تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٣١٣
الالتفات.
وفيه مباحث:.
الأول: في حقيقة.
وهو نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر تطرية واستدرارا للسامع وتجديدا لنشاطه وصيانة لخاطره من الملال والضجر بدوام الأسلوب الواحد على سمعه كما قيل:
لا يصلح النفس إن كانت مصرفة ... إلا التنقل من حال إلى حال
قال حازم في "منهاج البلغاء": وهم يسأمون الاستمرار على ضمير متكلم أو ضمير مخاطب فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة وكذلك أيضا يتلاعب المتكلم بضميره فتارة يجعله تاء على جهة الإخبار عن نفسه وتارة يجعله كافا فيجعل نفسه مخاطبا وتارة يجعله هاء فيقيم نفسه مقام الغائب. فلذلك كان الكلام المتوالي فيه ضمير المتكلم والمخاطب لا يستطاب وإنما يحسن الانتقال من بعضها إلى بعض وهو نقل معنوي لا لفظي وشرطه أن يكون الضمير في المتنقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى الملتف عنه ليخرج نحو أكرم زيدا وأحسن إليه فضمير أنت الذي هو في أكرم غير الضمير في إليه.
واعلم أن للمتكلم والخطاب والغيبة مقامات والمشهور أن الالتفات هو الانتقال من أحدها إلى الآخر بعد التعبير بالأول.
ج ٣ · ص ٣١٤
وقال السكاكي: إما ذلك وإما التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره.
البحث الثاني في أقسامه.
وهي كثيرة:.
الأول: الالتفات من التكلم إلى الخطاب.
ووجهه حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأنه أعطاه فضل عنايةوتخصيص بالمواجهة كقوله تعالى: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} ، الأصل: "وإليه أرجع" فالتفت من التكلم إلى الخطاب وفائدته أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه وهو يريد نصح قومه تلطفا وإعلاما أنه يريده لنفسه ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله.
وأيضا فإن قومه لما أنكروا عليه عبادته لله أخرج الكلام معهم بحسب حالهم فاحتج عليهم بأنه يقبح منه أنه لا يعبد فاطره ومبدعه ثم حذرهم بقوله: {وإليه ترجعون} .
لذا جعلوه من الالتفات وفيه نظر لأنه إنما يكون منه إذا كان القصد الإخبار عن نفسه في كلتا الجملتين وهاهنا ليس كذلك لجواز أن يكون أراد بقوله: {وإليه ترجعون} الخاطبين ولم يرد نفسه ويؤيده ضمير الجمع ولو أراد نفسه لقال: [نرجع] .