الفصل الأوّل: مراقبٌ يسهو ورقيبٌ لا ينام
# الباب الثالث: المراقب
في كلِّ قاعةِ امتحانٍ رجلٌ واقفٌ في الصدر. يمشي بين الصفوفِ مشيًا بطيئًا، ثمّ يعود إلى مكتبِه فيجلس، ثمّ يقوم. هو الذي يجعلُ القاعةَ قاعةً؛ إذ لولاه لانحلَّ الامتحانُ في دقيقتَين إلى مجلسِ مذاكرة، ولصارت الورقةُ حديثًا مشتركًا بين المتجاورَين. وجودُه وحدَه — لا صوتُه — هو الذي يُقيم الصمت.
وفي القاعةِ الأخرى مراقبٌ أيضًا. غيرَ أنّه لا يمشي ولا يجلس ولا يلتفت، لأنّ الالتفاتَ حركةُ مَن كان بعضُ المكانِ خلفَ ظهره. وليس عندَه خلفٌ ولا أمام.
دخولُ المراقب
يُفتح البابُ فيدخل. عيونُ الطلبةِ كلُّها ترتفع إليه دفعةً واحدة، ثمّ تنزل إلى الأوراق. يقرأ التعليماتِ بصوتٍ رتيبٍ حفِظه من كثرةِ ترديده، ويكتب على السبّورة وقتَ البدءِ ووقتَ الانتهاء، ثمّ يقول: ابدؤوا. ومن هذه اللحظة صار في القاعةِ رجلٌ يُخشى منه.
لا بابَ يُفتح، ولا أحدَ يدخل، لأنّ الدخولَ يقتضي غيابًا سابقًا. القاعةُ الكبرى لم تخْلُ من صاحبِها لحظةً واحدةً منذ أن كُتب أوّلُ سؤالٍ فيها. والتعليماتُ لم تُقرأ على السبّورة، بل وُضعت في صدرِك قبل أن تُوضعَ في كتاب.
دَرَسْتُ مُراقِبي وَنَسيتُ دَرْسي
وَكانَ الْخَوْفُ رَهْناً بِالْعِيانِ
مُراقِبُ قاعَتي بَشَرٌ يَنامُ
وَيَخْدَعُهُ الْتِفاتٌ في الْمَكانِ
وَعَيْنٌ لا يُلِمُّ بِها نُعاسٌ
وَتَقْرَأُ ما تَوارى في الْجَنانِ
كَراريسٌ تُصَحَّحُ ثُمَّ تُطْوى
وَسِفْرٌ حافِظٌ كُلَّ الْبَيانِ
هُنالِكَ تُكْتَبُ النِّيّاتُ خَطّاً
وَإِنْ لَمْ يَجْرِ خَطٌّ بِالْبَنانِ
الذي يتعب
مراقبُ الدنيا مخلوقٌ مثلُك تمامًا: يجوع في الساعةِ الثانية، ويثقُل جفنُه بعد الثالثة، ويشغلُه عن قاعتِه همٌّ في بيته، وربّما وقف عند نافذةٍ ينظر إلى الشارع دقيقةً كاملة. وهو في هذه الدقيقةِ حاضرٌ بجسده غائبٌ بحسّه. وقد يُنادَى إلى الباب، وقد يجاذبُه زميلٌ حديثًا خافتًا في زاوية القاعة، وقد ينحني ليلتقطَ قلمًا سقط.
وطلبةُ الغشِّ لا يفوتُهم شيءٌ من هذا. هم في الحقيقةِ لا يذاكرون المادّة، بل يذاكرون المراقب: متى يمشي ومتى يقف، وأيَّ صفٍّ يُهمل، وكم يستغرقُ في الذهابِ من الجدارِ إلى الجدار. عِلمُهم كلُّه منصبٌّ على خريطةِ غفلتِه. ولو كان الرجلُ لا يغفل لبطَل هذا العلمُ كلُّه من أصله، ولم يبقَ في القاعةِ إلا مَن يعرفُ الجواب.
الذي لا يتعب
فإذا انتقلتَ إلى القاعةِ الكبرى، وجدتَ الوصفَ ينقلبُ من أصله. فليس هناك جفنٌ يثقُل ولا خاطرٌ يشغَل ولا بابٌ يُنادَى منه. وقد وصف اللهُ نفسَه بالحياةِ والقيّوميّة، ونفى عنه ما يعتري كلَّ حارسٍ في الأرض: ﴿لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ﴾. والسِّنةُ أخفُّ من النوم، وهي مبدؤه؛ فنفيُ أخفِّ الغفلتَين نفيٌ لأصلِ الغفلة. ثمّ قال في مقامِ التقوى: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ﴾.
وهنا موضعُ التنبّه: أنت لم تُنقَل من مراقبٍ ضعيفٍ إلى مراقبٍ قويّ، بل نُقلتَ من صنفٍ إلى صنف. الفرقُ بين المراقبَين ليس فرقًا في الدرجةِ حتى يُقاس، فيقال هذا أيقظُ من ذاك بمقدارٍ ما. هو فرقٌ في الجنس: ذاك حاضرٌ أحيانًا، وهذا لا يُوصف بالحضورِ أحيانًا لأنّه لم يُوصف بالغيابِ أصلًا.
الالتفاتة
ينحني المراقبُ على مكتبه ليوقّع كشفَ الغياب. ثلاثُ ثوانٍ. في هذه الثواني تتحرّك يدٌ في الصفِّ الأخير، وتنزلق ورقةٌ صغيرةٌ من كُمٍّ إلى كُمّ، ويرتفع رأسٌ ثمّ ينزل. ويستقيم الرجلُ فلا يرى إلا رؤوسًا منكبّةً على الأوراق، وقاعةً هادئةً كما تركها.
