تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

1 — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ٣٨ من ١٬٩٢٦.

1

ج ١ · ص ٣٧

قلت وهو مبني على أن ترتيب السور توقيفي وهذا الراجح كما سيأتي وإذا اعتبرت افتتاح كل سوره وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى كافتتاح سورة الأنعام بالحمد فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال سبحانه {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين}

وكافتتاح سورة فاطر ب {الحمد} أيضا فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله {وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل} وكما قال تعالى: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به وكافتتاح البقرة بقوله {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} إشارة إلى {الصراط} في قوله {اهدنا الصراط المستقيم} كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب

وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة وهو يرد سؤال الزمخشري في ذلك

وتأمل ارتباط سورة {لإيلاف قريش} بسورة الفيل حتى قال الأخفش: اتصالها بها من باب قوله {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}

2

ج ١ · ص ٣٨

ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتي قبلها لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة البخل وترك الصلاة والرياء فيها ومنع الزكاة فذكر هنا في مقابلة البخل {إنا أعطيناك الكوثر} أي الكثير وفي مقابلة ترك الصلاة {فصل} أي دم عليها وفي مقابلة الرياء {لربك} أي لرضاه لا للناس وفي مقابلة منع الماعون {وانحر} وأراد به التصدق بلحم الأضاحي فاعتبر هذه المناسبة العجيبة

وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح وسورة الكهف بالتحميد لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد يقال سبحان الله والحمد الله

وذكر الشيخ كمال الدين الزملكاني في بعض دروسه مناسبة استفتاحها بذلك ما ملخصه أن سورة بني إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء وهو من الخوارق الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول من عند الله والمشركون كذبوا ذلك وقالوا كيف يسير في ليلة من مكة إلى بيت المقدس وعادوا وتعنتوا وقالوا صف لنا بيت المقدس فرفع له حتى وصفه لهم والسبب في الإسراء أولا لبيت المقدس ليكون ذلك دليلا على صحة قوله بصعود السموات فافتتحت بالتسبيح تصديقا لنبيه فيما ادعاه لأن تكذيبهم له تكذيب عناد فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذي كذبوه

أما الكهف فإنه لما احتبس الوحي وأرجف الكفار بسبب ذلك أنزلها الله ردا عليهم وأنه لم يقطع نعمه عن نبيه صلى الله عليه وسلم بل أتم عليه بإنزال الكتاب فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ببعض بل عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م