تخطَّ إلى المحتوى

الفصل الثالث: العلمُ — فيمَ فعل

مَن يعرفُ ولا يكتب

قاعةُ الدنيا

في الصفِّ الأخيرِ طالبٌ قرأ المقرَّرَ كلَّه. يمرّ على السؤالِ الثالثِ فيبتسم؛ يعرف جوابَه حرفًا حرفًا. يقول لنفسِه: هذا سهل، أؤجِّله وأبدأ بالصعب. ثمّ يُرفَع الكرّاسُ وفي موضعِ السؤالِ بياضٌ لا يُعذَر صاحبُه فيه بأنّه كان يعرف.

القاعةُ الكبرى

والسؤالُ في الكبرى ليس: هل عرفت؟ بل: ماذا صنعتَ بما عرفت؟ فيُعرَض على صاحبِ العلمِ علمُه كما يُعرَض على ذاك بياضُه: هذا الذي علِمتَه، فأينَ أثرُه في يومٍ من أيّامِك؟

صيغتُه في القاعةِ الصغرى: «أجِبْ عمّا دَرَست.» فالورقةُ لا تسأل إلا عمّا في المقرَّر، ولا تُحاسِب طالبًا على بابٍ لم يُقرَّر عليه. وهذا وحدَه يجعل العلمَ في القاعةِ الصغرى حدًّا للمسؤوليّة: كلّما زاد ما دَرَستَ زاد ما تُسأل عنه، ومَن قرأ أكثرَ لم يُخفَّف عنه، بل وُسِّعت ورقتُه.

وصيغتُه في القاعةِ الكبرى: عن علمِك ماذا عمِلتَ به؟ فالسؤالُ لا يقف عند التحصيل، بل يجاوزه إلى الأثر. والعلمُ في هذا الميزانِ ليس زينةً تُعلَّق ولا مادّةً تُحفَظ لتُستظهَر ثمّ تُنسى، وإنّما هو عهدةٌ على صاحبِه بقدرِ ما بلغه منه.

والعلمُ في هذا البابِ ليس المقصودُ به علمَ الأوراقِ والشهاداتِ وحدَه؛ هو كلُّ ما بلغك فقامت به عليك الحجّةُ وصرتَ به عالمًا بما لم تكن تعلم. وأصغرُ ما يبلغ الإنسانَ من ذلك يدخل في ورقتِه، ولو كانت كلمةً سمعها في طريقٍ فعرف بها بابًا كان مغلقًا عليه.

وشاهدُه: البندُ الثاني من الحديثِ المتقدّم. وفي بقاءِ أثرِ العلمِ بعد انتهاءِ الوقتِ وانقطاعِ الكتابة: «إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»