تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٣٨١ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٣٧٤

أي ولا تزال ظالمة وحينئذ فالمعنى منصب إلى الإنزال لا إلى الرؤية ولا شك أنه يصح أن يقال إن أنزل تصبح فقد انعقد الشرط والجزاء.

قلت: إلغاء فعل الرؤية في كلامهم جائز لا واجب فمن أين لنا ما يقتضي تعيين حمل الآية عليه؟.

الثالث: إن همزة الاستفهام إذا دخلت على موجب تقلبه إلى النفي، كقوله تعالى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} ، وإذا دخلت على نفي تقلبه إلى الإيجاب فالهمزة في الآية للتقرير فلما انتقل الكلام من النفي إلى الإيجاب لم ينتصب الفعل لأن شرط النفي كون السابق منفيا محضا: ذكره العزيزي في "البرهان".

ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة السجدة: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا} .

الرابع: أنه لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار فكان ينقلب النصب إلى نفي الاخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت فتشكر إن نصبت فأنت ناف لشكره شاك تفريطه وإن رفعت فأنت مثبت لشكره. ذكر هذا الزمخشري في الكشاف قال وهذا ومثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله.

وقال ابن الخباز: النصب يفسد المعنى لأن رؤية المخاطب الماء الذي أنزله الله ليس سببا للاخضرار وإنما الماء نفسه هو سبب الاخضرار.

ومنه قوله تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت} ،.

ج ٣ · ص ٣٧٥

فقال: [تثير] مضارعا وما قبله وما بعده ماضيا مبالغة في تحقيق إثارة الرياح الساحب للسامعين وتقدير تصوره في أذهانهم.

فإن قيل: أهم الأفعال المذكورة في الآية إحياء الموتى وقد ذكر بلفظ الماضي وما ذكرته يقتضي أولوية ذكره بلفظ المضارع إذ هو أهم وإثارة السحاب سبب أعيد على قريب.

قيل: لا نسلم بأهمية إحياء الأرض بعد موتها فالمقدمات المذكورة أهمها وأدلها على القدرة أعجبها وأبعدها عن قدرة البشر وإثارة السحاب أعجبها فكان أولى بالتخصيص بالمضارع وإنما قال: إن إثارة السحاب أعجب لأن سببها أخفى من حيث أنا نعلم بالفعل أن نزول الماء سبب في اخضرار الأرض وإثارة السحاب وسوقه سبب نزول الماء.

فلو خلينا وظاهر العقل لم نقل أن الرياح سببها لعدم إحساسنا بمادة السحاب وجهته.

ومن لواحق ذلك العدول عن المستقبل إلى اسم المفعول لتضمنه معنى الماضي، كقوله: {يوم مجموع له الناس} ، تقريرا للجمع فيه وأنه لا بد أن يكون معادا للناس مضروبا لجميعهم وإن شئت فوازن بينه وبين قوله: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} ، لتعرف صحة هذا المعنى.

فإن قلت: الماضي أدل على المقصود من اسم المفعول فلم عدل عنه إلى ما دلالته أضعف؟ قلت: لتحصل المناسبة بين [مجموع] و [مشهور] في استواء شأنهما طلبا للتعديل في العبارة.

ومنه العدول عن المستقبل إلى اسم الفاعل، كقوله تعالى: {وإن الدين لواقع} فإن اسم الفاعل ليس حقيقة في الاستقبال بل في الحال.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م