تخطَّ إلى المحتوى

الفصل الرابع: المستفيقُ في الدقائق الأخيرة

«غانم» جلس معظمَ الوقت وورقتُه بيضاء. لم يكن يلهو تمامًا، ولم يكن يكتب؛ كان يفكّر في أنّ الأمر انتهى، وأنّ من ضيّع أوّلَ الوقت لا معنى لأن يبدأ في آخره. وهذه هي الفكرةُ التي تُتلف أكثرَ الأوراق: ليست فكرةَ «لن أنجح»، بل فكرةَ «فات الأوان». ثمّ رفع رأسه ونظر إلى الساعة، فوجد أنّ فيها بقيّةً. فسحب الورقةَ إليه وبدأ.

الدقائقُ الأخيرة

قاعةُ الدنيا

في لجان الدنيا، إذا دقّ الجرسُ سُحبت الأوراقُ ولو كان القلمُ في وسط الكلمة. لا يُقبل اعتذار، ولا ينفع بكاءٌ عند الباب، ولا يملك المراقبُ أن يهب دقيقةً واحدة من عنده؛ فهو موظّفٌ يطبّق تعليماتٍ كُتبت له، لا يزيد فيها ولا ينقص.

القاعةُ الكبرى

أمّا القاعةُ الكبرى فرئيسُ لجنتها هو الذي كتب التعليمات، ووسِعت رحمتُه كلَّ شيء. فيها بابٌ مفتوحٌ في الجدار لا يُغلق ما دام في العمر بقيّة، مكتوبٌ عليه: التوبة. ومن دخله لم يُسحب منه القلم، بل أُعطي ورقةً جديدة. قال ﷺ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبسطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسطُ يدَه بالنهارِ ليتوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها»

وأصرحُ ما في هذا الباب نداءٌ في التنزيل موجَّهٌ إلى الذين أسرفوا، لا إلى الذين أحسنوا؛ ينهاهم عن القنوط قبل أن يأمرهم بشيء: ﴿۞ قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾

رجلٌ حسب أنّ بابَه أُغلق

وفي صحيح مسلم خبرٌ عن رجلٍ ممّن قبلنا، بلغ في الجُرم مبلغًا لا يظنّ صاحبُه أنّ له مخرجًا. سأل أعلمَ أهل الأرض في زعم من دلّه، فأفتاه بالقنوط، فزاده الجوابُ جُرمًا. ثمّ سأل عالمًا، فلم يُغلق في وجهه بابًا، بل دلّه على الطريق وعلى الأرض التي يبدأ فيها من جديد. فخرج، فأدركه الموتُ في نصف الطريق: «كان فيمَن كان قبلَكم رجلٌ قتلَ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فسألَ عن أعلمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنَّه قتلَ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتلَه فكمَّل به مئة. ثمَّ سألَ عن أعلمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عالم، فقال: إنَّه قتلَ مئةَ نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومَن يحولُ بينَه وبينَ التوبة؟ انطلقْ إلى أرضِ كذا وكذا، فإنَّ بها أُناسًا يعبدونَ اللهَ فاعبدِ اللهَ معهم، ولا ترجعْ إلى أرضِك فإنَّها أرضُ سوء. فانطلقَ حتى إذا نصَفَ الطريقَ أتاه الموت»

وفي الخبر وقفتان يغفل عنهما كثيرٌ من قارئيه:

  • الأولى: أنّ الذي قنّط الرجلَ من الرحمة كان أوّلَ من ذهب ضحيّةَ تقنيطه؛ صار العددُ به تمامًا. فالكلمةُ التي تُغلق البابَ ليست كلمةً هيّنة، ولا يقولها من يعرف مقدارَ ما يغلق.
  • والثانية: أنّ الرجلَ لم يُمهل حتى يبلغ الأرضَ الصالحة ويُتمّ عملًا يُرى؛ أدركه الموتُ وهو في الطريق. ومع ذلك حُسب له خروجُه. فالمعتبَرُ أنّه قام من مقعده واتّجه، لا أنّه وصل.

