ التصحيحُ فيبدأ هو قبله، ويُراجع ورقتَه بنفسِه قبل أن تُراجَع عليه:
«الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على الله»
وقد فهم هذا المعنى مَن كان أعرفَ الناسِ بضيقِ الوقت، فقال قولًا صار قاعدةً لكلِّ جالسٍ في هذه اللجنة:
«حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أن تُحاسَبوا، وتَزيَّنوا للعَرضِ الأكبر، وإنَّما يخِفُّ الحسابُ يومَ القيامةِ على مَن حاسبَ نفسَه في الدنيا»
وأنت الآن، وقد بلغتَ آخرَ هذا الباب، أنقصُ عمرًا ممّا كنتَ حين بدأتَه. دقائقُ خرجت من الرصيدِ وأنت تقرأ، لن تُردَّ إليك، ولن تُمنَح لك مرّةً أخرى. والعدّادُ لم يتوقّف ليأذنَ لك بالقراءة، ولن يتوقّف ليأذنَ لك بالتوبة. فانظرْ ماذا كُتب في ورقتِك في هذه الدقائق؛ فإنّ الجرسَ الأوّل قد قُرِع من زمنٍ بعيد، وأنت في وسطِ الوقتِ لا تدري كم بقي منه، ولا في أيِّ سطرٍ سيقف قلمُك.
- ١اكتبْ سطرَ يومِك اليوم، ولا تُحوِّلْ عملَك إلى رصيدِ غدٍ لم يُفتَح لك ملفُّه.
- ٢عُدَّ سنةَ ميلادِك سنةً خرجت من رصيدِك، وراجعْ ما كُتب فيها قبل أن تُطفئ الشمعة.
- ٣إذا أفسدتَ صفحةً فافتحْ بابَ المحوِ من ساعتِك، ولا تنتظرْ ورقةً ثانيةً لا تأتي.
- ٤اجلسْ جِلسةَ الغريب: قدِّمِ اليومَ ما تقدر عليه، ولا تَبْنِ خطّتَك على بلوغِ آخرِ الوقت.
- ٥حوِّلْ ما يرجع عند البوّابةِ إلى ما يعبرها: مالًا إلى نفعٍ جارٍ في الأرض، وعلمًا إلى صدرٍ يحمله، وولدًا يرفع لك يديه.
- ٦اختمْ ليلتَك بمراجعةِ ورقةِ يومِك قبل أن تُراجَع عليك، ولا تنمْ حتى تُثبِتَ فيها سطرًا واحدًا.
يُفتتح البابُ بصرخةٍ لا باستئذان: مع النفَسِ الأوّل يُفتح ملفٌّ باسمِ صاحبِه وحدَه، وتُوضَع بين يديه صحيفةٌ بيضاءُ لا يشاركه فيها نسبٌ ولا قبيلةٌ ولا بلد؛ ورقةٌ واحدةٌ لا تُستبدَل، غير أنّ بابَ المحوِ فيها مفتوحٌ ما دام القلمُ في اليد، وميزانَها يُضاعِف الحسنةَ ولا يزيد في السيّئة. والمدّةُ مكتوبةٌ في الملفِّ غيرُ معلنة، وعقربُها ليس على الجدارِ بل في الصدر: القلبُ يدقّ والأنفاسُ تُحصى. ثمّ تأتي النهايةُ بغتةً في وسطِ كلمةٍ لم تتمّ، بلا إنذارٍ ولا تمديدٍ ولا استئناف. فإذا سُحبت الورقةُ تبِع صاحبَها أهلُه ومالُه وعملُه، فرجع اثنان وبقي واحد؛ ولم يعبر معه من الأوّلَين إلّا ما حوَّله إلى نفعٍ جارٍ، أو علمٍ انتقل من صدرٍ إلى صدر، أو ولدٍ يرفع يديه. فراجعْ ورقتَك اليومَ قبل أن تُراجَع عليك.