تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

إعجاز القرآن للباقلاني

من إعجاز القرآن للباقلاني لـأبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب — الورقة ١ من ١٠٤.

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

جرت سنة الله في ابتعاث رسله إلى خلقه، لتبصيرهم بعظمته وجمعهم على عبادته، أن يؤيدهم بأمور حسية تخالف السنن الكونية، وتشذ عن النواميس الطبيعية، وتكون من قبيل ما استحكم في زمانهم، وغلب على خاصتهم، وعظم في نفوس عامتهم، لتكون معجزة الرسول المرسل إليهم مفحمة لاعجب الامور في أنظارهم، ومبطلة لاقوى الاشياء في حسبانهم، ولئلا يجد المبطلون متعلقا يتشبثون

به، ولا سبيلا يتخذونه إلى اختداع الضعفاء فقد أيد الله جل جلاله موسى عليه السلام - وكان عصره عصر سحر - بفلق البحر، وانقلاب العصا حية تسعى، وانبجاس الحجر الصلد بعيون الماء الرواء.

وأيد عيسى عليه السلام - وكان عهده عهد طب - بإبراء الاكمه والابرص وخلق الطير من الطين، وإحياء الموتى بإذنه.

ولما أرسل رسوله محمدا، صلى الله عليه وسلم، إلى الناس أجمعين، وجعله خاتم النبيين - أيده بمعجزات حسية كمعجزات من سبقه من المرسلين، وخصه بمعجزة عقلية خالدة، وهى إنزال القرآن الكريم، الذى لو اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثله لم يستطيعوا ولم يقاربوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

وكان ذلك في زمان سما فيه شأن البيان، وجلت مكانته في صدور أهله، وعرفوا باللسن والفصاحة، وقوة العارضة في الاعراب عن خوالج النفوس، والابانة عن مشاعر القلوب.

وظل رسول الله صلوات الله عليه، يتحداهم بما كانوا يعتقدون في أنفسهم القدرة عليه، والتمكن منه، ولم يزل يقرعهم ويعجزهم، ويكشف عن نقصهم، حتى استكانوا وذلوا، وطبع عليهم الخزى بطابعه، وصاروا حيال فصاحته في أمر مريج.

وقد أدهش القرآن العرب لما سمعوه، وحير ألبابهم وعقولهم بسحر بيانه، وروعة معانيه، ودقة ائتلاف ألفاظه ومبانيه، فمنهم من آمن به ومنهم مكفر، وافترقت كلمة الكافرين على وصفه، وتباينت في نعته، فقال بعضهم، هو شعر، وقال فريق: إنه سحر، وزعمت طائفة أنه أساطير الاولين اكتتبها محمد، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا، وذهب قوم أنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون.

وقال غير هؤلاء وهؤلاء: لو نشاء لقلنا مثل هذا.

ولكنهم لم يقولوا هم ولا غيرهم لان تأليف القرآن البديع، ووصفه الغريب، ونظمه العجيب، قد أخذ عليهم منافذ البيان كلها وقطع أطماعهم في معارضته، فظلوا مقموعين مدحورين ثلاثة وعشرين عاما، يتجرعون مرارة الاخفاق، ويهطعون لقوارع التبكيت، وينغضون رؤوسهم تحت مقارع التحدي والتعيير، مع أنفتهم وعزتهم، واستكمال عدتهم وكثرة خطبائهم وشعرائهم، وشيوع البلاغة فيهم، والتهاب قلوبهم بنار عداوته، وترادف الحوافز إلى مناهضته، وعرفانهم أن معارضته بسورة واحدة أو آيات يسيرة أنقض لقوله، وأفعل في إطفاء أمره، وأنجع في تحطيم دعوته، وتفريق الناس عنه - من مناجزته، ونصبهم الحرب له، وإخطارهم بأرواحهم وأموالهم، وخروجهم عن أوطانهم وديارهم.

وقد ندب الله المسلمين إلى تلاوة القرآن، وقراءة ما تيسر منه، وحضهم على ادكار معانيه، وتدبر أغراضه ومراميه، ليهتدوا ببصائره وهداه، وليستضيئوا بأنواره في الحياة، حتى تكون كلمتهم فيها هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

فأقبل عليه علماؤهم يتدبرونه ويفسرونه، ويجلون آياته على أعين الناس لعلهم يشهدون ما فيها من المنافع لهم، فيأتمروا حيث أمر، وينتهوا حيث زجر.

