ثانيًا: فإذا بلغتِ الحلقومَ فلا تمديد
وأمّا الحدُّ الآخَر فقاطع: لا فرصةَ ثانية، ولا تمديدَ للوقتِ ثانيةً واحدة. ينتهي زمنُ الابتلاءِ بغتةً بلا إنذارٍ سابق، وتُسحَبُ ورقةُ العمرِ من تحتِ اليد، فيُطوى ديوانُ العمل، ويُقفَلُ بابُ التوبةِ والوصيّة، وينقطعُ رجوعُ الإنسانِ إلى أهلِه ليستدركَ ما فاته، ويبدأُ الفرزُ. وأوّلُ ما ينطقُ به المفرِّطُ حينَها طلبُ الرجعة:
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
وانظرْ كيف جاء الجوابُ في الآيةِ نفسِها: كلمةٌ هو قائلُها لا غير، لا يترتّبُ عليها ردٌّ ولا رجوع؛ ومن ورائهم حاجزٌ إلى يومِ يُبعثون. وليس هذا الطلبُ مقصورًا على من أسرفَ في المعاصي وحدَه؛ فحتى المقصِّرُ في بابٍ واحدٍ يتمنّى تأجيلًا قصيرًا يُتِمُّ به ما تركَه:
وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ
سؤالُ التأجيلِ يُرفعُ بعد أن يكونَ الجرسُ قد دُقّ، والجوابُ عليه مذكورٌ في تمامِ الآيتين: لا تأخيرَ لنفسٍ إذا جاء أجلُها. ولذلك كان توجيهُ النبيِّ ﷺ في الدنيا كلِّها توجيهَ عابرٍ لا مقيم:
«كنْ في الدنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل»
فمن عاشَ على هذا لم يُفزعْه الجرس؛ لأنّه ما نشرَ متاعَه أصلًا، ولا نامَ ليلةً وهو يحسبُ أنّ الصباحَ ملكُ يمينِه.
ورقةٌ تُسحَبُ قبل الوقت
يمرُّ المراقبُ فجأةً على مقعدٍ في آخرِ الصفّ، فيسحبُ ورقةً وصاحبُها لم يبلغْ نصفَها. لا يشرحُ له سببًا ولا يجيبُه إلى مراجعة. ترفعُ القاعةُ رأسَها لحظةً واحدةً ثمّ تعودُ إلى الكتابة، وكأنّ الأمرَ لا يعنيها.
خبرٌ يصلُ في منتصفِ النهار: فلانٌ مات. من كان يُرتِّبُ سفرًا، ومن كان يعِدُ بزيارةٍ في العيد. يُذكَرُ يومًا أو بعضَ يوم، ثمّ يعودُ الناسُ إلى أوراقِهم، ولم ينتبه أحدُهم أنّ الترتيبَ في السحبِ ليس ترتيبَ الجلوس.
الجرسُ الأخير
يدقُّ الجرس. صوتُ المراقب: ارفعوا الأقلام. يدٌ تحاولُ أن تُتِمَّ كلمةً أخيرة، فتُنتزَعُ الورقةُ من تحتِها. ولا يُجدي أن يقولَ صاحبُها: بقيَ لي سطرٌ واحد. تُجمَعُ الأوراقُ بالترتيبِ الذي جاءت به، ويخرجُ الجميعُ من بابٍ واحد.
غرغرةٌ في الحلق، وطَرْفٌ يشخَص. تُطوى الصحيفةُ وينقطعُ العملُ إلا من ثلاث. ويمشي في الجنازةِ الأهلُ والمالُ والعمل، فيرجعُ اثنانِ من عندِ القبرِ ويبقى واحدٌ ينزلُ معه.
«إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»
«يتبعُ الميّتَ ثلاثةٌ، فيرجعُ اثنانِ ويبقى معه واحد: يتبعُه أهلُه ومالُه وعملُه، فيرجعُ أهلُه ومالُه ويبقى عملُه»
على أنّ ثَمّ ورقةً يستمرُّ تصحيحُها بعد خروجِ صاحبِها من القاعة؛ فالصدقةُ الجاريةُ والعلمُ المنتفَعُ به والولدُ الصالحُ الداعي حبرٌ لا يجفُّ بجفافِ القلم. وهو الاستثناءُ المذكورُ في الحديثِ آنفًا، ولذلك كان أثمنَ ما يُقدّمُه العاقلُ وهو بعدُ في مقعدِه.
| الحال | قبل الغرغرة | بعدها |
|---|---|---|
| بابُ التوبة | مفتوحٌ لا يُردُّ طارقُه | مُغلَقٌ بنصِّ الآية |
| الوقت | بقيّةٌ مجهولةُ المقدار | انقضى ولا تأخير |
| الورقة | تُصحَّحُ ويُبدَّلُ ما فيها | تُطوى على ما فيها |
| طلبُ الرجعة | سعيٌ ممكنٌ بالقدمين | كلمةٌ هو قائلُها |
وبين الحدَّين مسافةٌ اسمُها العمر، لا يعرفُ أحدٌ طولَها ولا الموضعَ الذي تنتهي عندَه. والعاقلُ من عامَلَها معاملةَ الوقتِ المحسوب، فحاسبَ نفسَه بنفسِه قبل أن يُحاسَب:
«الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على الله»
«حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أن تُحاسَبوا، وتَزيَّنوا للعَرضِ الأكبر، وإنَّما يخِفُّ الحسابُ يومَ القيامةِ على مَن حاسبَ نفسَه في الدنيا»
- ١ابدأْ بالسؤالِ الأثقلِ في ورقتِك اليوم، ولا تُعلّقْ توبتَك على ظرفٍ ليس في يدِك ضمانُه.
- ٢سمِّ ما تتوبُ منه باسمِه، ثمّ اقطعْ سببَه: المكانَ والصحبةَ والوسيلةَ التي توصلُ إليه.
- ٣ردَّ إلى أهلِه ما أخذتَ بغيرِ حقٍّ، مالًا كان أو عِرضًا، وأثبِتْ في وصيّتك ما لا يعلمُه غيرُك.
- ٤أتبِعِ الندمَ عملًا صالحًا في يومِه نفسِه، وزِنْه قبل أن تكتبَه بميزانين: لمن تعملُه، وعلى أيِّ أصلٍ تعملُه.
- ٥ثبِّتْ ما يجري بعدك ولو قلّ: عطاءً دائمًا، وعلمًا تُحسِنُه فتُعلِّمُه، وولدًا تُربّيه على الدعاءِ بأن يسمعَك تدعو لوالديك.
- ٦عِشْ يومَك عابرَ سبيلٍ لا تنشُرْ متاعَك، وحاسبْ نفسَك آخرَ كلِّ ليلةٍ على ورقةِ يومِك سؤالًا سؤالًا.
بابُ التوبةِ مفتوحٌ ما تردّدَ النفَسُ في الصدر، ولا استثناءَ في نوعِ الذنبِ ولا في حجمِه؛ بل تنقلبُ مواضعُ الخطأِ درجاتٍ تُضافُ لمن ندِمَ وعزَمَ وأتبعَ ندمَه عملًا وردَّ الحقوقَ إلى أهلِها. غير أنّ سَعةَ الوقتِ أخدعُ ما في الجلسة، والمهلةُ مجهولةُ المقدار، ولا تُرفعُ ورقةٌ إلّا بإخلاصِ القصدِ وموافقةِ الهدي. فإذا بلغَ الأمرُ حدَّه انقطعَ الزمنُ بغتة، وطُوِيَ الديوان، وصارَ طلبُ الرجعةِ كلمةً لا يترتّبُ عليها ردّ. ويبقى بعد الخروجِ ما يجري تصحيحُه: عطاءٌ جارٍ، وعلمٌ يُنتفَعُ به، وولدٌ يدعو. فالبابانِ حقٌّ: بابٌ مفتوحٌ الآن، وبابٌ يُغلَقُ ولا يُعلَمُ متى؛ فراجعْ ورقتَك والقلمُ في يدِك.