Skip to content

الفصل الأول: المجتهد

# الباب الرابع: أربعةُ طلاب

أربعةُ مقاعدَ في صفٍّ واحد، وورقةُ أسئلةٍ واحدة، وساعةٌ معلَّقةٌ فوق السبّورة تدقُّ للأربعة دقّةً واحدة. الأسئلةُ لا تتغيّر باختلاف الجالسين، والزمنُ لا يُبطئ لواحدٍ ولا يُسرع لآخر. ومع ذلك، حين يُرفع الجرسُ وتُجمع الأوراق، تخرج أربعُ أوراقٍ لا تشبه إحداها الأخرى. والفرقُ ليس في الامتحان؛ الفرقُ في ما صنعه كلُّ واحدٍ منهم بالدقيقة التي مرّت عليهم جميعًا.

وقد جُعل هذا البابُ أربعةَ فصول، وفي كلِّ فصلٍ طالبٌ له اسمٌ وحركةٌ وورقة. وليست الأسماءُ لأشخاصٍ بأعيانهم، وإنّما هي مسامٍ نتنفّس بها المعنى؛ فإنّ الحالَ إذا صارت رجلًا يمشي ويجلس ويرفع رأسَه، رآها القارئُ في نفسه قبل أن يراها في غيره.

أربعةٌ في صفٍّ واحد

The hall you see

المراقبُ يمشي بين الصفوف، وحذاؤه يُحدث على البلاط صوتًا رتيبًا. الأوّلُ منكبٌّ على ورقته لا يرفع رأسه إلا ليقرأ السؤال التالي. والثاني يفرك عينيه المحمرّتين؛ فقد سهر البارحة في غير المذاكرة. والثالث يلتفت يمنةً ويسرة، عينُه على ورقة جاره لا على ورقته. والرابع يجلس أمام ورقةٍ بيضاء، وقد بقي على الجرس دقائق.

The greater hall

القاعةُ الكبرى لا جدرانَ لها، والصفوفُ فيها أعمار. الأوّلُ يُنفق يومَه وهو يعرف فيمَ أنفقه. والثاني عمِل دهرًا ثمّ فتَر عند المنعطف الأخير. والثالث يحسب أنّ الرقيبَ يغفل كما يغفل مراقبُ المدرسة. والرابع رفع رأسه أخيرًا، وفي العمر بقيّة، والبابُ لم يُغلق بعد.

هُنا وَرَقٌ وَصَمْتٌ مِنْ رُخامِ

وَأَرْبَعَةٌ تَسيرُ إِلَى الخِتامِ

فَأَوَّلُهُمْ طَوَى لَيْلاً ثَقيلاً

فَأَصْبَحَ حِينَ يُسْأَلُ كَالحُسامِ

وَثانِيهِمْ يَقولُ غَداً أُوَفِّي

فَنامَ وَلَمْ يَنَلْ غَيْرَ الكَلامِ

وَثالِثُهُمْ يَمُدُّ الطَّرْفَ سِرّاً

وَيَحْسَبُ كُلَّ عَيْنٍ في الظَّلامِ

وَرابِعُهُمْ أَفاقَ عَلَى الرَّنِينِ

فَخَطَّ وَأَدْرَكَتْهُ يَدُ التَّمامِ

«سالم» طالبٌ لا يُلفت النظر. يدخل القاعةَ قبل الجرس، فيضع قلمين لا قلمًا واحدًا، ويقرأ التعليماتِ المطبوعةَ في رأس الورقة قبل أن يقرأ السؤالَ الأوّل. ثمّ يفعل شيئًا يظنّه الناسُ ترفًا: يقسم الوقتَ على الأسئلة بالقلم في هامش الورقة، فيعرف متى ينتقل ومتى يقف. هو لم يدخل ليجلس، ولا ليتأمّل لونَ الجدران وترتيبَ المقاعد وجودةَ الإضاءة؛ دخل ليكتب.

ربعُ الساعةِ الأوّل

The hall you see

سالمٌ يقرأ الورقةَ كلَّها قبل أن يكتب حرفًا، ثمّ يضع علامةً صغيرةً أمام ما يعرفه وأخرى أمام ما يحتاج فيه إلى وقت. جارُه يستغرب: أضاع ربعَ ساعةٍ ولم يكتب سطرًا. ثمّ يمضي الوقتُ فيسبقه سالمٌ بصفحتين؛ لأنّه لم يكتب حتى عرف أين يذهب.