وأقبل عليه غيرهم، من أعدائه وأعدائهم، فاتبعوا ما تشابه من آيه ابتغاء الفتنة بتأويلها، وتحريف كلمه عن مواضعها، وخيلت لهم أفهامهم الكليلة، وأذهانهم العليلة، أن في نظمه فسادا، وفى أسلوبه لحنا، وفى معانيه تناقضا، وفى نقله اضطرابا، فنفوا عنه صفة الاعجاز، وسددوا نحوه المطاعن، وبثوا حوله الشكوك.

وكان الناجمون الاولون منهم يخافتون بأقوالهم، ويجمجمون بآرائهم، ويستخفون بمذاهبهم

ويصطنعون الحذر والدهاء في كل ما يأتون وما يذرون، خوفا من بطش الخلفاء

الراشدين، ومن تلاهم من خلفاء الامويين.

وخلف من بعد هؤلاء خلف كانوا أكثر ثقافة، وأعزر علما، وأحسن بيانا فأصحروا بآرائهم، وجاهروا بمعتقداتهم، وبثوا شكوكهم في المجالس والاندية، وسطروها في الكتب والرسائل التى أسرفوا في تحسينها، وبالغوا في تزيينها، وغالوا في انتقاء ورقها ومدادها واستجادة خطها، ليحسن وقعها في الانظار، وتصبو إليها أنفس القراء.

وقد ساعدهم على جهرهم هذا ومكن لهم منه، تبدل الزمان وتغير الحال، بتسامح الخلفاء في غير ما يمس سلطانهم ويعرض لدولتهم، وامتلاك غير العرب لزمام الامور في الدولة، وانتشار الكتب المترجمة، وازدياد اتصال العرب بغيرهم من أهل المذاهب والنحل الاخرى، وكثرة الجدال بين المذاهب الاسلامية، واشتعال نار العداوة بين الفرق الكلامية ولما كثرت المطاعن في القرآن، وأوشكت الشبهات أن تأخذ سبيلها إلى نفوس الاغرار والاحداث -: نهض فريق من العلماء يدرءون عنه، وينافحون دونه ويرمون من ورائه بالحجج النيرة، والادلة الواقعة، فشرعوا أقلامهم لتأليف الكتب والرسائل في الرد عليهم، وتبيين مفترياتهم.

وفى طليعة هؤلاء أبو محمد عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينورى، فقد عمد إلى مطاعنهم فيه فجمعها، ثم كر عليها بالنقض في كتابه الجليل: " تأويل مشكل القرآن " وكانت مسألة الاعجاز من أبرز المسائل التى تعاورها العلماء بالبحث في أثناء تفسيرهم للقرآن، وردهم على منكري النبوة، وخوضهم في علم الكلام، كعلى بن ربن كاتب المتوكل في كتاب: " الدين والدولة " وكأبي جعفر الطبري في تفسيره: " جامع البيان عن وجوه تأويل آى القرآن " وكأبي الحسن الاشعري في " مقالات الاسلاميين " وأبى عثمان الجاحظ في كتاب: " الحجة في تثبيت النبوة "

وكان علماء الاعتزال أكثر المثيرين للكلام في إعجاز القرآن، فقد ذهب النظام - من بينهم - إلى أن القرآن نفسه غير معجز، وانما كان إعجازه بالصرفة

وقال " ان الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الاحكام من الحلال والحرام.

والعرب إنما يعارضوه، لان الله تعالى صرفهم عن ذلك، وسلب علومهم به وذهب هشام الفوطى، وعباد بن سليمان إلى أن القرآن لم يجعل علما للنبى وهو عرض من الاعراض، والاعراض لا يدل شئ منها على الله ولا على نبوة النبي.

وكان ذلك وغيره من أقوال أئمتهم، منبعا غزيرا للقول في إعجاز القرآن وقد انبرى كثير منهم للرد على من أنكر إعجازه جملة، كأبى الحسين الخياط وأبى على الجبائى، اللذين نقضا على " ابن الراوندي " كتابه " الدامع " الذى طعن فيه على نظم القرآن وما يحتويه من المعاني، وقال: إن فيه سفها وكذبا وكذلك رد كثير منهم على من خالف عن قول جماعتهم: بأن تأليف القرآن ونظمه معجز، وأنه علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كالجاحظ الذى رد على النظام رأيه في الصرفة، في كتاب: " نظم القرآن ".

