تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٢٦٤ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٢٥٧

وقوله: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار} .

وأما تقديم الجن في مواضع أخر كقوله: {يا معشر الجن والإنس} فلأنهم أقدم في الخلق فيكون من النوع الأول - أعني التقديم بالزمان - ولهذا لما أخر في آية الحجر صرح بالقبلية بذكر الإنسان ثم قال: {والجان خلقناه من قبل} .

ويجوز أن يكون في الأمثلة السالفة من باب تقديم الأعجب لأن خلقها أغرب كقوله تعالى: {فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} .

أو لأنهم أقوى أجساما وأعظم أقداما ولهذا قدموا في: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض} وفي: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير} .

ومنه تقديم السجد على الراكعين في قوله: {واسجدي واركعي مع الراكعين} وسبق فيه شيء آخر.

ومنه تقديم الخيل على البغال والبغال على الحمير في قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} .

ومنه تقديم الذهب على الفضة في قوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة} .

ج ٣ · ص ٢٥٨

فإن قلت: فهل يجوز أن يكون من تقديم المذكر على المؤنث؟.

قلت: هيهات الذهب أيضا مؤنت ولهذا يصغر على ذهيبة ك"قدم".

ومنه تقديم الصوف في قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} ولهذا احتج به بعض الصوفية على اختيار لبس الصوف على غيره من الملابس وأنه شعار الملائكة في قوله: {مسومين} قيل: سيماهم يؤمئذ الصوف. وعن علي: الصوف الأبيض رواه أبو نعيم في مدح الصوف وقال: إنه شعار الأنبياء. وقال ابن مسعود: " كانت الأنبياء قبلكم يلبسون الصوف " وفي الصحيح في موسى عليه السلام: " عليه عباءة ".

منه تقديم الشمس على القمر في قوله تعالى: {والشمس والقمر} وقوله: {وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا} ولهذا قال تعالى: {جعل الشمس ضياء والقمر نورا} ، والحكماء يقولون: إن نور القمر مستمد من نور الشمس، قال الشاعر:

يا مفردا بالحسن والشكل من دل عينيك على قتلي

البدر من شمس الضحى نوره والشمس من نورك تستملي

وأما قوله تعالى: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} فيحتمل وجهين مناسبة رءوس الآي أو أن انتفاع أهل السموات به أكثر قال ابن الأنباري يقال إن القمر وجهه يضيء لأهل الشمس.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م