أوّلًا: ما دام النفَسُ يتردّد فالوقتُ باقٍ
# الباب السابع: هل ثمّ فرصةٌ ثانية؟
في منتصفِ الوقتِ يرفعُ طالبٌ يدَه، لا ليسألَ عن معنى كلمةٍ في الورقة، بل ليقول: أخطأتُ في الصفحةِ الأولى، أتأذنُ لي أن أشطُبَ وأُعيد؟ فينظرُ المراقبُ إلى الساعةِ ثمّ يقول: اكتبْ، ما زال في الوقتِ بقيّة. وهذا السؤالُ بعينِه، بلفظِه وبرجفةِ اليدِ التي رفعتْه، هو أكثرُ ما يتردّدُ في جنباتِ القاعةِ الكبرى: هل يملكُ الإنسانُ فرصةً ثانية؟ والجوابُ عنه ذو حدَّين فاصلين: حدٌّ يفتحُ البابَ على مصراعيه فلا يُغلَق، وحدٌّ يُغلقُه فلا يُفتَح.
اليدُ المرفوعة
يدٌ ترتفعُ في الصفِّ الثالث، وصوتٌ خافتٌ يطلبُ ورقةً بيضاءَ بدلَ التي أفسدَها. يمشي المراقبُ بين المقاعد، يضعُ الورقةَ الجديدةَ أمامه، ويأخذُ القديمةَ فيطويها. لم يخسرْ صاحبُها شيئًا سوى دقائقَ من وقتِه، وبقيَ له من الزمنِ ما يكفي.
عبدٌ يرفعُ كفَّيه في ثلثِ الليلِ الآخِر، يستغفرُ لسنواتٍ يعرفُ هو وحدَه ما فيها. والبابُ الذي يطرقُه لم يكن مُوصدًا قطُّ؛ بل هو مفتوحٌ، ومن داخلِه يُنادى عليه. ولا تُطوى صحيفتُه فحسب، بل يُبدَّلُ ما فيها.
سَلِ الْأَنْفَاسَ كَمْ تَبْقَى تَعُودُ
فَبَابُ الْمَحْوِ مَفْتُوحٌ يَدُومُ
وَمَا دَامَ الْيَرَاعُ بِكَفِّ حَيٍّ
فَبَيْضُ الصَّحْفِ يَقْبَلُ مَا تَرُومُ
تُمَنِّي النَّفْسَ أَنَّ الْعُمْرَ بَاقٍ
وَوَعْدُ غَدٍ سَرَابٌ أَوْ حُلُومُ
إِذَا حُبِسَ الشَّهِيقُ لَدَى الْمَجَارِي
فَلَا مَهَلٌ هُنَالِكَ لَا قُدُومُ
يُفِيقُ الْقَلْبُ فِي أُخْرَى اللَّيَالِي
فَيَلْحَقُ وَالْمُسَوِّفُ لَا يَقُومُ
نعم، ثمّ فرصةٌ ثانية، بل فرصٌ لا تُحصى. ما لم يبلغِ العبدُ الغرغرةَ، وما لم يحضرْه أجلُه، فبابُ التوبةِ مفتوحٌ على مصراعيه، ورحمةُ ربِّه أوسعُ من ذنبِه مهما تضخّمَ الذنبُ في عينيه. والنداءُ الذي يُقرأُ في هذا المقامِ ليس نداءَ زجرٍ ولا تهديد، بل نداءُ استدعاءٍ من المَلِكِ إلى عبدِه الشارد:
۞ قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
وتأمّلْ لطيفةَ الخطاب: ما ناداهم بأوصافِ جُرمِهم، ولا صدَّر النداءَ بالتوبيخ، بل أضافَهم إليه فقال: يا عبادي. ثمّ لم يستثنِ صنفًا من الذنوبِ ولا حجمًا، بل عمَّ وأطلق. والأمرُ لا يقفُ عند المحوِ والعفو؛ فالتوبةُ الصادقةُ إذا صحِبَها عملٌ صالحٌ قلبتِ الخسارةَ ربحًا، وحوّلتْ ما كان على العبدِ إلى ما هو له: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾. وهذه أعجبُ خصيصةٍ في هذا الامتحان: ورقةٌ يُعادُ النظرُ فيها، فتصيرُ مواضعُ الخطأِ فيها درجاتٍ تُضاف.
