تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٢٢٤ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٢١٧

{جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} والفرق أن الأولى حذفت الباء ففيها للاختصار استغناء بالتي قبلها وخرجت عن الأصل للتوكيد وتقدير المعنى كما تقول مررت بك وبأخيك وبأبيك إذا اختصرت.

ومنه قوله في قصة ثمود: {ما أنت إلا بشر مثلنا} وفي قصة شعيب: {وما أنت} بالواو، والفرق أن الأولى جرى على انقطاع الكلام عند النحويين واستئناف {وما أنت} فاستغنى عن الواو لما تقرر من الابتداء وفي الثانية جرى في العطف وأن يكون قوله: {وما أنت} معطوفا على {إنما أنت} .

ومنه قوله تعالى في سورة النحل: {ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون} وفي سورة النمل: {ولا تكن في ضيق} بإثبات النون وحكمته أن القصة لما طالت في سورة النحل ناسب التخفيف بحذف النون بخلافه في سورة النمل فإن الواو استئنافية ولا تعلق لها بما قبلها.

وقوله في البقرة: {فلا تكونن من الممترين} وفي آل عمران: {فلا تكن من الممترين} وحكمته أن الخطاب في البقرة لليهود وهم أشد جدالا.

ومنه قوله في الأعراف: {لست بربكم قالوا بلى شهدنا} وفي الأنعام: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} .

ج ٣ · ص ٢١٨

ومنه قوله تعالى في سورة البقرة {ويقتلون النبيين بغير الحق} 1 وفي سورة آل عمران {بغير حق} والحكمة فيه أن الجملة في آل عمران خرجت مخرج الشرط وهو عام فناسب أن يكون النفي بصيغة التنكير حتى يكون عاما وفي سورة البقرة جاء عن أناس معهودين وهو قوله تعالى {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق} فناسب أن يؤتى بالتعريف لأن الحق الذي كان يستباح به قتل الأنفس عندهم كان معروفا كقوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} فالحق هنا الذي تقتل به الأنفس معهود معروف بخلاف ما في سورة آل عمران

ومنه قوله تعالى في هود حاكيا عن شعيب {ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون} وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول لقريش {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون}

ويمكن أن يقال لما كررت مراجعته لقوم ناسب اختصاص قصته بالاستئناف الذي هو أبلغ في الإنذار والوعيد وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فكانت مدة إنذاره لقومه قصيرة فعقب عملهم على مكافأتهم بوعيدهم بالفاء إشارة إلى قرب نزول الوعيد لهم بخلاف شعيب فإنه طالت مدته في قومه فاستأنف لهم ذكر الوعيد

ولعل قوم شعيب سألوه السؤال المتقدم فأجابهم بهذا الجواب والفاء لا تحسن فيه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك جوابا للسؤال ولا يحسن معه الحذف

ومنه أنه تعالى قال في خطاب المؤمنين {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم}

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م