تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٢٠٧ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٢٠٠

أو جوابا لسؤال مقدر كقراءة: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} ببناء الفعل للمفعول فإن التقدير: يسبحه رجال.

وفيه فوائد: منها: الإخبار بالفعل مرتين. ومنها جعل الفضلة عمدة.

ومنها: أن الفاعل فسر بعد اليأس منه كضالة وجدها بعد اليأس، ويصح أن يكون "يسبح" بدل من "يذكر"على طريقة: {سبح اسم ربك الأعلى} و"له فيها" خبر مبتدأ هو "رجال".

مثله قراءة من قرأ: {زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} ، قال أبو العباس: المعنى زينه شركاؤهم فيرفع الشركاء بفعل مضمر دل عليه "زين".

ومثله قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء} إن جعلنا قوله "لله شركاء" مفعولي "جعلوا" لأن لله في موضع الخبر المنسوخ وشركاء نصب في موضع المبتدأ وعلى هذا فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولا بفعل محذوف دل عليه سؤال مقدر كأنه قيل: أجعلوا لله شركاء قيل جعلوا الجن فيفيد الكلام إنكار الشريك مطلقا فدخل اعتقاد الشريك من غير الجن في إنكار دخول اتخاذه من الجن.

والثاني: ذكره الزمخشري أن الجن بدل من "شركاء" فيفيد إنكار الشريك مطلقا كما سبق وإن جعل "لله" صلة كان "شركاء الجن" مفعولين قدم ثانيهما على أولهما وعلى هذا فلا حذف.

فأما على الوجه الأول فقيل: {وجعلوا لله شركاء الجن} ولم يقل: "وجعلوا.

ج ٣ · ص ٢٠١

الجن شركاء لله" تعظيما لاسم الله تعالى لأن شأن الله أعظم في النفوس فإذا قدم "لله" والكلام فيه يستدعي طلب المجعول له ما هو؟ فقيل: شركاء وقع في غاية التشنيع لأن النفس منتظرة لهذا المهم المعلق بهذا المعظم نهاية التعظيم فإذا علم أنه علق به هذا المستبشع في النهاية كان أعظم موقعا من العكس لأنه إذا قيل: وجعلوا شركاء لم يعطه تشوف النفوس لجواز أن يكون: جعلوا شركاء في أموالهم وصدقاتهم أو غير ذلك.

الثالث: أن الجعل غالبا لا يتعلق بالله ويخبر به إلا وهو جعل مستقبح كاذب إذ لا يستعمل جعل الله رحمة ومشيئة وعلما ونحوه لا سيما بالاستقراء القرآني ك {ويجعلون لله البنات} {ويجعلون لله ما يكرهون} إلى غير ذلك.

الرابع: أن أصل الجعل وإن جاز وإسناده إلى الله فيما إذا كان الأمر لائقا فإن بابه مهول لأن الله تعالى قد علمنا عظيم خطره وألا نقول فيه إلا بالعلم كقوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} ، إلى غير ذلك، مع ما دل عليه الأدب عقلا وكان نفس الجعل مستنكرا إن لم يتبع بمجعول لائق فإذا أتبع بمجعول غير لائق منهم ثم فسر بخاص مستنكر صار قوله: {وجعلوا لله شركاء الجن} في قوة إنكار ذلك ثلاث مرات الأول جسارتهم في أصل الجعل الثاني في كون المجعول شركاء الثالث في أنهم شركاء جن.

الخامس: أن في تقديم "لله" إفادة تخصيصهم إياه بالشركة على الوجه الثالث دون جميع ما يعبدون لأنه الإله الحق.

السادس: أنه جيء بكلمة "جعلوا" لا "اعتقدوا" ولا "قالوا" لأنه أدل على إثبات المعتقد لأنه يستعمل في الخلق والإبداع.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م