على أنّ هذا البابَ المفتوح ليس بابًا بلا عتبة. والمهلةُ التي وسِعت قاتلَ المئة لها في التنزيل حدٌّ مذكور: توبةٌ تُقبل ممّن عمل السوءَ ثمّ تاب من قريب، وتوبةٌ لا يُنتفع بها حين يحضر الموتُ ويُعاين الرجلُ ما كان يُكذّب به: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ۝ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا﴾ فالرحمةُ واسعة، والوقتُ ضيّق. وهذان لا يتناقضان؛ بل هما وجهانِ لحقيقةٍ واحدة: أنّ البابَ مفتوحٌ الآن، وأنّ «الآن» لا يدوم.

كيف يبدأ من بقي له قليل

والذي أفاق متأخّرًا لا يُصلح ورقتَه بالحسرة على الوقت الذي مضى؛ فالحسرةُ نفسُها تأكل من الباقي. إنّما يبدأ من السؤال الذي بين يديه الآن. ولعلّ أوّلَ ما يصنعه أن يترك الأرضَ التي كانت تُغريه بالغفلة، كما دُلّ ذلك الرجلُ على أرضٍ غيرِ أرضه؛ فإنّ المكانَ والصحبةَ يكتبان في الورقة من حيث لا يشعر صاحبُها. ثمّ يكتب سطرًا واحدًا، ثمّ الذي يليه. والقاعةُ الكبرى لا تُحاسب على سرعة القلم، وإنّما على أن يظلّ يكتب.

وليس في هذا تهوينٌ لأمر التأخير. الذي بدأ من أوّل الوقت أوسعُ صدرًا وأقلُّ خطرًا، والذي انتظر إلى الدقائق الأخيرة قامر بما لا يملك؛ فليس أحدٌ يعلم كم بقي في ساعته. لكنّ الفرقَ بين من بقي له قليلٌ فكتب، ومن بقي له قليلٌ فاستسلم، هو الفرقُ بين ورقةٍ فيها سطرٌ وورقةٍ ليس فيها شيء.

الطالبحركتُه في القاعةما على ورقته حين رُفع الجرس
سالمقسّم الوقتَ وبدأ من أوّلهسطورٌ إلى آخر الصفحة، ومراجعةٌ بعدها
راشدأجاد طويلًا ثمّ نام في الليلة الأخيرةجوابٌ بدأ جيّدًا وانتهى إلى بياض
وضّاحراقب المراقبَ ولم يقرأ السؤالسطورٌ ليست منه، ووقتٌ ذهب في التدبير
غانمأفاق والوقتُ قليل فبدأخطٌّ متعجّلٌ صادق، والقلمُ يجري إلى آخر لحظة

وليست هذه الأربعةُ أربعةَ أشخاصٍ بقدر ما هي أربعةُ أحوالٍ يتقلّب فيها الشخصُ الواحد. قد تصحو صباحًا وأنت سالم، وتمسي وأنت راشد؛ وقد تمرّ بك ساعةٌ أنت فيها وضّاح، ثمّ تُدرك في آخر الليل أنّك غانم. والقاعةُ لا تسأل عن الحال التي كنتَ عليها في وسط الساعة، بل عن الحال التي رُفعت ورقتُك وأنت عليها. وأمّا الجرسُ فليس بيدك، وأمّا القلمُ فبيدك.

حين تُجمع الأوراق

قاعةُ الدنيا

يدٌ تمرّ على الصفوف فتلتقط الأوراقَ واحدةً واحدة، ويقوم الطلابُ فتختلط أصواتُهم عند الباب: مَن يضحك، ومَن يصمت، ومَن يسأل جارَه عن السؤال الأخير. والقاعةُ التي كانت كلَّ شيءٍ قبل دقيقةٍ صارت غرفةً فارغةً بمقاعدَ مصفوفة.

القاعةُ الكبرى

وتُطوى الصحفُ فلا يُزاد فيها حرف، ويخرج الأربعةُ من الغرفة الصغرى إلى الكبرى، ولا يصحب أحدَهم إلا ما كتب. أهلُه يشيّعونه إلى الباب ثمّ يرجعون، ومالُه يبقى في الغرفة لمن يأتي بعده، وعملُه وحده يجلس معه في المقعد التالي.

