الفصل الثاني: ورقةُ الطغيان وورقةُ الاستفاقة
ثالثًا: فرعون — رسب في السرّاء، ثمّ أُعيدت له الورقةُ فرسب في الضرّاء
قارونُ رسب في سؤال. وفرعونُ رسب في الورقة كلِّها، ثمّ في الورقة البديلة، ثمّ في الدقيقة الأخيرة.
أمّا رسوبُه الأوّل فكان في السرّاء. أُعطي مُلكًا وأنهارًا تجري من تحته وجنودًا وهيبةً في الصدور، فلم يقل ما قاله سليمان، ولم يقل حتى ما قاله قارون. فقارونُ نسبَ الفضلَ إلى نفسه، وأمّا فرعونُ فترقّى في الرسوب درجةً فوق ذلك: جمع الناسَ ونادى فيهم بما لا يقوله عاقل:
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ
وهذا أقصى ما يبلغه طالبٌ في الغرور: لا أن يغشّ، ولا أن يمزّق ورقتَه، بل أن يقف على المنصّة ويُعلن أنّه هو الذي وضع الأسئلة.
ثمّ فُتح له بابٌ ثانٍ. فإذا لم ينفع لسانُ النعمة جاء لسانٌ آخر؛ فأُخذ قومُه بالجدب وقلّة الثمر، عامًا بعد عام، لا استئصالًا بل تذكيرًا:
وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
فالشدّةُ هنا ليست خاتمةَ الحساب، إنّها قرعُ الجرس في منتصف الوقت. والقلبُ الحيّ يستيقظ على القرع فيراجع ورقتَه. أمّا هو فقرأ الشدّةَ قراءةً معكوسة: تطيَّر بموسى ومن معه، وجعل البلاءَ حجّةً على المُنذِر لا على نفسه. فرسب في الضرّاء كما رسب في السرّاء، وبالسبب نفسِه: لم يعترف بأنّ فوقه أحدًا.
ثمّ كانت الدقيقةُ الأخيرة. الماءُ ينطبق، والجندُ خلفه، والطريقُ الذي عبر منه غيرُه قد أُغلق. وهناك، حين لم يبقَ أمامه خيار، نطق أخيرًا بما لم ينطق به عمرَه كلَّه. فجاء الجوابُ من فوقه لا يزيد على كلمةٍ واحدةٍ وتذكيرٍ بما مضى:
۞ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ
وهذه من أقسى الجُمل في أرشيف القاعة. لا لأنّها ردّت الإيمان، بل لأنّها ردّت التوقيت. الكلامُ نفسُه لو قيل قبل ساعةٍ لَقُبِل، فلمّا قيل وقد أُطبقت اليدُ على الورقة صار حبرًا لا يُصحَّح.
وبين رسوبَيه درسٌ لكلِّ جالسٍ في القاعة: أنّ الذي لا يُوقِظه الإحسانُ قلَّ أن يوقظه الحرمان. فالمشكلةُ لم تكن في نوع الورقة الموزَّعة، بل في يدٍ تكتب الجوابَ نفسَه مهما تبدّل السؤال. ولو أُعطي فرعونُ عشرَ أوراقٍ متتابعة، لكتب في أسفل كلِّ واحدةٍ منها اسمَه.
الذي ادّعى أنّه صاحبُ القاعة
طالبٌ في المقعد الأمامي يتصرّف كأنّ المدرسة له: يرفع صوتَه على من حوله، ويسحب أوراقَ غيره، ويقول للمراقب إنّ الوقت يُحسب بساعته هو. مرّ التنبيهُ الأوّل فلم يلتفت، ومرّ الثاني فضحك، وحين قال المراقب: أقلامٌ إلى أعلى، صرخ: انتظر، سأكتب الآن. وكانت الكفُّ قد أطبقت على الورقة.
وفي القاعة الكبرى لا يُمَدُّ الوقتُ بصراخٍ ولا برجاءٍ متأخّر. والبابُ الذي قيل لك إنّه مفتوحٌ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها هو نفسُه البابُ الذي يُغلق حين يبلغ الماءُ الحلقوم. والذي فتحه هو الذي حدَّ له وقتًا.
«إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبسطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسطُ يدَه بالنهارِ ليتوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها»
رابعًا: سحرةُ فرعون — إفاقةٌ في الدقائق الأخيرة، وأغلى ثمنٍ في هذا الكتاب
وفي القاعة نفسِها، وتحت المراقب المزيّف نفسِه، وفي اليوم نفسِه، جلس نفرٌ دخلوا على أسوأ نيّة. جاؤوا ليغلبوا الحقَّ بالحيلة، وساوموا على الأجر قبل أن يبدؤوا، ووُعدوا بالقرب من الطاغية. هذا هو أوّلُ سطرٍ في أوراقهم، ولم يُخفِه القرآنُ عنهم.