ألف الجاحظ كتابه في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه، وبديع تركيبه، على حد قوله في مقدمة كتاب الحيوان.

وهو من كتبه الضائعة.

وقد أشار إليه الباقلانى في إعجاز القرآن، إذ يقول ص 7: " وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى " وأخشى أن يكون الباقلانى قد حاف في حكمه على نظم القرآن، وحملته العصبية المذهبية على تنقصه.

فقد وصف الجاحظ نظم القرآن في كتابه " حجج النبوة "

حيث يقول في صفحة 147 مخاطبا من كتب له الكتاب: " وفهمت - حفظك الله - كتابك الاول، وما حثثت عليه من تبادل العلم، والتعاون على البحث والتحاب في الدين، والنصيحة لجميع المسلمين.

وقلت اكتب إلى كتابا تقصد فيه إلى حاجات النفوس، وإلى صلاح القلوب، وإلى معتلجات الشكوك وخواطر الشبهات، دون الذى عليه أكثر المتكلمين من التطويل،.

ومن التعمق والتعقيد، ومن تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب.

وقلت: كن كالمعلم اللوحة رقم: 1 عنوان نسخة المتحف البريطاني المرموز لها بحرف: م اللوحتان: 2، 3 الصفحتان الاولى والاخيرة من نسخة المتحف البريطاني المرموز لها بحرف: م اللوحة: 4 عنوان نسخة كوبريللى المرموز لها بحرف: ك اللوحة: 5 الصفحة الاولى من نسخة كوبر يللى المرموز لها بحرف: ك اللوحة: 6 آخر صفحة من نسخة كوبر يللى المرموز لها بحرف: ك اللوحة: 7

الصفحة الاخيرة من نسخة الاسكوريال المرموز لها بحرف: 1

الرفيق، والمعالج الشفيق الذى يعرف الداء وسببه، والدواء وموقعه، ويصبر على طول العلاج، ولا يسأم كثرة التردد.

وقلت: اجعل تجارتك التى إياها تؤمل، وصناعتك التى إياها تعتمد - إصلاح الفاسد، ورد الشارد.

وقلت: ولابد من استجماع الاصول، ومن استيفاء الفروع، ومن حسم كل خاطر، وقمع كل ناجم، وصرف كل هاجس، ودفع كل شاغل، حتى تتمكن من الحجة، وتتهنأ بالنعمة، وتجد رائحة الكفاية، وتثلج ببرد اليقين، وتفضي إلى حقيقة الامر.

وقلت: ابدأ بالاخف فالاخف، وبكل ما كان آنق في السمع وأحلى في الصدور، وبالباب الذى يؤتى منه الريض المتكلف، والجسور المتعجرف، وبكل ما كان أكثر علما، وأنفذ كيدا..فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلى في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان، فلم أدع فيه مسألة لرافضي ولا لحديثي، ولا لحشوى، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لاصحاب " النظام " ولمن نجم بعد " النظام " ممن يزعم: أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة، فلما طننت أنى قد بلغت أقصى محبتك، وأتيت على معنى صفتك - أتانى كتابك تذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن، وإنما أردت الاحتجاج لخلق القرآن وكانت مسألتك مبهمة فكتبت لك أشق الكتابين وأثقلهما، وأغمضهما معنى، وأطولهما طولا.." ولست أعرف نقلا عن كتاب: " نظم القرآن " ولا حديثا عنه، ولا وصفا له غير وصف الجاحظ هذا، وأحسبه فيه من الصادقين وقد قلد الجاحظ في هذه التسمية أبو بكر: عبد الله بن أبى داود السجستاني،

المتوفى سنة 316 في كتابه: " نظم القرآن ".

وأبو زيد البلخى: أحمد بن سليمان، المتوفى سنة 322 ه قال أبو حيان في كتاب " البصائر والذخائر ": قال أبو حامد القاضى: لم أر كتابا في القرآن مثل كتاب لابي زيد البلخى، وكان فاضلا يذهب في رأى الفلاسفة، لكنه تكلم في القرآن بكلام لطيف دقيق في مواضع، وأخرج سرائره وسماه: " نظم القرآن " ولم يأت على جميع المعاني فيه.

وكذلك أبو بكر: أحمد بن على، المعروف بابن الاخشيد، المعتزلي، المتوفى سنة 36 ه، فإنه قد ألف كتابا أسماه: " نظم القرآن ".

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م