وليستِ التوبةُ سطرًا يُقالُ باللسانِ ثمّ يُنسى؛ إنّها في القاعةِ ما يصنعُه طالبٌ اكتشفَ أنّه كتبَ في الصفحاتِ الأولى جوابًا عن سؤالٍ غيرِ سؤالِه: ندمٌ على ما مضى، وشطبٌ لا رجوعَ بعده، وعزمٌ على ما بقيَ من الوقت، وردٌّ لِما أخذَه من غيرِ حقٍّ إلى أهلِه. وبهذه الصفةِ تنطبقُ الآيةُ على صاحبِها، لا بمجرّدِ حركةِ لسان.
وليس التصحيحُ في القاعةِ الكبرى تصحيحَ محاسبٍ يقتَصُّ الدرجةَ بالدرجة، بل فيه فضلٌ لا يجري على حسابِ الدنيا؛ فالهمُّ بالخيرِ يُكتَب، والخيرُ إذا وقعَ ضوعِف، والهمُّ بالشرِّ إذا تركَه صاحبُه لله قُلِبَ له حسنة:
«إنَّ اللهَ كتبَ الحسناتِ والسيّئاتِ ثمَّ بيَّن ذلك: فمَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعمِلها كتبها اللهُ له عشرَ حسناتٍ إلى سبعِمئةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. ومَن همَّ بسيّئةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعمِلها كتبها اللهُ له سيّئةً واحدة»
فمن نظرَ في هذا الميزانِ ثمّ زعمَ أنّ ورقتَه لا تُصلَح، فقد ظلمَ الميزانَ قبل أن يظلمَ نفسَه.
على أنّ لهذه المهلةِ حدًّا منصوصًا لا يقبلُ المماطلة، حدَّدَه الوحيُ تحديدًا يقطعُ حبلَ التسويف:
إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا
فالتوبةُ المقبولةُ توبةُ من في يدِه قلمٌ وفي عمرِه بقيّة، لا توبةُ من عايَنَ ما يُعايَنُ عند الاحتضارِ فنطقَ بها اضطرارًا؛ إذ ليس في الإقرارِ بعد الانكشافِ اختيار، وإنّما تُقبلُ الشهادةُ حين تكونُ غيبًا.
«إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبسطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسطُ يدَه بالنهارِ ليتوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها»
يدٌ تُبسَطُ بالليلِ لمسيءِ النهار، ويدٌ تُبسَطُ بالنهارِ لمسيءِ الليل، لا ينقطعُ ذلك البسطُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربِها. ومن أرادَ مثالًا لا يُبقي للقانطِ حجّة، فلينظرْ في خبرِ رجلٍ جاءَ يسألُ وقد أثقلَه ما أثقلَه:
«كان فيمَن كان قبلَكم رجلٌ قتلَ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فسألَ عن أعلمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنَّه قتلَ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتلَه فكمَّل به مئة. ثمَّ سألَ عن أعلمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عالم، فقال: إنَّه قتلَ مئةَ نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومَن يحولُ بينَه وبينَ التوبة؟ انطلقْ إلى أرضِ كذا وكذا، فإنَّ بها أُناسًا يعبدونَ اللهَ فاعبدِ اللهَ معهم، ولا ترجعْ إلى أرضِك فإنَّها أرضُ سوء. فانطلقَ حتى إذا نصَفَ الطريقَ أتاه الموت»
فما كانتِ العقدةُ في عِظَمِ ما صنَع، بل في قولِ الجاهلِ الذي أغلقَ في وجهِه بابًا ليس إغلاقُه إليه. ولمّا دُلَّ على العالِمِ سمِعَ الكلمةَ التي في الخبرِ آنفًا: ومن يحولُ بينَه وبين التوبة؟ ثمّ خرجَ مهاجرًا بقلبِه قبل قدمِه، فأدركَه الموتُ في منتصفِ الطريق. وهذا وجهٌ لطيفٌ في التصحيح: أنّ الخطوةَ تُحسَبُ ولو لم تبلغْ بصاحبِها البابَ الذي قصَده.
