تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

إعجاز القرآن للباقلاني

من إعجاز القرآن للباقلاني لـأبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب — الورقة ١٨ من ١٠٤.

وقد ذكر في مستهله أن الاشاعرة وغيرهم ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه: أولها: ما تضمنه القرآن من الاخبار عن الغيوب، وذلك مما يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه.

والوجه الثاني: أنه أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السير من حين خلق الله آدم إلى مبعثه، مع أنه كان أميا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، ولم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم.

والوجه الثالث: " أنه بديع النظم عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه " وقال: إن الذى أطلقه العلماء في هذا الوجه هو على هذه الجملة، أما هو فقد كشف الجملة التى أطلقوها، وفصل ذلك بعض التفصيل، حيث يقول ص 51: " فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه: منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد ".

ومنها ص 53 " أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر.

وهذا المعنى هو غير المعنى الاول، فتأمله تعرف الفصل ".

والمعنى الثالث ص 54: أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التى يتصرف فيها ويشتمل عليها " وإنما هو على حد

واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن

المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا.

وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف.

وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة، تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كثيرا.

ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت بل هو على نهاية البلاغة، وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر ".

والمعنى الرابع: أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع.

وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شئ إلى شئ، والتحول من باب إلى باب.

والقرآن على اختلاف فنونه، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة - يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد.

وهذا أمر عجيب، تبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العرف ".

والمعنى الخامس: أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن، كما يخرج عن عادة كلام الانس، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا ".

والمعنى السادس ص 62: " أن الذى ينقسم إليه الخطاب، من البسط والاقتصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم - موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم في الفصاحة والابداع والبلاغة ".

والمعنى السابع ص 63: " أن المعاني التى تضمنها في أصل وضع الشريعة

والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع ".

والمعنى الثامن: أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الاسماع وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديا، غامرا سائر ما تقرن به، كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.

وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهى غرة جميعه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه ومائه ".

ثم قال في ص 64: " ولولا هذه التي بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة..فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك - علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور، لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه ".

والمعنى التاسع ص 66: " أن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفا، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفا، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم ".

والمعنى العاشر: " أنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة.

وجعله قريبا إلى الإفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس.

وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في

موقعه - أن يقدر عليه، أو يظفر به ".

ثم قال في ص 70: " وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد فإنا جمعنا بين أمور، وذكرنا المزية المتعلقة بها.

وكل واحد من تلك الامور مما يمكن اعتماده في إظهار الاعجاز فيه ".

ثم ختم كلامه في هذا الفصل بالاجابة على سؤال هام أورده في ص 71 وهو: " فإنه قيل: فهل تزعمون أنه معجز، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه،

أو لأنه عبارة عنه، أو لأنه قديم في نفسه؟ " قيل: " لسنا نقول بأن الحروف قديمة، فكيف يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضا: إن وجه الاعجاز في نظم القرآن من أجل أنه حكاية عن كلام الله، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرها من كتب الله عز وجل - معجزات في النظم والتأليف.

وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك.

وكذلك يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها.

وقد ثبت خلاف ذلك ".

* * * والفصل الرابع ص 72: عقده لشرح ما بينه من وجوه إعجاز القرآن الثلاثة السابقة، وهى الاخبار عن الغيوب، والانباء عن قصص الاولين وسير المتقدمين وبراعة النظم والتأليف والرصف.

* * * والفصل الخامس ص 76: مقصور على نفى الشعر من القرآن.

وأما الفصل السادس فقد عقده لنفى السجع من القرآن.

وقد استهله بقوله: " ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن.

وذكره الشيخ أبو الحسن الاشعري في غير موضع من كتبه.

وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م