تابع النوع السادس والأربعون
ج ٤ · ص ١٣
وعن أيمانهم وعن شمائلهم} فإن الجمع هناك يقابله كثير مما يريد إغوائهم فجمع لمقابلة الجملة بالجملة المقتضي لتوزيع الأفراد على الأفراد
ومنها: حيث وقع في القرآن ذكر الجنة فإنها تجيء تارة مجموعة وتارة غير مجموعة والنار لم تقع إلا مفردة وفي ذلك وجهان:
أحدهما: لما كانت الجنات مختلفة الأنواع حسن جمعها وإفرادها ولما كانت النار واحدة أفردت باعتبار الجنس ونظيره قوله تعالى {بأكواب وأباريق وكأس من معين} ولم يقل وكؤوس لما سنذكره
الثاني: أنه لما كانت النار تعذيبا والجنة رحمة ناسب جمع الرحمة وإفراد العذاب نظير جمع الريح في الرحمة وإفرادها في العذاب
وأيضا فالنار دار حبس والغاضب يجمع جماعة من المحبوسين في موضع واحد أنكد لعيشهم والكريم لا يترك ضيفه ولاسيما إذا كان للدوام إلا في دار مفردة مهيأة له وحده فالنار لكل مذنب ولكل مطيع الجنة فجمع الجنان ولم يجمع النار
ومنها: جمع الآيات في موضع وإفرادها في آخر فحيث جمعت فلجمع الدلائل وحيث وحدت فلوحدانية المدلول عليه لما يخرج عن ذلك ولهذا قال في الحجر {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} ثم قال {إن في ذلك لآية للمؤمنين} فلما ذكر صفة المؤمنين بالوحدانية وحد الآية وليس لها نظير إلا في العنكبوت وهو قوله: {خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية}
ج ٤ · ص ١٤
ومنها مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة بالجمع وأخرى بالتثنية وأخرى بالإفراد لاختصاص كل مقام بما يقتضيه
فالأول: كقوله: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب}
والثاني: كقوله: {رب المشرقين ورب المغربين}
والثالث: قوله: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو} فحيث جمع كان المراد نفي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وارتفاعها فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وارتفاعها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا ومقابلهما مغربا
وقيل: هو إخبار عن الحركات الفلكية متحركة بحركات متداركة لا تنضبط لخطة ولا تدخل تحت قياس لأن معنى الحركة انتقال الشيء من مكان إلى آخر وهذه صفة الأفلاك قال تعالى {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} الآية فهذا وجه اختلاف هذه الألفاظ بالإفراد والتثنية والجمع وقد أجرى الله العادة أن القمر يطلع في كل ليلة من مطلع غير الذي طلع فيه بالأمس وكذلك الغروب فهي من أول فصل الصيف في تلك المطالع والمغارب إلى أن تنتهي إلى مطلع الاعتدال ومغربه عند أول فصل الخريف ثم تأخذ جنوبا في كل يوم في مطلع ومغرب إلى أن تنتهي إلى آخر مثلها الذي يقدر الله لها عند أول فصل الشتاء ثم ترجع كذلك إلى أن تنتهي إلى مطلع الاعتدال الربيعي ومغربه وهكذا أبدا فحيث أفرد الله له لفظ المشرق والمغرب أراد به الجهة نفسها التي تشتمل الواحدة على تلك المطالع جميعها والأخرى على تلك المغارب من غير نظر إلى تعددها وحيث جيء بلفظ الجمع المراد به