The greater hall

ومَن عرف لماذا خُلق، عرف كيف ينفق يومَه. والقاعةُ الكبرى لا تُكافئ كثرةَ الحركة، بل صوابَ الاتّجاه؛ فخطوةٌ واحدةٌ إلى الباب أقربُ من ركضٍ طويلٍ في دائرة.

وأوّلُ ما فقهه سالمٌ أنّ الامتحان له منهجٌ مقرَّر، وأنّ الاجتهادَ خارج المنهج تعبٌ لا يُثاب عليه بدرجة. المنهجُ في القاعة الكبرى كتابُ الله وهديُ رسوله ﷺ، وقد قال ﷺ في خطبته: «أمَّا بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدى هدى محمّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة». فمن ذاكر من كتابٍ آخر ثمّ جاء يوم الامتحان بجوابٍ لم يُسأل عنه، فقد أتعب نفسه في غير موضع.

النيّةُ تُحوّل المباح

ثمّ عرف سالمٌ سرًّا يضاعف به ساعاتِه دون أن يزيد في اليوم دقيقة: أنّ الفعلَ الواحد يُوزن بما وراءه. الأكلُ أكلٌ، والنومُ نوم، والسعيُ على العيال سعي؛ فإذا مرّت عليها نيّةٌ صالحة تحوّلت في ورقته من فراغٍ إلى سطر. وفي هذا يقول ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنيّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى». فالمجتهدُ لا يعيش عمرين، لكنّه يستخرج من العمر الواحد ما لا يستخرجه غيره؛ لأنّ الميزانَ الذي يُوزن به ليس ميزانَ الأعين: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم».

ومن كرم رئيس اللجنة في القاعة الكبرى أنّ الاحتسابَ يُكتب قبل الكتابة. الطالبُ الذي عزم على الجواب فحال بينه وبينه عائق، لا يخرج صفرَ اليدين؛ ولا مثيلَ لهذا في لجان الدنيا، حيث لا يُحسب إلا الحبرُ على الورق. قال ﷺ: «إنَّ اللهَ كتبَ الحسناتِ والسيّئاتِ ثمَّ بيَّن ذلك: فمَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعمِلها كتبها اللهُ له عشرَ حسناتٍ إلى سبعِمئةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. ومَن همَّ بسيّئةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعمِلها كتبها اللهُ له سيّئةً واحدة». وفي هذا الميزان يستوي عند المجتهد الرخاءُ والشدّة؛ إن أُعطي شكر، وإن مُنع صبر، وفي الحالين يزيد سطرًا: «عجبًا لأمرِ المؤمن! إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابتْه سرّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضرّاءُ صبَر فكان خيرًا له».

جلسةُ الغريب

وله في القاعة جِلسةٌ تُعرف: جِلسةُ من يعلم أنّه ماضٍ. لا يعلّق على المقعد صورًا، ولا يجعل من الطاولة بيتًا. قال ﷺ: «كنْ في الدنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل». والغريبُ لا يكره القاعةَ، لكنّه لا ينسى أنّ له بابًا سيخرج منه؛ ولذلك لا يؤجّل عملَ اليوم إلى غد، فليس في يده من الغد شيء.

وقد وصف ﷺ إقامتَه في هذه القاعة بأصدق ما يوصف به عابرُ سبيل: «ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ ثمَّ راحَ وتركَها». فمن نزل هذا المنزل لم تُوجعه ضِيقةُ المقعد ولا خشونةُ الخشب؛ لأنّه يعلم أنّ الغرفةَ ليست داره: «الدنيا سِجنُ المؤمن، وجنّةُ الكافر».

وأعجبُ ما في سالمٍ أنّه، مع طول جِدّه، لا يطمئنّ إلى ما كتب. كلّما ملأ سطرًا خاف أن يكون قد أخطأ في سطرٍ قبله، فيراجع. هذه المراجعةُ الدائمة هي التي وصفها ﷺ حين قال: «الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على الله». وقال عمرُ بن الخطاب: «حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أن تُحاسَبوا، وتَزيَّنوا للعَرضِ الأكبر، وإنَّما يخِفُّ الحسابُ يومَ القيامةِ على مَن حاسبَ نفسَه في الدنيا». ومن حاسب ورقتَه قبل أن تُسحب منه، لم يفجأه ما فيها حين تُقرأ.

وثمرةُ هذا كلِّه ليست نجاحًا عابرًا يُعلَّق على جدار. المجتهدُ يخرج من القاعة وقد ترك خلفه ما يظلّ يكتب في ورقته بعد خروجه، كما قال ﷺ: «إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». وفي مقابله خسارةٌ لا تُشبه خسارةَ الدرجات: ﴿فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾.