تخطَّ إلى المحتوى

الفصل الثاني: ورقتان: الشكرُ والصبر

يظنّ الجالسُ أنّ الامتحانَ ورقةٌ واحدة. وليس كذلك. توزَّع في القاعةِ ورقتان متعاقبتان، تُرفع إحداهما فتوضع الأخرى. ولا يخلو نَفَسٌ من أنفاسِ العبدِ من امتحانٍ يستوجب حركةً تعبّديّةً تناسبه؛ فليس في القاعةِ وقتٌ فارغ، وإنّما فيها أوقاتٌ يظنّها الجالسُ فراغًا. وقد وُصف حالُ المؤمنِ بين الورقتين وصفًا جامعًا:

«عجبًا لأمرِ المؤمن! إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابتْه سرّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضرّاءُ صبَر فكان خيرًا له»

صحيح مسلم · ٢٩٩٩ — رواه صُهيب الرومي · وحكمُه صحيح عند مسلم

تأمّلْ بناءَ الحديث: ليس فيه أنّ المؤمنَ لا يُصاب، ولا أنّ أمرَه كلَّه سرّاء. فيه أنّ أمرَه كلَّه خير، لأنّ له في كلِّ حالٍ ورقةً يعرف كيف يجيب عنها. والخسارةُ الوحيدةُ أن تُوزَّع عليك ورقةٌ فتظنّها ليست لك.

الورقةُ الأولى: السرّاء، والجوابُ شكر

وهي الاختبارُ الذي يتعلّق بما تحبّه النفوسُ وتميل إليه: الغنى، والعافية، والجاه، والولد، وسَعةُ العيش. وهي أخفى الورقتين خطرًا، لأنّ الطالبَ فيها لا يشعر أنّه يُمتحن أصلًا؛ يظنّ أنّه في استراحة.

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ

إبراهيم · ٧

والنجاحُ فيها ليس بمجرّدِ الاستمتاعِ المادّيِّ بها، بل بالشكرِ والحمد. والشكرُ الحقيقيُّ ثلاثةُ أشياءَ لا يقوم إلا بها:

  • اعترافُ الباطن بفضلِ المُنعمِ سبحانه، ونسبةُ النعمةِ إليه، من غيرِ استعلاءٍ ولا ادّعاءِ استحقاق.
  • ثناءُ اللسان على العطاءِ الجزل، ذكرًا ظاهرًا لا يستحيي منه صاحبُه.
  • تصريفُ النعمةِ في وجهها: أن تُنفَق في الطاعة، وفي حقوقِ الخلقِ المادّيّةِ والمعنويّة، فتصير الأداةُ جوابًا مكتوبًا لا زينةً معروضة.

الورقةُ الثانية: الضرّاء، والجوابُ صبر

وهي ما تكرهه النفوسُ وتتألّم منه: المرضُ، والفقرُ، وضيقُ العيش، وفقدُ الأحبّة. وهي أظهرُ الورقتين ألمًا وأوضحُهما بيانًا، لأنّ صاحبَها يعلم أنّه يُمتحن.

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ۝ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ

البقرة · ١٥٥–١٥٧

لاحظِ التسلسل: بشارةٌ للصابرين، ثمّ وصفٌ لهم بما يقولون عند وقوعِ المصيبةِ لا بعد سنة، ثمّ ما يُصبّ عليهم من الصلواتِ والرحمةِ والهداية. فالجوابُ في هذه الورقةِ كلمةٌ تُقال في اللحظةِ الأولى، قبل أن يبردَ الخبر.

والنجاحُ فيها يقتضي الرضا بقضاءِ الله وقدرِه، والتسليمَ لحكمته، والثباتَ واليقينَ بلا سَخَطٍ ولا جزع. وليس معنى ذلك أن يجفَّ الدمعُ أو يسكتَ القلب؛ الجزعُ المذمومُ اعتراضٌ، لا حزن.

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ

الأنبياء · ٣٥

والآيةُ تسوّي بين البابين في كونهما فتنة: الشرُّ يُبتلى به، والخيرُ يُبتلى به. فمَن ظنّ أنّ الاختبارَ في النقصِ وحده، فقد نام على نصفِ الورقة.

تبديلُ الأوراق

قاعةُ الدنيا

يمرّ المراقبُ في منتصفِ الوقتِ فيسحب الورقةَ الأولى ويضع الثانية. طالبٌ يرفع رأسَه مذعورًا: لكنّي لم أنتهِ من الأولى. وآخرُ كان يكتب على الأولى وعينُه على الساعة، فتناول الثانيةَ بيدٍ ثابتةٍ وبدأ من سطرِها الأوّل.

القاعةُ الكبرى

هكذا تُبدَّل الأحوال: غنًى ثمّ ضيق، وعافيةٌ ثمّ سقم، واجتماعٌ ثمّ فراق. ولا يُسأل العبدُ لِمَ بُدِّلت ورقتُه، وإنّما بمَ أجاب حين بُدِّلت. والمؤمنُ وحدَه يربح في التبديلِ مرّتين: شكَر في الأولى فربح، وصبَر في الثانية فربح.

الوجهورقةُ السرّاءورقةُ الضرّاء
مادّةُ السؤالمالٌ وعافيةٌ وجاهٌ وولدمرضٌ وفقرٌ وضيقٌ وفقد
خطرُهاخفيّ، يظنّها الطالبُ راحةظاهر، يعلم صاحبُه أنّه يُمتحن
الجوابُ الصحيحشكرٌ بالقلبِ واللسانِ والتصريفرضًا وثباتٌ بلا سَخَط
علامةُ التعثّرنسبةُ النعمةِ إلى النفسِ والذكاءالاعتراضُ على الحكمِ والجزع
أثرُها في القلبتواضعٌ يزيد كلّما زاد العطاءسكينةٌ لا تهزّها العواصف

والطالبُ الذي رسخ عنده هذا الفهمُ المتوازنُ للورقتين يُسكَب في قلبِه من الطمأنينةِ والسكينةِ ما يجعله يواجه تقلّبَ الأحوالِ بثباتٍ لا تحرّكه ريحُ فتنة؛ لأنّه لم يعد يسأل: لماذا وقع هذا بي؟ بل صار يسأل: ما الجوابُ المطلوبُ في هذه الورقة؟