تابع النوع السادس والأربعون
ج ٤ · ص ٣١
قلت: ليس من هذا قوله تعالى {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} وقوله {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا} لأن الإخبار عن أحدهما لوجود لفظه أو هي لإثبات أحد المذكورين فمن جعله نظير هذا فلم يصب إلا أن يدعي أن أو بمعنى الواو
وفي هاتين الآيتين لطيفة وهي أن الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على أحدهما أعاده في الآية الأولى على التجارة وإن كانت أبعد ومؤنثة لأنها أجذب لقلوب العباد عن طاعة الله من اللهو بدليل أن المشتغلين بها أكثر من اللهو ولأنها أكثر نفعا من اللهو أو لأنها كانت أصلا واللهو تبعا لأنه ضرب بالطبل لقدومها على ما عرف من تفسير الآية وأعاده في الآية الثانية على الإثم رعاية لمرتبة القرب والتذكر
الخامس: قد يذكر شيئان ويعود الضمير جمعا لأن الاثنين جمع في المعنى كقوله تعالى {وكنا لحكمهم شاهدين} يعني حكم سليمان وداود وقوله {أولئك مبرأون مما يقولون} فأوقع أولئك وهو جمع على عائشة وصفوان بن المعطل
البحث السادس: قد يثنى الضمير ويعود على أحد المذكورين كقوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} قالوا: وإنما يخرج من أحدهما وقوله {نسيا حوتهما} وإنما نسيه الفتى
ج ٤ · ص ٣٢
السابع: قد يجيء الضمير متصلا بشيء وهو لغيره كقوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} يعني آدم ثم قال {ثم جعلناه نطفة} فهذا لولده لأن آدم لم يخلق من نطفة
ومنه قوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} قيل نزلت في ابن حذافة حين قال: للنبي صلى الله عليه وسلم من أبي؟: قال: حذافة " فكان نسبه فساءه ذلك فنزلت {لا تسألوا عن أشياء} وقيل نزلت في الحج حين قالوا أفي كل مرة ثم قال وإن تسألوا عنها يريد إن تسألوا عن أشياء أخر من دينكم بكم إلى علمها حاجة تبد لكم ثم قال {قد سألها قوم من قبلكم} أي طلبها والسؤال عنها طلب فليست الهاء راجعة لأشياء متقدمة بل لأشياء أخر مفهومة من قوله {لا تسألوا عن أشياء} ويدل على ما ذكرنا أنه لو كان الضمير عائدا على أشياء مذكورة لتعدى إليها ب "عن" لا بنفسه ولكنه مفعول مطلق لا مفعول به وقوله تعالى {هو سماكم المسلمين من قبل} يتبادر إلى الذهن أن الضمير في قوله هو عائد لإبراهيم لأنه أقرب المذكورين وهو مشكل لا يستقيم لأن الضمير في قوله {وفي هذا} راجع للقرآن وهو لم يكن في زمن إبراهيم ولا هو قاله والصواب أن الضمير راجع إلى الله سبحانه يعني {سماكم المسلمين من قبل} يعني في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلكم وفي هذا الكتاب الذي أنزل عليكم وهو القرآن والمعنى جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وهو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا الكتاب لتكونوا أي سماكم وجعلكم مسلمين لتشهدوا على الناس يوم القيامة وقوله {ملة أبيكم إبراهيم} منصوب بتقدير اتبعوا لأن هذا