تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٣٦٣ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٣٥٦

{فيما عرضتم به من خطبة النساء} فالمراد منها واحد والجواب عن أحدهما الجواب عن الآخر.

وقوله تعالى: {من كل الثمرات} {إن تبدوا الصدقات} {الصابرين والصادقين} الآية. {والمؤمنين والمؤمنات} الآية. ولا تحصى كثرة.

ومن شواهد مجيء جمع القلة مرادا به الكثرة قول حسان رضي الله عنه:

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

وحكي أن النابغة قال له:

قد قللت جفتاك وأسيافك ...

وطعن الفارسي في هذه الحكاية لوجود وضع جمع القلة موضع الكثرة فيما له جمع كثرة وفيما لا جمع له كثرة في كلامهم وصححها بعضهم قال يعني أنه كان ينبغي لحسان تجنب اللفظ الذي أصله أن يكون في القلة وإن كان جائزا في اللسان وضعه لقرينة إذا كان الموضع موضع مدح أو أنه وإن كانت القلة لمعنى الكثرة لكن ليس في كل مقام.

ومن المشكل قوله تعالى: {فيضاعفه له أضعافا كثيرة} فإن أضعافا جمع قلة فكيف جاء بعد كثرة!.

والجواب أن جمع القلة يستعمل مرادا به الكثرة وهذا منه.

تنبيهان:.

الأول: إنما يسأل عن حكمة ذلك حيث كان له جمع كثرة فإن لم يكن فلا.

ج ٣ · ص ٣٥٧

كقوله: {أياما معدودات} فإن أياما أفعال مع أنها ثلاثون لكن ليس لليوم جمع غيره ومن ثم أفرد السمع وجمع الأبصار في قوله: {وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} لأن فعلا ساكن العين صحيحها لا يجمع على أفعال غالبا وليس له جمع تكسير فلما كان كذلك اكتفى بدلالة الجنس على الجمع.

وجعل بعضهم من هذا أنفسكم على كثرتها في القرآن وليس كذلك فقد جاء {وإذا النفوس زوجت} وحكمته هنا ظاهرة لأن المراد استعياب جميع الخلق في المحشر.

ونظيره: {من كل الثمرات} لإمكان الثمار وليس رأس آية.

منه: {آيات محكمات} لإمكان آي ولا يقال إنه لطلب المشاكلة فقد قال تعالى بعده: {وأخر متشابهات} فدل على عدم المشاكلة لإمكان أخريات.

وكذلك قوله: {تجري من تحتها الأنهار} وليس رأس آية ولا فيه مشاكلة لإمكان الأنهر.

وقد جاء أنفس للقلة، كقوله: {وأنفسنا وأنفسكم} وقيل: المراد نفسان من باب: {فقد صغت قلوبكما} .

الثاني إنما يتم في المنكر أما المعرف فيستغنى بالعموم عن ذلك وبهذا يخدش في كثير مما سبق جعله من هذا النوع. وقد قال الزمخشري في قوله تعالى: {من الثمرات} : إنه جمع قلة وضع موضع جمع الكثرة ورد عليه بأن [ال] في الثمرات للعموم فيصير كالثمار ولا حاجة إلى ارتكاب وضع جمع قلة موضع جمع كثرة وكذلك بيت حسان السابق فإن الجفنات معرفة [أل] وأسيافنا مضاف ليعم.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م