تخطَّ إلى المحتوى

ما في هذا الكتاب

هذا الكتاب محاكاةٌ أدبيّةٌ إيمانيّة، تعقد مقارنةً تفصيليّةً منهجيّةً بين لجان اختباراتِ الدنيا المحدودة الفانية وبين اللجنة الإلهيّة الكبرى، حيث الاختبارُ الأعظمُ الذي يتقرّر بموجبه خلودُ الإنسان في نعيمٍ مقيم أو خسرانٍ مبين.

وهو لا يسير على طريقة الفصول المتفرّقة، بل يمشي مع الطالب خطوةً خطوة فلا يفارقه. يبدأ من اللحظة التي يقرأ فيها اسمه على جدار الاستدعاء، فيسأل: مَن كتب اسمي هنا، ومتى؟ ثمّ ينتقل إلى المقعد المرقَّم، فيرى كيف يُوزَّع الناس على مقاعدَ لم يختاروها، وأنّ المقعد ليس هو الدرجة.

ثمّ يقف عند ورقة الأسئلة، ويفصّل كيف تُصاغ أسئلةُ القاعة الكبرى من العافية كما تُصاغ من البلاء. ثمّ يمرّ بالمراقب، وبالغشّ الذي يسلم صاحبه في قاعةٍ وينكشف في قاعة. ثمّ بالمُسوَّدة التي يظنّ الطالب أنّها لا تُقرأ وهي تُقرأ. ثمّ بالوقت الضائع في أوّل الجلسة، وبالتائب الذي يمحو سطرًا ويكتب فوقه. ثمّ بالجرس الأخير وتسليم الورقة، ثمّ بيوم إعلان النتيجة.

وفي كلّ بابٍ من أبوابه مشهدان متقابلان: مشهدٌ في قاعة المدرسة تعرفه وتكاد تشمّ رائحة حبره، ومشهدٌ في القاعة الكبرى هو نظيرُه. وليس القصدُ من التقابل الترويعَ بل الإفهام؛ فإنّ العقل الذي يعجز عن تصوّر يومٍ لم يره بعدُ، لا يعجز عن تصوّر قاعةٍ جلس فيها مرارًا وخرج منها يرتجف. وشواهدُه من الكتاب والسنّة تأتي بلفظها ومصدرها ودرجتها، لا يُصاغ فيها شيء.

وقد كُتب هذا الكتاب لمن يقرأ وهو يعرف أنّه معنيٌّ بما يقرأ؛ لا ليُقال له ما لا يعلم، بل ليُنقَل ما يعلمه إلى زاوية النظر التي لا يقف فيها إلّا نادرًا: أن يرى نفسه من فوق، جالسًا على كرسيٍّ مرقَّم، والساعةُ فوق رأسه تدور.

خريطةُ الباب
السؤالما معنى أن يكون الإنسانُ ممتحَنًا في قاعةٍ لا يراها، وما الذي يترتّب على علمه بذلك أو جهله به؟
المسار١مشهدُ الاسم والمقعد وانتظارِ الجرس٢كشفُ القاعة الثانية الجارية مع الأولى في وقتٍ واحد٣تعليلُ زينة القاعة بأنّها مادّةُ الاختبار لا زخرفُه٤نفيُ النجاة بالصمت وقسمةُ الناس مستريحًا وممتحَنًا٥بيانُ منهج الكتاب وترتيبِ محطّاته
القاعتاناسمٌ في كشفٍ بأربعة دبابيس، وحقيبةٌ تبقى خارج الباب، ومقعدٌ مرقَّمٌ بالطباشير، وظرفٌ يُفَضّ، وزمنٌ مكتوبٌ في أعلى الورقة، ومراقبٌ يُخدَععمرٌ هو المقعدُ نفسُه، وأسئلةٌ تنزل في هيئة يومٍ عاديّ من عافيةٍ وبلاء، وزمنٌ معلومٌ عند صاحب القاعة وحده، ونتيجةٌ لا إعادةَ بعدها
الشواهدالكهف ٧–٨ · الملك ٢ · الإنسان ٢ · العنكبوت ٢–٣ · صحيح مسلم ٢٩٩٩ · صحيح البخاري ٦٤١٦ · صحيح مسلم ٢٩٥٦
المآلتخرج من الباب وأنت تعلم أنّك في جلسةٍ لا في استراحة، وأنّ المقعدَ الذي أُجلستَ فيه ليس هو الدرجة.
الدروسُ المستفادة
  1. ١قُلْ لنفسك عند أوّل نفَسٍ من كلّ صباحٍ جملةً واحدة: أنا الآن في قاعةٍ ثانيةٍ لا أراها، ثمّ أمضِ يومَك عليها.
  2. ٢ضَعْ عند باب يومك ما لا يدخل معك: المقارنةَ بالناس، والاحتجاجَ بمقعدٍ لم تخترْه، وحديثَ النفس عن أمسٍ مضى.
  3. ٣سَمِّ ما بين يديك بأسمائه قبل أن تستعمله: هذا مالُ سؤالٍ، وهذا وقتُ سؤالٍ، وهذه عافيةُ سؤال.
  4. ٤رُدَّ كلَّ ما ينزل بك اليوم إلى بابين لا ثالثَ لهما: شكرٍ تُحدثه، أو صبرٍ تُمسك به.
  5. ٥اسألْ عند كلّ قرارٍ قبل إمضائه: ماذا يُكتب من هذا في السجلّ الآخر؟ ثمّ أمضِه أو أمسِكْ عنه.
  6. ٦صدِّقْ دعواك بعملٍ واحدٍ لا يراه أحدٌ سواك، واجعلْه ثابتًا في يومك لا عارضًا فيه.
الخلاصة

مشهدٌ يعرفه كلُّ من دخل مدرسةً يومًا: اسمٌ في كشفٍ على جدار، وحقيبةٌ تُترك عند الباب، ومقعدٌ مرقَّمٌ لم تخترْه، وظرفٌ يُفَضّ، وسكونٌ ينتظر جرسًا. وليست هذه هي القاعةَ المقصودة؛ فأنت جالسٌ في قاعتين معًا: واحدةٌ تراها بجدرانها وساعتِها ومراقبِها، وأخرى مقعدُك فيها عمرُك كلُّه — والفعلُ واحدٌ والتسجيلُ في السجلَّين. وزينةُ القاعة ليست خللًا في تصميمها بل هي مادّةُ الامتحان: لولا الشهوةُ الحاضرةُ لما كان للصبر ثمن. ولن تُترك بدعوًى لا تُبتلى؛ فما بين يديك جوابان لا ثالثَ لهما: شكرٌ تُحدثه، أو صبرٌ تُمسك به. وهكذا يمضي ما بعدُ: مشهدان متقابلان في كلّ باب، والقصدُ أن تفهم لا أن تُروَّع.