تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

إعجاز القرآن للباقلاني

من إعجاز القرآن للباقلاني لـأبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب — الورقة ٣٠ من ١٠٤.

هذا مما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه (10) من العقلاء.

وإلى هذا [الموضع] قد استقصى أهل العلم الكلام، وأكثروا في هذا المعنى وأحكموه.

/ ويمكن أن يقال: إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والإتيان بمثل ما أتى به، لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم على ما هم عليه من

الذرابة والسلاقة (1) ، والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته.

ويكرر (2) فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما يأتي به، ويقرعهم ويؤنبهم عليه، ويدرك آماله فيهم، وينجح ما سعى له في تركهم (3) المعارضة.

وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه، وتفخيم أمره، حتى يتلو قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (4) ، وقوله: (ينزل الملائكة بالروح

من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) (5) ، وقوله: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) ، (6) وقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (7) ، وقوله: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) (8) وقوله: (هدى للمتقين) (9) ، وقوله: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) (10) .

إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن تعظيم شأن القرآن.

فمنها ما يتكرر في السورة في مواضع منها، ومنها ما ينفرد فيها.

وذلك مما يدعوهم إلى المباراة، ويحضهم على المعارضة، وإن لم يكن متحديا إليه.

ألا ترى أنهم قد ينافر شعراؤهم بعضهم بعضا؟ ولهم في ذلك مواقف معروفة، وأخبار مشهورة، وآثار منقولة مذكورة (11) .

وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة، ويتبجحون بذلك، ويتفاخرون بينهم.

فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها تحداهم أو لم يتحدهم إليها.

ولو كان هذا القبيل مما يقدر عليه البشر، لوجب في ذلك أمر آخر، وهو: أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا لقبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه، وتعمل نظمه في الحال.

/ فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق، وخطبة متقدمة ورسالة سالفة، ونظم بديع، ولا عارضوه به فقالوا: هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله - علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل، وأنه لم يوجد له نظير.

ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا، ولعرفناه، كما نقل إلينا أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، وأدى إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد، وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم، وصنوف فصاحاتهم.

فإن قيل: الذي بنى عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن: أنه وقع التحدي إلى الإتيان بمثله، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه، فإذا نظر الناظر وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب - وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه.

وما ذكرتم يوجب سقوط تأثير التحدي، وإن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل حال.

قيل: إنما احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة، وإظهار وجه البرهان [على الكافة] .

لأن المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه، ولا تظهر

على مدع لها إلا وهي معلومة أنها من عند الله.

فإذا كان يظهر وجه الإعجاز فيها للكافة بالتحدي وجب فيها التحدي.

لانه تزول بذلك الشبهة عن الكل، وينكشف للجميع أن / العجز واقع في المعارضة.

وإلا كان (1) مقتضى ما قدمناه من الفصل أن من كان يعرف وجوه الخطاب، ويفتن في مصارف (2) الكلام، وكان كاملا في فصاحته، جامعا للمعرفة بوجوه الصناعة - لو أنه احتج عليه بالقرآن، وقيل له، إن الدلالة على النبوة والآية للرسالة ما تلوته (3) عليك منه،

لكان ذلك بالغا (1) في إيجاب الحجة [عليه] ، وتماما في إلزامه فرض المصير إليه.

ومما يؤكد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الآحاد إلى الإسلام، محتجا عليهم بالقرآن، لانا نعلم [ضرورة] أنه لم يلزمهم تصديقه تقليدا، ونعلم أن السابقين الاولين إلى الاسلام لم يقلدوه، إنما دخلوا على بصيرة.

ولم نعلمه قال لهم: إرجعوا إلى جميع الفصحاء، فإن عجزوا عن الاتيان بمثله فقد ثبت حجتي.

بل لما رآهم يعلمون إعجازه، ألزمهم حكمه فقبلوه، وتابعوا الحق، وبادروا إليه مستسلمين، ولم يشكوا في صدقه، ولم يرتابوا في وجه دلالته.

فمن كانت بصيرته أقوى، ومعرفته أبلغ، كان إلى القبول منه / أسبق.

ومن اشتبه عليه وجه الاعجاز، أو خفى (2) عليه بعض شروط المعجزات وأدلة النبوات - كان أبطأ إلى القبول، حتى تكاملت أسبابه، واجتمعت له بصيرته

وترادفت عليه مواده.

وهذا فصل يجب أن يتمم القول فيه [من] بعد، فليس هذا بموضع له.

ويبين ما قلناه: أن هذه الآية علم يلزم الكل قبوله والانقياد له، وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه، ومعرفة وجه دلالته، لأن الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه.

وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة.

فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم، وجرى مجراهم في (3) توجه الحجة عليه.

وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان، من هذا الشأن، ما يعرفه العالي في هذه الصنعة.

فربما حل في ذلك محل الأعجمي، في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه.

وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده، أو الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما -[من] غور هذا الشأن - ما يعرف من استكمل معرفة

جميع تصاريف الخطاب ووجوه / الكلام وطرق البراعة.

فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه لعجز (1) البارع في هذه العلوم كلها عنه.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م