تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٢٧٠
لأنه لا يلزم من سلب الأعلى سلب ما دونه كما تقول ليس زيد بسلطان ولا وزير ولا أمير ولا وال والغرض من الآية المبالغة في الذم.
قلت: ما ذكرته طريق حسنة في علم المعاني والمقصود من الآية طريقة أخرى وهي أنه تعالى أثبت أن الأصنام التي تعبدها الكفار أمثال الكفار في أنها مقهورة مربوبة ثم حطها عن درجة المثلية بنفي هذه الصفات الثابتة للكفار عنها. وقد علمت أن المماثلة بين الذوات المتنائية إنما تكون باعتبار الصفات الجامعة بينها إذ هي أسباب في ثبوت المماثلة بينها وتقوى المماثلة بقوة أسبابها وتضعف بضعفها فإذا سلب وصف ثابت لإحدى الذاتين عن الأخرى انتفى وجه من المماثلة بينهما ثم إذا سلب وصف من الأول انتفى وجه من المماثلة أقوى من الأول ثم لا يزال يسلب أسباب المماثلة أقواها فأقواها حتى تنتفي المماثلة كلها بهذا التدريج وهذه الطريقة ألطف من سلب أسباب المماثلة أقواها ثم أضعفها فأضعفها.
الثامن عشر: مراعاة الإفراد.
فإن المفرد سابق على الجمع كقوله تعالى: {المال والبنون} ، وقوله: {من مال وبنين} ولهذا لما عبر عن المال بالجمع أخر عن البنين في قوله: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} .
ج ٣ · ص ٢٧١
ومنه تقديم الوصف بالمفرد على الوصف بالجملة، في قوله: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} وقوله: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} .
التاسع عشر: التحذير منه والتنفير عنه.
كقوله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} ، قرن الزنى بالشرك وقدمه.
وقوله: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة} قدمهن في الذكر لأن المحنة بهن أعظم من المحنة بالأولاد وفي صحيح مسلم: "ما تركت بعدي [في الناس] فتنة أضر على الرجال من النساء". ومن الحكمة العظيمة أنه بدأ بذكر النساء في الدنيا وختم [الحرث] وهما طرفان متشابهان وفيهما الشهوة والمعاش الدنيوي ولما ذكر بعد ذلك ما أعده للمتقين أخر ذكر الأزواج كما يجب في الترتيب الأخروي وختم بالرضوان. وكم في القرآن من مثل هذا العجب إذا حضر له الذهن وفرغ له الفهم!.
ومنه تقديم نفي الولد على نفي الوالد في قوله: {لم يلد ولم يولد} فإنه لما وقع في الأول منازعة الكفرة وتقولهم اقتضت الرتبة بالطبع تقديمه في الذكر اعتناء به قبل التنزيه عن الوالد الذي لم ينازع فيه أحد من الأمم.
العشرون: التخويف منه.
كقوله تعالى: {فمنهم شقي وسعيد} ونظائره السابقة في الثامن.