تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٤٢٢
ومن تشبيه المفرد بالمركب قوله: {مثل نوره كمشكاة} فإنه سبحانه أراد تشبيه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن ثم مثله بمصباح ثم لم يقنع بكل مصباح بل بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة بوضعه في مشكاة وهي الطاقة غير النافذة وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للتبصر وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة فيه الكوكب الدري في صفاتها وذهن المصباح من أصفى الأدهان وأقواها وقودا لأنه من زيت شجر في أوسط الزجاج لا شرقية ولا غربية فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار بل تصيبها أعدل إصابة.
وهذا مثل ضربه الله للمؤمن ثم ضرب للكافر مثلين: أحدهما: {كسراب بقيعة يحسبه} ، والثاني: {أو كظلمات في بحر لجي} شبه في الأول ما يعلمه من لا يقدر الإيمان المعتبر بالأعمال التي يحسبها بقيعة ثم يخيب أمله بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم القيامة فيجيئه فلا يجده ماء ويجد زبانية الله عنده فيأخذونه فيلقونه إلى جهنم.
البحث السادس.
ينتظم قواعد تتعلق بالتشبيه.
الأولى: قد تشبه أشياء بأشياء ثم تارة يصرح بذكر المشبهات كقوله تعالى:.
ج ٣ · ص ٤٢٣
{وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} وتارة لا يصرح به بل يجيء مطويا على سنن الاستعارة كقوله: {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج} ، {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} الآية.
قال الزمخشري: والذي عليه علماء البيان أن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة لا المفردة بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى [معزولا بعضها من بعض لم يأخذ هذا بحجزه ذاك] فتشبهها بنظائرها كما ذكرنا، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء تضامت حتى صارت شيئا واحدا بأخرى كقوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة} الآية.
ونظائره من حيث اجتمعت تشبيهات كما في تمثيل الله حال المنافقين أول سورة البقرة، قال الزمخشري: وأبلغه الثاني لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ولذلك أخر قال وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ.
الثانية: أعلى مراتب التشبيه في الأبلغية ترك وجه الشبه وأداته نحو زيد أسد أما ترك وجهه وحده فكقوله زيد كالأسد وأما ترك أداته وحدها فكقوله: زيد الأسد شدة.
وفي كلام صاحب "المفتاح" إشارة إلى أن ترك وجه الشبه أبلغ من ترك أداته قال: لعموم وجه الشبه.