خريطةُ الباب
السؤالأربعةٌ تساوَوا في القاعة والوقت ورأسِ الورقة، فلمَ اختلفت أوراقُهم حين رُفعت؟
المسار١مجتهدٌ يقسّم وقتَه ويلزم المنهجَ ويُمرّر النيّةَ على مباحه ويحاسب قبل أن يُحاسَب٢مُجيدٌ طويلًا يقول لنفسه «يكفي» فيسترخي في الليلة الأخيرة٣مستهترٌ يقيس زوايا الغفلة ويسوّف بـ«بعدين» حتى تُمدَّ يدٌ إلى ورقته٤مستفيقٌ يطرح «فات الأوان» فيبدأ بالسطر الذي بين يديه
القاعتانقلمان وخطّةُ وقتٍ في الهامش، ومنبّهٌ أُسكت بيدٍ نصفِ نائمة، وورقةٌ مطويّةٌ وزاويةٌ محسوبة، وجرسٌ يُسحب عنده القلمُ ولو في وسط الكلمةعمرٌ يُقسَم على منهجٍ مقرَّر، ونيّةٌ تُحوّل المباحَ سطرًا، وأجلٌ يأتي في غير موعدٍ يُنتظر، وعلمٌ لا صفَّ أخيرَ فيه ولا ليلَ يستر، وبابٌ لا يُغلق ما دام في العمر بقيّة
الشواهدالزمر ١٥ · الأنعام ٣١–٣٢ · الزمر ٥٦ · النساء ١٠٨ · المطففين ١–٦ · الزمر ٥٣ · النساء ١٧–١٨ · صحيح البخاري ١ · صحيح البخاري ٦٤١٦ · صحيح البخاري ٦٥١٤ · جامع الترمذي ٢٤١٧ · صحيح مسلم ٢٧٦٦
المآلليست الأربعةُ أربعةَ أشخاص، بل أربعةَ أحوالٍ يتقلّب فيها الواحد؛ والعبرةُ بالحال التي رُفعت ورقتُك وأنت عليها.
الدروسُ المستفادة
  1. ١اقرأِ التعليماتِ أوّلًا، وقسّمْ ساعاتِ يومك على أهمّ ما سُئلتَ عنه قبل أن تخطّ حرفًا.
  2. ٢مرِّرْ نيّةً صالحةً على مباحِ يومك؛ فالأكلُ والنومُ والسعيُ على أهلك تُكتب سطورًا بما وراءها.
  3. ٣اقطعْ من لسانك كلمتين: «يكفي» و«بعدين»؛ فكلتاهما تضع القلمَ من يدك وأنت تحسبه في يدك.
  4. ٤سوِّ بين سرّك وعلنك، ورُدَّ الأمانةَ اليومَ، وزِنْ بميزانٍ واحدٍ حين تأخذ وحين تعطي.
  5. ٥حاسبْ ورقتَك كلَّ ليلةٍ قبل أن تُسحب، وقِسْ نفسَك بالوقت الباقي لا بالشهور التي مضت.
  6. ٦إن أفقتَ متأخّرًا فاكتبْ سطرًا واحدًا الآن ولا تُنفقِ الباقيَ في الحسرة، ولا تُغلقْ بابًا في وجه من أفاق بعدك.
الخلاصة

أربعةٌ جلسوا في صفٍّ واحدٍ فخرجوا بأربعِ أوراق. سالمٌ قرأ التعليماتِ وقسّم الوقت، ولزم المنهجَ المقرَّر، ومرّر النيّةَ على مباحِ يومه فصار سطورًا، ونزل منزلَ الغريب، وحاسب ورقتَه قبل أن تُسحب. وراشدٌ أجاد عامَه كلَّه ثمّ قال: يكفي، فقاس نفسَه بما مضى لا بما بقي، فنام والجرسُ قريب. ووضّاحٌ قاس زوايا الغفلة، وقاس الرقيبَ على مراقبٍ يغيب، وأنفق وقتَه في انتظار الغد حتى مُدّت يدٌ إلى ورقته. وغانمٌ صدّق أنّ الأوانَ فات، ثمّ رأى في الساعة بقيّةً فبدأ؛ والبابُ مفتوحٌ ما دام في العمر نفَس، غير أنّ له عتبة. وليست هذه أربعةَ أشخاصٍ بقدر ما هي أربعةُ أحوالٍ في الرجل الواحد؛ فالجرسُ ليس بيدك، والقلمُ بيدك.