تابع النوع السادس والأربعون
ج ٤ · ص ٣٣
لناصب نصبه قوله {وجاهدوا في الله حق جهاده} لأن الجهاد من ملة إبراهيم وفي سورة يس موضعان توهم فيهما كثير من الناس:
أحدهما: قوله: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون} فقد يتوهم أن الضمير في هم راجع إلى الليل والنهار بناء على أن أقل الجمع اثنان وهو فاسد لوجهين أحدهما أن النهار ليس مظلما والثاني أن كون أقل الجمع اثنان مذهب مرجوح إنما الضمير راجع إلى الكفار الذين يحتج عليهم بالآيات و {مظلمون} داخلو الظلام كقولك مصبحون وممسون إذا دخلوا في هذه الأشياء والثاني: قوله تعالى {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} يظن بعضهم أن معناه مثل السموات والأرض وهو فاسد لوجهين أحدهما أنهم ما أنكروا إعادة السموات والأرض حتى يدل على إنكارهم إعادتهما بابتدائهما وإنما أنكروا إعادة أنفسهم فكان الضمير راجعا إليهم ليتحقق حصول الجواب لهم والرد عليهم الثاني لتبين المراد في قوله {ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى} فإن قيل إنما أثبت قدرته على إعادة مثلهم لا على إعادتهم أنفسهم فلا دلالة فيه عليهم قلنا المراد بمثلهم هم كما في قوله {ليس كمثله شيء} وقولهم مثلي لا يفعل كذا أي أنا وبدليل الآية الأخرى وقوله {والعمل الصالح يرفعه} قد يتوهم عوده على الله وليس كذلك
ج ٤ · ص ٣٤
وإلا لنصب العمل كما تقول قام زيد وعمرا يضربه وإنما الفاعل في يرفعه عائد إلى العمل والهاء للكلم قال الفارسي في التذكرة المنصوب في يرفعه عائد للكلم لأن الكلم جمع كلمة قال كلم كالشجر في أنه قد وصف بالمفرد في قوله {من الشجر الأخضر} وكذلك وصف الكلم بالطيب ولو كان الضمير المنصوب في {يرفعه} عائدا إلى العمل لكان منصوبا في هذا الوجه وما جاء التنزيل عليه من نحو {والظالمين أعد لهم عذابا أليما} والضمير المرفوع في {يرفعه} عائد إلى العمل فلذلك ارتفع العمل ولم يحمل على قوله {يصعد} ويضمر له فعل ناصب كما أضمرت لقوله {والظالمين} والمعنى يرفع العمل الصالح الكلم الطيب ومعنى يرفع العمل أنه لا يحبط ثوابه فيرفع لصاحبه ويثاب عليه وليس كالعمل السيء الذي يقع معه الإحباط فلا يرفع إلى الله سبحانه
الثامن: إذا اجتمع ضمائر فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف ولهذا لما جوز بعضهم في قوله تعالى {أن اقذفيه في التابوت} إلخ أن الضمير في {فاقذفيه في اليم} ل لتابوت وما بعده وما قبله لموسى عابه الزمخشري وجعله تنافرا ومخرجا للقرآن عن إعجازه فقال والضمائر كلها راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظر
فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل