تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٢٣٢
القول في التقديم والتأخير.
هو أحد أساليب البلاغة فإنهم أتوا به دلالة على تمكنهم في الفصاحة وملكتهم في الكلام وانقياده لهم وله في القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق.
وقد اختلف في عده من المجاز فمنهم من عده منه لأنه تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل نقل كل واحد منهما عن رتبته وحقه.
والصحيح أنه ليس منه فإن المجاز نقل ما وضع له إلى ما لم يوضع.
ويقع الكلام فيه في فصول.
الفصل الأول: في أسباب التقديم والتأخير.
الأول: في أسبابه، وهي كثيرة:.
أحدها: أن يكون أصله التقديم ولا مقتضى للعدول عنه كتقديم الفاعل على المفعول والمبتدأ على الخبر وصاحب الحال عليها نحو جاء زيد راكبا.
والثاني: أن يكون في التأخير إخلال ببيان المعنى كقوله تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} ، فإنه لو أخر قوله: {من آل فرعون} فلا يفهم أنه منهم.
وجعل السكاكي من الأسباب كون التأخير مانعا مثل الإخلال بالمقصود،.
ج ٣ · ص ٢٣٣
كقوله تعالى: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا} بتقديم الحال أعني {من قومه} على الوصف أعني {الذين كفروا} ولو تأخر لتوهم أنه من صفة الدنيا لأنها هاهنا اسم تفضيل من الدنو وليست اسما والدنو يتعدى ب"من" وحينئذ يشتبه الأمر في القائلين أنهم أهم من قومه أم لا فقدم لاشتمال التأخير على الإخلال ببيان المعنى المقصود وهو كون القائلين من قومه وحين أمن هذا الإخلال بالتأخير قال تعالى في موضع آخر من هذه السورة: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم} بتأخير المجرور عن صفة المرفوع.
الثالث: أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب فيقدم لمشاكلة الكلام ولرعاية الفاصلة كقوله: {واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} ، بتقديم "إياه" على "تعبدون" لمشاكلة رءوس الآي وكقوله: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} فإنه لو أخر {في نفسه} عن {موسى} فات تناسب الفواصل لأن قبله: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} وبعده،: {إنك أنت الأعلى} .
وكقوله: {وتغشى وجوههم النار} فإن تأخير الفاعل عن المفعول لمناسبته لما بعده.
وكقوله: {إن الله سريع الحساب} ، وهو أشكل بما قبله لأن قبله: {مقرنين في الأصفاد} .