تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٣٣٧
التضمين.
وهو إعطاء الشيء معنى الشيء وتارة يكون في الأسماء وفي الأفعال وفي الحروف فأما في الأسماء فهو أن تضمن اسما معنى اسم لإفادة معنى الاسمين جميعا كقوله تعالى: {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} ضمن حقيق معنى حريص ليفيد أنه محقوق بقول الحق وحريص عليه.
وأما الأفعال فأن تضمن فعلا معنى فعل آخر ويكون فيه معنى الفعلين جميعا وذلك بأن يكون الفعل يتعدى بحرف فيأتي متعديا بحرف آخر ليس من عادته التعدي به فيحتاج إما إلى تأويله أو تأويل الفعل ليصح تعديه به.
واختلفوا أيهما أولى فذهب أهل اللغة وجماعة من النحويين إلى أن التوسع في الحرف وأنه واقع موقع غيره من الحروف أولى.
وذهب المحققون إلى أن التوسع في الفعل وتعديته بما لا يتعدى لتضمنه معنى ما يتعدى بذلك الحرف أولى لأن التوسع في الأفعال أكثر.
مثاله قوله تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله} فضمن [يشرب] معنى [يروي] لأنه لا يتعدى بالباء فلذلك دخلت الباء وإلا ف[يشرب] يتعدى بنفسه فأريد باللفظ الشرب والري معا فجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد.
وقيل التجوز في الحرف وهو الباء فإنها بمعنى [من] .
وقيل لا مجاز أصلا بل العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء،.
ج ٣ · ص ٣٣٨
لا إلى الماء نفسه نحو نزلت بعين فصار كقوله: مكانا يشرب به.
وعلى هذا: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} ، قاله الراغب.
وهذا بخلاف المجاز فإن فيه العدول عن مسماه بالكلية ويراد به غيره كقوله: {جدارا يريد أن ينقض} ، فإنه استعمل [أراد] في معنى مقاربة السقوط لأنه من لوازم الإرادة وإن من أراد شيئا فقد قارب فعلهولم يرد باللفظ هذا المعنى الحقيقي الذي هو الإرادة ألبتة. والتضمين أيضا مجاز لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا والجمع بينهما مجاز خاص يسمونه بالتضمين تفرقة بينه وبين المجاز المطلق.
ومن التضمين قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} لأنه لا يقال: رفثت إلى المرأة لكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك.
وهكذا قوله: {هل لك إلى أن تزكى} وإنما يقال: هل لك في كذا؟ لكن المعنى أدعوك إلى أن تزكى.
وقوله: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} ، فجاء ب[من] لأنه ضمن التوبة معنى العفو والصفح.
وقوله: {إذا خلوا إلى شياطينهم} ، وإنما يقال: خلوت به لكن ضمن [خلوا] معنى [ذهبوا] [وانصرفوا] وهو معادل لقوله لقوا وهذا أولى من قول من قال: إن [إلى] هنا بمعنى [الباء] أو بمعنى [مع] .
وقال مكي: إنما لم تأت الباء لأنه يقال خلوت به إذا سخرت منه فأتى ب[إلى] لدفع هذا الوهم.