ليست في القاعةِ الكبرى ثلاثُ ثوانٍ. الورقةُ التي انزلقت من كُمٍّ إلى كُمّ لم تُرَ من فوقِ الرؤوس، وإنّما رُئيت من داخلِ الصدرِ الذي دبّرها قبل أن تصلَ اليدُ إلى الكُمّ. سُجّلت في مرحلةِ التفكيرِ لا في مرحلةِ التنفيذ.
والفارقُ الأدقّ: ما الذي يُرى
قد يظنُّ الطالبُ أنّ المسألةَ مسألةُ قدرةٍ فحسب: مراقبٌ عينُه ضعيفةٌ ومراقبٌ عينُه قويّة. وليست كذلك. المسألةُ في متعلَّقِ النظر، أي في الشيءِ الذي يقع عليه.
مراقبُ الدنيا لا يرى منك إلا الجسد: يدًا امتدّت، وعينًا مالت، وشفةً تحرّكت. ولذلك يستوي عنده مَن كتب الجوابَ من حفظِه ومَن كتبه من ورقةٍ لم يرَها الرجل. وهو لا يملك غيرَ هذا؛ فإنّ أقصى ما يبلغُه المخلوقُ من أخيه ظاهرُه.
أمّا في القاعةِ الكبرى فالمنظورُ إليه هو الباعث: لماذا كتبتَ لا ماذا كتبت. وقد أخبر سبحانه عن قربٍ لا يُقاس بالمسافات: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾. ثمّ ذكر ما هو أدقُّ من الفعلِ نفسِه، فذكر النظرةَ التي يسترقُها صاحبُها فلا يفطنُ لها جليسُه، وذكر ما تُخفيه الصدور: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ﴾. وتأمّل: النظرةُ المسروقةُ في قاعةِ الامتحانِ هي بعينِها المثالُ الذي تفهم به هذه الآية، فإنّها إنّما وُصفت بالخيانةِ لأنّها تمرُّ بين طرفةٍ وطرفةٍ فلا يُمسك بها أحد.
وفي هذا المعنى جاء عن النبيِّ ﷺ ما يُحدّد وجهةَ النظرِ تحديدًا: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم». وجاء ما يجعل النيّةَ أصلَ العملِ لا زينتَه: «إنَّما الأعمالُ بالنيّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى».
وثمّ ثمرةٌ عمليّةٌ لهذا الفارق. فإنّ الطالبَ الذي لا يعرف إلا مراقبَ الدنيا يصرف جهدَه إلى الهيئة: أن يبدوَ منكبًّا، وأن يبدوَ واثقًا، وأن يبدوَ بريئًا. وهذه كلُّها أعمالٌ موجّهةٌ إلى عينٍ واحدة. فإذا غابت العينُ سقط العملُ لأنّه لم يكن قائمًا إلا بها. وهذا هو بابُ الرياءِ بعينه: عملٌ صحيحُ الظاهرِ خاوي الباعث، يُصنع للنظّارةِ ثمّ ينفضُّ النظّارةُ فيبقى صاحبُه بلا شيء.
أمّا مَن استحضر القاعةَ الكبرى فإنّ عملَه لا يتغيّر بدخولِ أحدٍ ولا بخروجه، لأنّ العينَ التي يعمل لها لا تدخل ولا تخرج. ولذلك تراه في الخلوةِ كما تراه في الجمع، وفي الصفِّ الأخيرِ كما في الصفِّ الأوّل. وهذا الثباتُ ليس قوّةَ إرادةٍ فحسب، بل هو أثرٌ من أثرِ العلم: مَن أيقن أنّه منظورٌ إليه دائمًا استوت عنده الأحوال، فلم يبقَ للتمثيلِ معنى ولا للتظاهرِ ربح.
وهو مع ذلك لا يعيش مذعورًا. فإنّ من تمامِ الصورةِ أنّ هذه العينَ نفسَها التي ترى زلّتَك في السرِّ هي التي ترى صبرَك في السرّ، وترى الكلمةَ الطيّبةَ التي قلتَها ولم يسمعْها أحد، وترى الحقَّ الذي رددتَه إلى صاحبه في ظلمةٍ لا شاهدَ فيها. فالإحاطةُ التي تُخيف المستهترَ هي بعينِها التي تُطمئن المجتهد؛ إذ ليس في القاعةِ الكبرى عملٌ يضيع لأنّ أحدًا لم يرَه.
| مراقبُ القاعةِ الصغرى | رقيبُ القاعةِ الكبرى |
|---|---|
| يرى الحركةَ بعد وقوعها | يعلم الباعثَ قبل وقوعها |
| ينظر إلى الورقة | ينظر إلى القلب |
| يُخدَع بالهيئةِ والانكبابِ على الجواب | لا تدخل عليه هيئة |
| يغيب عن زاويةٍ ليحضرَ في زاوية | لا يخلو منه موضع |
| قد يسهو فيقع الظلمُ من حيث لا يريد | لا يقع منه ظلم |
وبينَ الفصلَين رابطةٌ ينبغي ألّا تفوت. فإنّ الكلامَ على الرقيبِ كلامٌ على مَن يرى، والكلامَ على الصحيفةِ كلامٌ على ما يُحفظ. والرؤيةُ بلا حفظٍ لا يُبنى عليها حساب، والحفظُ بلا رؤيةٍ لا يُوثَق به. فإذا اجتمع العلمُ التامُّ والتدوينُ التامُّ استقام الميزان.