تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٢٥٧
وقوله: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار} .
وأما تقديم الجن في مواضع أخر كقوله: {يا معشر الجن والإنس} فلأنهم أقدم في الخلق فيكون من النوع الأول - أعني التقديم بالزمان - ولهذا لما أخر في آية الحجر صرح بالقبلية بذكر الإنسان ثم قال: {والجان خلقناه من قبل} .
ويجوز أن يكون في الأمثلة السالفة من باب تقديم الأعجب لأن خلقها أغرب كقوله تعالى: {فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} .
أو لأنهم أقوى أجساما وأعظم أقداما ولهذا قدموا في: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض} وفي: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير} .
ومنه تقديم السجد على الراكعين في قوله: {واسجدي واركعي مع الراكعين} وسبق فيه شيء آخر.
ومنه تقديم الخيل على البغال والبغال على الحمير في قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} .
ومنه تقديم الذهب على الفضة في قوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة} .
ج ٣ · ص ٢٥٨
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون من تقديم المذكر على المؤنث؟.
قلت: هيهات الذهب أيضا مؤنت ولهذا يصغر على ذهيبة ك"قدم".
ومنه تقديم الصوف في قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} ولهذا احتج به بعض الصوفية على اختيار لبس الصوف على غيره من الملابس وأنه شعار الملائكة في قوله: {مسومين} قيل: سيماهم يؤمئذ الصوف. وعن علي: الصوف الأبيض رواه أبو نعيم في مدح الصوف وقال: إنه شعار الأنبياء. وقال ابن مسعود: " كانت الأنبياء قبلكم يلبسون الصوف " وفي الصحيح في موسى عليه السلام: " عليه عباءة ".
منه تقديم الشمس على القمر في قوله تعالى: {والشمس والقمر} وقوله: {وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا} ولهذا قال تعالى: {جعل الشمس ضياء والقمر نورا} ، والحكماء يقولون: إن نور القمر مستمد من نور الشمس، قال الشاعر:
يا مفردا بالحسن والشكل من دل عينيك على قتلي
البدر من شمس الضحى نوره والشمس من نورك تستملي
وأما قوله تعالى: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} فيحتمل وجهين مناسبة رءوس الآي أو أن انتفاع أهل السموات به أكثر قال ابن الأنباري يقال إن القمر وجهه يضيء لأهل الشمس.