تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٤٣٤ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٤٢٧

الخطاب لعبدة الأوثان وسموها آلهة تشبهيا بالله سبحانه وقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتهم وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة والخالق سبحانه فرعا فجاء الإشكال على وفق ذلك.

والظاهر أنهم لما قاسوا غير الخالق خوطبوا بأشد الإلزامين وهو تنقيص المقدس لا تقديس الناقص.

قال السكاكي: وعندي أن المراد ب[من لا يخلق] الحي القادر من الخلق تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام بالله تعالى من طريق الأولى. وجعل منه قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} بدل [هواه إلهه] فإنه جعل المفعول الأول ثانيا والثاني أولا للتنبيه على أن الهوى أقوى وأوثق عنده من إلاهه.

ومنه قوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} .

وقوله: {أم نجعل المتقين كالفجار} ، فإن بعضهم أورد أن أصل التشبيه يشبه الأدنى بالأعلى فيقال: [أفتجعل المجرمين كالمسلمين والفجار كالمتقين] فلم خولفت القاعدة!.

ويقال: فيه وجهان:.

أحدهما: أن الكفار كانوا يقولون: نحن نسود في الآخرة كما نسود في الدنيا ويكونون أتباعا لنا فكما أعزنا الله في هذه الدار يعزنا في الآخرة فجاء الجواب على معتقدهم أنهم أعلى وغيرهم أدنى.

الثاني: لما قيل قبل الآية: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك.

ج ٣ · ص ٤٢٨

ظن الذين كفروا} أي يظنون أن الأمر يهمل وأن لا حشر ولا نشر أم لم يظنوا ذلك ولكن يظنون أنا نجعل المؤمنين كالمجرمين والمتقين كالفجار.

السادسة: أن التشبيه في الذم يشبه الأعلى بالأدنى، لأن الذم مقام الأدنى والأعلى ظاهر عليه فيشبه به في السلب ومنه قوله: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} ، أي في النزول لا في العلو.

ومنه: {أم نجعل المتقين كالفجار} أي في سوء الحال وإذا كان في المدح يشبه الأدنى بالأعلى فيقال: تراب كالمسك وحصى كالياقوت وفي الذم مسك كالتراب وياقوت كالزجاج.

السابعة: قد يدخل التشبيه على لفظ وهو محذوف لامتناع ذلك، لأنه بسبب المحذوف كقوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع} .

فإن التقدير: ومثل واعظ الذين كفروا فالمشبه الواعظ والمقصود تشبيه حال الواعظ منهم بالناعق للأغنام وهي لا تعقل معنى دعائه وإنما تسمع صوته ولا تفهم غرضه وإنما وقع التشبيه على الغنم التي ينعق بها الراعي ويمد صوته إليها وفيه وجوه:.

أحدها: أن المعنى مثل الذين كفروا كمثل الغنم لا تفهم نداء الناعق فأضاف المثل إلى الناعق وهو في المعنى للمنعوق به على القلب.

ثانيها: ومثل الذين كفروا ومثلنا ومثل مثلك الذي ينعق أي مثلهم في الإعراض.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م