والبابُ المفتوحُ ليس إذنًا بالتأجيل
غير أنّ سَعةَ الوقتِ في أوّلِ الجلسةِ هي أخطرُ ما يُخدَعُ به الطالب. فالذي يعلمُ أنّ أمامَه ساعتين يُنفقُ نصفَهما في تسويةِ المسطرةِ وتجويدِ الخطّ، ثمّ يفزعُ حين يرى عقربَ الدقائقِ قد قطعَ الطريقَ وحدَه.
سؤالٌ أُجِّل إلى آخِرِ الوقت
يقرأُ الطالبُ السؤالَ الأثقلَ فيقول: أتركُه إلى النهاية. ثمّ ينشغلُ بترتيبِ الهوامشِ وعدِّ الأسطر، وكلّما رفعَ عينيه إلى الساعةِ وجدَها قد سبقتْه بربعِ ساعةٍ لم يُحسَّ بمرورِها. ويعودُ إلى السؤالِ أخيرًا فيجدُ الجرسَ أقربَ إليه من الجواب.
عبدٌ يعرفُ البابَ الذي ينبغي أن يبدأَ منه، فيقول: إذا هدأتْ ظروفي، إذا تقدّمَ بي العمرُ قليلًا، إذا فرغتُ من هذا العام. وليس في يدِه من الضمانِ ما يجعلُ هذه الشروطَ ملكًا له؛ فالمهلةُ ممنوحةٌ، ومقدارُها وحدَه هو المحجوب.
فالبابُ مفتوحٌ نعم، لكنّ البابَ الذي لا يُعلَمُ متى يُغلَقُ يُدخَلُ منه الآن.
وشرطُ قبولِ الورقة
والبابُ المفتوحُ لا يعني أنّ كلَّ ورقةٍ تُرفَعُ تُحتسَب. فقد ختمَ اللهُ سورةَ الكهفِ بآيةٍ جمعتْ شرطَي القبولِ في نفَسٍ واحد:
قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا
عملٌ صالحٌ في صورتِه، وهو موافقتُه لِما جاء به النبيُّ ﷺ؛ وخلوصٌ من الشِّركِ في قصدِه، وهو الإخلاص. فما استقامتْ صورةٌ حسنةٌ على نيّةٍ فاسدة، ولا نفعتْ نيّةٌ صالحةٌ في عملٍ لا أصلَ له في الكتابِ المقرَّر.
«إنَّما الأعمالُ بالنيّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»
«إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم»
«أمَّا بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدى هدى محمّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة»
ورقتانِ متشابهتان
ورقتانِ بخطٍّ متقارب، والترتيبُ واحد، والأسطرُ بعددِها. والمصحّحُ لا يملكُ إلا ما بين يديه من حبرٍ وورق، فيمنحُهما الدرجةَ نفسَها. ليس له إلى ما وراءَ الحبرِ سبيل.
عملانِ في الظاهرِ سواء: قيامٌ وقيام، ونفقةٌ ونفقة. غير أنّ النظرَ هناك يبدأُ من حيث ينتهي بصرُ الناس: من القلبِ الذي أملى، لا من اليدِ التي كتبت. فتُرفعُ إحداهما وتبقى الأخرى حيث هي.
| موضعُ النظر | في قاعةِ المدرسة | في القاعةِ الكبرى |
|---|---|---|
| الخطُّ والهيئة | يُنظرُ فيه ويُحسَبُ لصاحبِه | لا يُنظرُ إلى الصُّوَرِ والأموال |
| النيّة | لا سبيلَ للمصحّحِ إلى معرفتِها | عليها مدارُ العملِ كلِّه |
| المرجعُ في التصحيح | نموذجُ الإجابةِ الموزَّع | كتابُ اللهِ وهديُ النبيِّ ﷺ |
| الوقتُ الإضافيّ | بيدِ المراقبِ إن شاء | لا يؤخَّرُ أجلٌ إذا جاء |