تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٣١٦
وأنه في كلامه ليس ممن يتلون ويتوجه فيكون في المضمر ونحوه ذا لونين وأراد بالانتقال إلى الغيبة الإبقاء على المخاطب من قرعه في الوجه بسهام الهجر فالغيبة أروح له وأبقى على ماء وجهه أن يفوت كقوله: {إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك} حيث لم يقل: [لنا] تحريضا على فعل الصلاة لحق الربوبية.
وقوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم} .
وقوله: {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} إلى قوله: {فآمنوا بالله ورسوله} ولم يقل: [بي] .و.
له فائدتان:.
إحداهما: دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها، والثاني: تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة من النبوة والأمية التي هي أكبر دليل على صدقه وأنه لا يستحق الاتباع لذاته بل لهذه الخصائص.
الثالث: من الخطاب إلى التكلم.
كقوله: {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا} ، وهذا إنما يتمشى على قول من لم يشترط أن يكون المراد بالالتفات واحدا فأما من اشترطه فلا يحسن أن يمثل به ويمكن أن يمثل بقوله تعالى: {قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} على أنه سبحانه نزل نفسه منزلة المخاطب.
ج ٣ · ص ٣١٧
الرابع: من الخطاب إلى الغيبة.
كقوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} فقد التفت عن {كنتم} إلى {جرين بهم} وفائدة العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم لتعجبه من فعلهم وكفرهم إذ لو استمر علىخطابهم لفاتت تلك الفائدة.
وقيل: لأن الخطاب أولا كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل قوله: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} فلو قال: [وجرين بكم] للزم الذم للجميع فالتفت عن الأول للإشارة إلى الاختصاص بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية فعدل عن الخطاب العام إلى الذم الخاص ببعضهم وهم الموصوفون بما أخبر به عنهم.
وقيل: لأنهم وقت الركوب حصروا لأنهم خافوا الهلاك وتقلب الرياح فناداهم نداء الحاضرين ثم إن الرياح لما جرت بما تشتهي النفوس وأمنت الهلاك لم يبق حضورهم كما كان على ما هي عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب فلما غابوا عند جريه بريح طيبة فكرهم الله بصيغة الغيبة فقال: {وجرين بهم} .
وقوله: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} ثم قال: {يطاف عليهم} فانتقل عن الخطاب إلى الغيبة ولو ربط بما قبله لقال:" يطاف عليكم" لأنه مخاطب لا مخبر ثم التفت فقال: {وأنتم فيها خالدون} فكرر الالتفات.
وقوله: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} .