ولولا أن ذلك برهان بنفسه لم يصح أن يقع به الانذار والأخبار عما يقع عند مخالفته، ولم يكن الخبر عن الواقع في الآخرة عند ردهم دلالته (3) من الوعيد - حجة ولا معلوما صدقه، فكان لا يلزمهم قبوله.
فلما خلص من الآيات في ذكر الوعيد على ترك القبول، ضرب لهم
المثل بمن خالف الآيات، وجحد الدلالات والمعجزات، فقال: (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الارض، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق) .
ثم بين أن عاقبتهم صارت إلى السوأى، بأن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، وكانوا لا يقبلونها منهم.
فعلم أن ما قدم ذكره في السورة بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر قصة موسى ويوسف عليهما السلام، ومجيئهما بالبينات، ومخالفتهم حكمها، إلى أن قال تعالى: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا، كذلك يطبع الله / على كل قلب متكبر جبار) .
فأخبر أن جدالهم في هذه الآيات لا يقع بحجة، وإنما يقع عن جهل، وإن الله يطبع على قلوبهم، ويصرفهم عن تفهم وجه البرهان.
لجحودهم وعنادهم واستكبارهم.
ثم ذكر كثيرا من الاحتجاج على التوحيد، ثم قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون) .
ثم بين هذه الجملة، وإن من آياته الكتاب، فقال: (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون) .
إلى أن قال: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) .
فدل على أن الآيات على ضربين: أحدهما كالمعجزات التي هي أدلة (1) في دار التكليف، والثاني الآيات التي ينقطع عندها العذر، ويقع عندها العلم الضروري، وإنها إذا جاءت ارتفع التكليف، ووجب الاهلاك.
إلى أن قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) .
فأعلمنا أنه قادر على هذه الآيات، ولكنه إذا أقامها زال التكليف، وحقت العقوبة على الجاحدين.
وكذلك ذكر في (حم) السجدة (1) على هذا المنهاج الذي شرحنا، فقال عز وجل: (حم.
تنزيل الكتاب من الرحمن الرحيم.
كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون.
بشيرا ونذيرا) فلولا أنه جعله / برهانا لم يكن بشيرا ولا نذيرا، ولم يختلف بأن يكون عربيا مفصلا أو بخلاف (2) ذلك.
ثم أخبر عن جحودهم وقلة قبولهم، بقوله تعالى: (فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون) .
ولولا أنه حجة لم يضرهم الإعراض عنه.
وليس لقائل أن يقول: قد يكون حجة ولكن (3) يحتاج في كونه حجة إلى دلالة أخرى، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حجة، ولكنه يحتاج إلى دلالة على صدقه، وصحة نبوته.
وذلك: أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل، ولم يذكر حجة غيره.
ويبين ذلك: أنه قال عقيب هذا: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) .
فأخبر أنه مثلهم لولا الوحي.
ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له، فقال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) .
ومعناه: الذين آمنوا بهذا الوحي والتنزيل، وعرفوا هذه الحجة.
ثم تصرف في الاحتجاج على الوحدانية والقدرة، إلى أن قال: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) .
فتوعدهم بما أصاب من قبلهم من المكذبين بآيات الله من قوم عاد / وثمود في الدنيا.
ثم توعدهم بأمر الآخرة، فقال: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون) ، إلى انتهاء ما ذكره فيه.
ثم رجع إلى ذكر القرآن، فقال: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) .
ثم أثنى بعد ذلك على من تلقاه بالقبول، فقال: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا) .
ثم قال: (وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) .
وهذا ينبه على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف إعجاز القرآن، وأنه دلالة له على جهة الاستدلال، لأن الضروريات لا يقع فيها نزع الشيطان.
ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه.
ثم قال: (إن الذين يلحدون في آياتنا) ، إلى أن قال: (إن الذين كفرا بالذكر لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) .
وهذا وإن كان متأولا على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص الأولين وأخبار المرسلين، وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه (1) من الأخبار عن الغيوب وعن الحوادث التي أنبأ أنها تقع في الاتى - فلا يخرج عن أن يكون متأولا على ما يقتضيه نظام الخطاب، مع أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة / تقدح في معجزته أو تعارضه في طريقه.
وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته [وإعجازه] .
وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه.
ثم قال: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا: لولا فصلت آياته، أأعجمي وعربي) (2) فأخبر أنه لو كان أعجميا لكانوا يحتجون في رده: إما بأن ذلك خارج عن عرف خطابهم، أو كانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه وبأنهم لا يبين (3) لهم وجه الإعجاز فيه.
لأنه ليس من شأنهم ولا من لسانهم، أو بغير ذلك من الأمور، وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه - وجبت الحجة عليهم به، على ما نبينه في وجه هذا الفصل.