رأسُ الورقة: السؤالُ العامّ
# الباب الثاني: ورقةُ الأسئلة
في القاعةِ الصغرى لحظةٌ تُنسي ما قبلَها: لحظةُ نزولِ الورقةِ على الطاولة. قبلَها همسٌ ومراجعةٌ عجْلى وأصابعُ تُقلِّب صفحاتٍ لم تعُدْ تنفع، وبعدَها صمتٌ ثقيلٌ لا يكسِره إلا احتكاكُ القلمِ بالورق؛ لأنّ كلَّ جالسٍ صار في تلك اللحظةِ وحدَه، لا يشاركه في ورقتِه أحد. وفي القاعةِ الكبرى لحظةٌ تُشبهها في الصمت، وتفارقها في أنّ الورقةَ هناك ليست جديدةً على صاحبها؛ هو الذي كتبها، وإن كان لا يذكر متى.
نزولُ الورقة
يدخلُ المراقبُ والأوراقُ مضمومةٌ إلى صدرِه مقلوبةً، فتتعلّق بها العيونُ من بعيد. يمشي بين الصفوفِ صفًّا صفًّا، يضعُ على كلِّ طاولةٍ ورقةً واحدةً ووجهُها إلى الخشب، ثمّ يقفُ عند السبّورةِ ويقول: اقلبوا. فتُسمَع حَفيفةٌ واحدةٌ في القاعةِ كلِّها، ثمّ لا شيء.
ولا ورقةَ تُوزَّع هناك، لأنّ ورقةَ كلِّ أحدٍ كُتبت في الدنيا بيدِه هو وهو لا يشعرُ أنّه يكتب. يُقال له: اقرأ. فيقلِبُ الصحيفةَ فيجدُ خطَّه هو، وصوتَه هو، وأيّامَه مصفوفةً كما مرَّت لا كما يتذكّرها.
تُقَدَّمُ وَرْقَةٌ فِيهَا سُؤَالٌ
وَلَيْسَ لِمَنْ أَتَى غَيْرُ الْجَوَابِ
وَعُمْرُكَ أَيْنَ سَارَ وَأَيْنَ وَلَّى
وَعِلْمُكَ هَلْ أَقَامَ عَلَى الصَّوَابِ
وَمَالُكَ كَيْفَ يَأْتِي كَيْفَ يَمْضِي
فَلَيْسَ يَضِيعُ حَرْفٌ فِي الْحِسَابِ
وَتُسْأَلُ عَنْ قُوَاكَ وَعَنْ خُطَاكَ
وَمَا أَبْقَيْتَ مِنْ زَادِ الشَّبَابِ
أَمَانَاتٌ عَلَيْكَ وَحَقُّ جَارٍ
وَنِيَّتُكَ الْمِدَادُ عَلَى الْكِتَابِ
لكلِّ ورقةٍ في القاعةِ الصغرى رأسٌ قبل الأسئلة: الاسمُ، ورقمُ الجلوس، واسمُ اللجنة. لا درجةَ على هذا الرأس، ومع ذلك لا تُقبل ورقةٌ بغيرِه؛ لأنّه الذي ينسِبُ الإجاباتِ إلى صاحبها فلا تضيعُ في الكومة. وفي الكبرى رأسٌ من جنسٍ آخر: سؤالٌ عامٌّ يسبق التفصيل ويشمَل ما تحته كلَّه، لا يخرج منه أحدٌ ولا عمل: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾
وقبل أن يُفتَح التفصيل يكون التوقيف. وهو غيرُ وقوفِ الطالبِ عند بابِ اللجنةِ ينتظرُ أن يُؤذَن له؛ ذاك وقوفُ دقيقةٍ ثمّ يجلس، وهذا وقوفٌ يُعرَض فيه العمرُ كلُّه بندًا بندًا: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ﴾
ثمّ الديوانُ الذي تُقابَل به الإجابات. ففي القاعةِ الصغرى نموذجُ إجابةٍ في يدِ المصحِّح، ورقتان أو ثلاث، فيها ما يُنتظَر من الطالبِ لا أكثر. وفي الكبرى سجلٌّ من طبيعةٍ أخرى، لا يسقط منه اللفظُ العابر، ولا الخطوةُ التي نُسيت في يومِها: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا﴾
وفي ورقةِ القاعةِ الصغرى سطرٌ يفرح به الطلاب: «أجِبْ عن ثلاثةٍ من خمسة.» فيمرّ الطالبُ على الأسئلةِ يختار أسهلَها ويترك ما يعجزُ عنه، ولا يُنقَص من درجتِه شيء. وهذا السطرُ بعينُه هو أوّلُ ما يسقط في الكبرى: لا سؤالَ اختياريًّا هناك، ولا بندَ يُطوى لأنّ صاحبَه لم يستعِدَّ له. الورقةُ تُقرأ كلُّها، والبندُ الذي تخطّاه صاحبُه يبقى في موضعِه ينتظرُ صاحبَه.
وثمّةَ فرقٌ ثالثٌ يُدرَك بعد حين: طالبُ الصغرى يعرف عددَ أسئلتِه قبل أن يقلِب الورقة، فقد قيل له في آخرِ حصّةٍ: المطلوبُ منكم هذه الأبواب. أمّا الكبرى فأسئلتُها معلومةٌ بالنصّ ومجهولةٌ بالموعد؛ نعرف ما يُسأل عنه ولا نعرف متى يُقال: أوقِفوه.