تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٤١٧
لأنها بنت على العادة وهو أن السرير لا ينتقل من إقليم إلى آخر في طرفة عين.
وأما التشبيه بغير حرف، فيقصد به المبالغة تنزيلا للثاني منزلة الأول تجوزا، كقوله: {وأزواجه أمهاتهم} .
وقوله: {وسراجا منيرا} .
وقوله: {وجنة عرضها السماوات والأرض} .
وكذلك: {تمر مر السحاب} .
وجعل الفارسي منه قوله تعالى: {قواريرا. قوارير من فضة} أي كأنها في بياضها من فضة فهو على التشبيه لا على أن القوارير من فضة بدليل قوله: {بكأس من معين بيضاء} ، فقوله: [بيضاء] مثل قوله: [من فضة] .
تنبيهان:.
الأول: هذا القسم يشبه الاستعارة في بعض المواضع والفرق بينهما -كما قاله حازم وغيره - أن الاستعارة وإن كان فيها معنى التشبيه فتقدير حرف التشبيه لا يجوز فيها والتشبيه بغير حرف على خلاف ذلك لأن تقدير حرف التشبيه واجب فيه.
وقال الرماني في قوله تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} أي تبصرة لأنه لا يجوز تقدير حرف التشبيه فيها.
ج ٣ · ص ٤١٨
وقد اختلف البيانيون في نحو قوله تعالى: {صم بكم عمي} إنه تشبيه بليغ أو استعارة؟ والمحققون -كما قاله الزمخشري - على الأول قال: لأن المستعار له مذكور - وهم المنافقون - أي مذكور في تقدير الآية والاستعارة لا يذكر فيها المستعار له ويجعل الكلام خلوا عنه بحيث يصلح لأن يراد به المنقول عنه و [المنقول] إليه لولا لا قرينة ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عنه صفحا.
وقال السكاكي: لأن من شرط الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر وتناسي التشبيه وزيد أسد لا يمكن كونه حقيقة فلا يجوز أن يكون استعارة.
الثاني: قد يترك التشبيه لفظا ويراد معنى إذ لم يرد معنى ولم يكن منويا كان استعارة.
مثاله قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ، فهذا تشبيه لا استعارة لذكر الطرفين الخيط الأسود وهو ما يمتد معه من غسق الليل شبيها بخيط أسود وأبيض وبينا بقوله: {من الفجر} والفجر - وإن كان بيانا للخيط الأبيض - لكن لما كان أحدهما بيانا للآخر لدلالته عليه اكتفي به عنه ولولا البيان كان من باب الاستعارة كما أن قولك رأيت أسدا استعارة فإذا زدت من فلان، صار تشبيها وأما أنه لم زيد [من الفجر] حتى صار تشبيها؟ وهلا اقتصر به.