تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٤٢٥
وأما قوله تعالى: {مثل نوره كمشكاة} فيمكن أن يكون المشبه به أقوى لكونه في الذهن أوضح إذ الإحاطة به أتم.
وأما قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} فهو من تشبيه الغريب بالأغرب لأن خلق آدم من خلق عيسى ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس وفيه دليل على جواز القياس وهو رد فرع إلى أصل لشبه ما لأن عيسى رد إلى آدم لشبه بينهما والمعنى أن آدم خلق من تراب ولم يكن له أب ولا أم فكذلك خلق عيسى من غير أب.
وقوله: {كأنهم خشب مسندة} شبههم بالخشب لأنه لا روح فيها وبالمسندة لأنه لا انتفاع بالخشب في حال تسنيده.
الخامسة: الأصل دخول أداة التشبيه على المشبه به وهو الكامل كقولك: ليس الفضة كالذهب وليس العبد كالحر وقد تدخل على المشبه لأسباب:.
منها وضوح الحال، كقوله تعالى: {وليس الذكر كالأنثى} فإن الأصل وليس الأنثى كالذكر وإنما عدل عن الأصل لأن معنى: {وليس الذكر} الذي طلبت {كالأنثى} التي وهبت لها لأن الأنثى أفضل منه وقيل: لمراعاة الفواصل لأن قبله: {إني وضعتها أنثى} .
ووهم ابن الزملكاني في "البرهان" حيث زعم أن هذا من التشبيه المقلوب وليس كذلك لما ذكرنا من المعنى.
ج ٣ · ص ٤٢٦
وقيل: لما كان جعل الفرع أصلا والأصل فرعا في التشبيه في حالة الإثبات يقتضي المبالغة في التشبيه كقولهم: القمر كوجه زيد والبحر ككفيه كان جعل الأصل فرعا والفرح أصلا في كماله الذي يقتضي نفي المبالغة في المشابهة لا نفي المشابهة وذلك هو المقصود هنا لأن المشابهة واقعة بين الذكر والأنثى في أعم الأوصاف وأغلبها ولهذا يقاد أحدهما بالآخر.
ومنها قصد المبالغة، فيقلب التشبيه ويجعل المشبه هو الأصل ويسمى تشبيه العكس لاشتماله على جعل المشبه مشبها به والمشبه به مشبها، كقوله تعالى: {قالوا إنما البيع مثل الربا} كان الأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع لكن عدلوا عن ذلك وتجرءوا إذ جعلوا الربا أصلا ملحقا به البيع في الجواز وأنه الخليق بالحل.
ويحتمل أن يكون المراد إلزام الإسلام فيحرم البيع قياسا على الربا لاشتماله على الفضل طردا لأصلهم وهو في المعنى نقض على علة التحريم ويؤيده قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وفيه إشارة إلى أن الواجب اتباع أحكام الله واقتفاؤها من غير تعرض لإجرائها على قانون واحد وأن الأسرار الإلهية كثيرا ما تخفى وهو أعلم بمصالح عباده فيسلم له عنان الانقياد وأنهم جعلوا ذلك من باب إلزام الجدلي وجاء الجواب بفك الملازمة وأن الحكمة فرقت بينهما وفيه إبطال القياس في مقابلة النص.
ومنه قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} فإن الظاهر العكس لأن.