ثمّ وقعت اللحظةُ التي جعلت قصّتَهم أرجى قصّةٍ في هذه القاعة. رأوا الآيةَ فعرفوها. عرفها أهلُ الصنعة قبل غيرهم؛ لأنّهم أدرى الناس بحدود صنعتهم، ويعلمون أين ينتهي ما تصنعه الأيدي وأين يبدأ ما ليس من جنسه. فوقعوا سُجّدًا في المكان الذي كان قبل لحظاتٍ مسرحَ حيلتهم، وأعلنوا إيمانهم بربٍّ لم يكن في حسابهم حين دخلوا:
قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ
وهنا انقلب المشهد. المراقبُ المزيّف يرى أوراقَه تُمزَّق أمام الناس، فيهدّد بأقصى ما يملك: تقطيعُ الأيدي والأرجل من خلاف، والصلبُ على الجذوع. وهو تهديدٌ جادّ لا مناورة؛ رجلٌ يملك التنفيذ ولا يتردّد فيه.
فكان جوابُهم من أعجب ما نطق به بشرٌ حديثُ عهدٍ بالإيمان، لم يمضِ على إسلامه ساعةٌ من نهار:
قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ
ثمّ زادوا في موضعٍ آخر تصريحًا بما يبتغون من هذه الصفقة:
قَالُوا۟ لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
فتأمّل ما جرى في تلك الدقائق. رجالٌ دخلوا يساومون على أجرٍ زائل، فخرجوا وقد ساوموا على شيءٍ آخر تمامًا: قبِلوا أن تُقطَّع أطرافُهم وأن تُرفع أجسادُهم على الجذوع، في مقابل أن يُغفَر لهم أوّلُ سطرٍ في أوراقهم. لم يسألوا النجاةَ من العذاب الحاضر، سألوا محوَ ما مضى. وهذا أغلى ثمنٍ دُفع في هذا الكتاب: لا مالٌ ولا جاهٌ ولا وقت، بل أجسادٌ كاملة، دُفعت في ساعةٍ واحدة، عن يقينٍ عمرُه دقائق.
ولم يسألوا مهلةً ولا تخفيفًا، ولا قالوا: أمهلْنا حتى ننصرف ثمّ نؤمن سرًّا. أعلنوا في المكان الذي أخطؤوا فيه، وأمام الجمع الذي أخطؤوا أمامه، وهذا وحده بابٌ من أبواب التصحيح: أن يُردَّ الحقُّ من حيث سُلب.
ولهذا صاروا حجّةً على كلِّ من قال: فات الأوان، وطال السطرُ الأسود، وما بقي في الوقت متّسع. وهم وفرعونُ في المشهد نفسِه، يقيمان الحدَّ بدقّة: الفارقُ بين المقبول والمردود ليس مقدارَ ما مضى من السواد، بل موضعَ التوبة من الجرس.
الذين مزّقوا أوراقَ الغشّ
دخلوا القاعة وفي أكمامهم قصاصاتٌ صغيرةٌ مكتوبةٌ بخطٍّ دقيق، وقد اتّفقوا على جائزةٍ يقتسمونها. ولمّا وُزّعت الأسئلة، قرأ أحدُهم السؤال الأوّل فتغيّر وجهُه، ونظر إلى من بجانبه نظرةً فُهمت بلا كلام. أخرجوا القصاصات ومزّقوها فوق الطاولة، ورفعوا أيديهم: نريد أوراقًا جديدة. ووقف في آخر القاعة من يهدّدهم بالحرمان والفصل، والوقتُ يعدّ أنفاسَه الأخيرة. كتبوا.
وفي القاعة الكبرى تُقرأ أوراقُهم بأسمائها: دخلوا سحرةً وخرجوا شهداء. يُمحى أوّلُ السطر ويُثبَت آخرُه. والذي هدّدهم في الدنيا يُساق بعدهم إلى موقفٍ لا يملك فيه لنفسه شيئًا، فضلًا عن أن يملك لهم.
| الطالب | ورقتُه | جوابُه عن سؤال الفضل | التوقيت | النتيجة |
|---|---|---|---|---|
| سليمان عليه السلام | مُلكٌ وتسخيرٌ ومال | ردَّ الفضلَ إلى ربّه وسمّى النعمةَ ابتلاءً | من أوّل لحظة | نجاحٌ في السرّاء |
| قارون | كنوزٌ ومفاتحُ ثقيلة | نسبَ العطاءَ إلى علمٍ عنده | لم يُجب بعد التنبيه | خُسف به وبداره |
| فرعون | سلطانٌ ثمّ قحطٌ ونقصُ ثمرات | ادّعى الرُّبوبيّة لنفسه | نطق بعد رفع الورقة | رُدَّ عليه قولُه |
| سحرةُ فرعون | حِرفةٌ وأجرٌ موعود | آثروا البيّناتِ على الطاغية | قبل الجرس بدقائق | نجاةٌ بأغلى ثمن |