تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

إعجاز القرآن للباقلاني

من إعجاز القرآن للباقلاني لـأبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب — الورقة ٢١ من ١٠٤.

وملاسته تلويا وتعقدا، فهذا فصل.

وفيه شئ آخر وهو: أن هذا الخطاب إنما يستقيم مهما خوطب به الخيال حال أقباله، فأما أن يحكي الحال التي كانت وسلفت

على هذه العيادة، ففيه عهدة، وفي تركيب الكلام عن هذا المعنى عقدة.

وهو لبراعته وحذقه في هذه الصنعة - يعلق نحو هذا الكلام، ولا ينظر في عواقبه، لأن ملاحة قوله تغطي على عيون الناظرين فيه نحو هذه الأمور.

ثم قوله: " فعل الذي نهواه أو لم يفعل "، ليست بكلمة رشيقة، ولا لفظة ظريفة، وإن كانت كسائر الكلام ".

ولست أشك في أن الباقلانى قد حاد عن جادة الصواب عند ما حكم بأن بيت الصنوبرى أخف من بيت البحترى.

وغنى عن البيان أن بيت الصنوبرى ثقيل بالغ الثقل، وحسبه أن يجتمع في شطره الاول " الزور من زور " وأن يكون في شطره الثاني كلمة " الدور "، ليأخذ سبيله إلى مستقره في حضيض الشعر الاوهد.

وأما نقد الباقلانى لبيت البحترى الثاني، فإنى أورده ليكون بيانا لمنهجه في نقده ولانه استطرد فيه إلى نقد امرئ القيس بنقد لطيف ذهب به، ولم يسبقه أحد إليه.

قال: " فأما بيته الثاني، فهو عظيم الموقع في البهجة، وبديع المأخذ، حسن الرواء، أنيق المنظر والمسمع، يملا القلب والفهم، ويفرح الخاطر، وتسرى بشاشته في العروق.

وكان البحتري يسمي نحو هذه الأبيات عروق الذهب، وفي نحوه ما يدل على براعته في الصناعة، وحذقه في البلاغة.

ومع هذا كله فيه ما نشرحه من الخلل، مع الديباجة الحسنة، والرونق المليح.

وذلك أنه جعل الخيال كالبرق لإشراقه في مسراه، كما يقال: إنه يسري كنسيم الصبا، فيطيب ما مر به كذلك يضئ ما مر حوله، وينور ما مر به.

وهذا غلو في الصنعة، إلا أن ذكره " بطن وجرة " حشو، وفي ذكره خلل، لأن النور القليل يؤثر في بطون الأرض وما اطمأن منها، بخلاف ما يؤثر في غيرها، فلم يكن من سبيله أن يربط ذلك ببطن وجرة.

وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر " سقط اللوى بين الدخول فحومل، فتوضح فالمقراة " لم يقنع

بذكر حد، حتى حده بأربعة حدود، كأنه يريد بيع المنزل فيخشى أن أخل

بحد أن يكون بيعة فاسدا أو شرطه باطلا! فهذا باب.

ثم إنما يذكر الخيال بخفاء الأثر، ودقة المطلب، ولطف المسلك.

وهذا الذى ذكره يضاد هذا الوجه، ويخالف ما وضع عليه أصل الباب.

ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحتري قطع الكلام الأول، وابتدأ بذكر برق لمع من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة، لان هذا القطع إن كان فعله، كان خارجا به، عن النظم المحمود، ولم يكن مبدعا، ثم كان لا تكون فيه فائدة، لأن كل برق شعل وتكرر وقع الاهتداء به في الظلام، وكان لا يكون بما نظمه مفيدا ولا متقدما.

وهو على ما كان من مقصده، فهو ذو لفظ محمود، ومعنى مستجلب غير مقصود، ويعلم بمثله أنه طلب العبارات، وتعليق القول بالاشارات.

وهذا من الشعر الحسن الذى يحلو لفظه، وتقل فوائده ".

ومن شواهد تجنى الباقلانى على البحترى قوله في ص 240: " وأما قوله: ما الحسن عندك يا سعاد بمحسن * * فيما أتاه ولا الجمال بمجمل عذل المشوق وإن من سيما الهوى * * في حيث يجهله لجاج العذل قوله في البيت الأول: " عندك " حشو، وليس بواقع ولا بديع، وفيه كلفة، والمعنى الذي قصده، أنت تعلم أنه متكرر على لسان الشعراء.

وفيه شئ آخر، لأنه يذكر أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده.

وتهييم قلبه، وضد هذا المعنى هو الذي يميل إليه أهل الهوى والحب.

وبيت كشاجم أسلم من هذا وأبعد من الخلل، وهو قوله: بحياة حسنك أحسني، وبحق من * * جعل الجمال عليك وقفا أجملي " ولست أرى رأى الباقلانى في أن كلمة " عندك " قد وقعت حشوا متكلفا، ليست بواقعة ولا بديعة، وإنما هي في هذا المقام قد وقعت موقعها الطبيعي البديع

ولم يجتلبها التكلف حشوا لا يغنى غناءه في تأدية المعنى، وإنما هي أصيلة في أصل المعنى، ولا يؤدى معناها غيرها.

ولست أشك كذلك في أن بيت البحترى أمثل من بيت كشاجم.

ويخيل إلى أن الباقلانى قد ضل عنه معنى بيت البحترى، إذ فهم أنه " يذكر

أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده وتهييم قلبه ".

وإنى أفهم أن المعنى الذى أراغ إليه البحترى: أن حسنها لم يحسن إليه بما يود الحبيب من حبيبه أن يحسن إليه به، مما يمتع نفسه، ويروى ظمأ حبه، وأن جمالها لم يجمل بإصفاء المودة، وإنالة جنى الحب المشتهى.

وبذلك يتسق معنى البيت، مع المعنى الذى يميل إليه أهل الهوى.

والحب.

ولئن كان الباقلانى قد أخطأ في نقد بيت البحترى الاول، وضل عن معناه، فإنه أصاب في نقده للبيت الثاني، حيث يقول: " وأما البيت الثاني فإن قوله: " في حيث " حشا بقوله كلامه، ووقع ذلك مستنكرا وحشيا نافرا عن طبعه، جافيا في وضعه، فهو كرقعة من جلد في ديباج حسن! فهو يمحو حسنه، ويأتي على جماله.

ثم في المعنى شئ، لأن لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول، ولو كان مجهولا لم يهتدوا للعذل عليه.

فعلم أن المقصد استجلاب العبارات.

ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع، ولا شئ يفوت قول الشعراء في العذل، فإن ذلك جملهم الذلول، قولهم المكرر المقول " * * * ثم قال الباقلانى في ص 374 " وأما الغرض الذي صنفنا فيه، في التفصيل والكشف عن إعجاز القرآن، فلم نجده على التقريب الذي قصدنا، وقد رجونا أن يكون ذلك مغنيا ووافيا.

وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار، ومهدنا الطريق ".

ثم عرض لنقد الجاحظ في ص 377: بأن كلامه قريب، ومنهاجه معيب ونطاق قوله ضيق.

ومن أجل ذلك يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه، من بيت سائر، ومثل نادر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة، فإذا أطال ولم يستعن بكلام غيره، كان كلامه ككلام غيره.

ثم زعم أن أبا الفضل بن العميد قد سلك مسلكه، ونازعه طريقته، فلم يقصر عنه.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م