تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ٨٨٧ من ١٬٩٢٦.

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام

ج ٢ · ص ٣٩٤

وقوله: {وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا} قيل: كان الأصل تكرار الصدق بلفظه فاستثقل التكرار للتقارب فعدل إلى ما يجاريه خفة ولتجرى المصادر الثلاثة مجرى واحدا خفة ووزنا إحرازا للتناسب

وأما قوله: {والله أنبتكم من الأرض نباتا. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} ففائدة {إخراجا} أن المعاد في الأرض هو الذي يخرجكم منها بعينه دفعا لتوهم من يتوهم أن المخرج منها أمثالهم وأن المبعوث الأرواح المجردة

فإن قيل: هذا يبطل بقوله تعالى: {نبتكم من الأرض نباتا} فإنه أكد بالمصدر وليس المراد حقيقة النبات

قلت: لا جرم حيث لم يرد الحقيقة هنا لم يؤكده بالمصدر الحقيقي القياسي بل عدل به إلى غيره وذلك لأن مصدر أنبت الإنبات والنبات اسمه لا هو كما قيل في "الكلام" و"السلام": اسمان للمصدر الأصلي الذي هو التكليم والتسليم وأما قوله: {وتبتل إليه تبتيلا} وإن لم يكن جاريا على تبتل لكنه ضمن معنى: بتل نفسك تبتلا

ومثله قوله: {وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} قال أبو البقاء: هو موضع تعاليا لأنه مصدر قوله: {وتعالى} ويجوز أن يقع مصدرا في موضع آخر من معناه وكذا قال الراغب قال: وإنما عدل عنه لأن لفظ التفاعل من التكلف كما يكون من البشر

ج ٢ · ص ٣٩٥

وأما قوله: {يوم تمور السماء مورا. وتسير الجبال سيرا} فقال بعضهم: الجملة الفاعلية تحتمل المجاز في مفرديها جميعا وفي كل منهما مثاله ها هنا أنه يحتمل إن المجاز في: {تمور} وأنها ما تمور بل تكاد أو يخيل إلى الناظر أنها تمور ويحتمل أن المجاز في السماء وأن المور الحقيقي لكنها وأهلها لشدة الأمر وكذلك الكلام في {وتسير الجبال سيرا} فإذا رفع المجاز عن أحد جزأي الجملة نفي احتماله في الآخر فلم تحصل فائدة التأكيد وأجيب بهذه القاعدة وهي أن {مورا} في تقدير "تمور" فكأنه قال: تمور السماء تمور السماء وتسير الجبال تسير الجبال فأكد كلا من الجزأين بنظيره وزال الإشكال

وأما قوله تعالى: {إلا أن يشاء ربي شيئا} فيحتمل أن يكون {شيئا} من تأكيد الفعل بالمصدر كقوله: بعت بيعا ويجوز أن يكون الشيء بمنزلة الأمر والتبيان والمعنى: إلا أن يشاء ربي أمرا أو وضع موضع المصدر وانظر كيف ذكر مفعول المشيئة وقول البيانيين: إنه يجب حذفه إذا كان عاما وأما قوله تعالى: {دكا دكا} فالمراد به: التتابع أي دكا بعد دك وكذا قوله: {صفا صفا} أي: صفا يتلوه صف ولو اقتصر على الواحد لا يحتمل صفا واحدا

وأما قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} فإن إضافة الزلزال إليها يفيد معنى ذاتها وهو: زلزالها المختص بها المعروف منها المتوقع كما تقول غضب زيد غضبه وقاتل زيد قتاله أي غضبه الذي يعرف منه وقتاله المختص به كقوله:

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م