النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٥١٠
ما جاء على فعال
وأما "فعال" فنحو غفار ومنان وتواب ووهاب {فعال لما يريد} {علام الغيوب} ونحو: {لكل صبار شكور} ونحو: {نزاعة للشوى}
ومن المشكل قوله تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} وتقريره: أنه لا يلزم من نفي الظلم بصيغة المبالغة نفي أصل الظلم والواقع نفيه قال الله تعالى: {إن الله لا يظلم الناس شيئا} {إن الله لا يظلم مثقال ذرة}
وقد أجيب عنه باثني عشر جوابا:
أحدهما: أن "ظلاما" وإن كان يراد به الكثرة لكنه جاء في مقابله العبيد وهو جمع كثرة إذا قوبل بهم الظلم كان كثيرا
ويرشح هذا الجواب أنه سبحانه وتعالى قال في موضع آخر: {علا م الغيوب} فقابل صيغة "فعال" بالجمع وقال في موضع آخر: {عالم الغيب} فقابل صيغة "فاعل" الدالة على أصل الفعل بالواحد وهذا قريب من الجواب عن قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} حيث احتج به المعتزلة على تفضيل الملائكة على الأنبياء
ج ٢ · ص ٥١١
وجوابه أنه قابل عيسى بمفرده بمجموع الملائكة وليس النزاع في تفضيل الجمع على الواحد
الثاني: أنه نفى الظلم الكثير فينتفي القليل ضرورة لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة ظلمه في حق من يجوز عليه النفع كان الظلم القليل في المنفعة أكثر
الثالث: أنه على النسب واختاره ابن مالك وحكاه في شرح الكافية عن المحققين أي: "ذا ظلم" كقوله: "وليس بنبال" أي: بذي نبل أي: لا ينسب إلى الظلم فيكون من باب بزاز وعطار
الرابع: أن فعالا قد جاء غير مراد به الكثرة كقوله طرفة:
ولست بحلال التلاع مخافة
ولكن متى يسترفد القوم أرفد
لا يريد أنه يحل التلاع قليلا لأن ذلك يدفعه قوله: "يسترفد القوم أرفد" هذا يدل على نفي الحال في كل حال لأن تمام المدح لا يحصل بإيراد الكثرة
الخامس: أن أقل القليل لو ورد منه سبحانه وقد جل عنه لكان كثيرا لاستغنائه عنه كما يقال زلة العالم كبيرة
ذكره الحريري في الدرة قال: وإليه أشار المخزومي في قوله:
كفوفة الظفر تخفى من حقارتها
ومثلها في سواد العين مشهور