تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٢٤٩ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٢٤٢

ومنه قوله تعالى: {رب المشرقين ورب المغربين} ، {مشارق الأرض ومغاربها} ، ولذلك لما استغنى عن أحدهما ذكر المشرق فقد فقال: {ورب المشارق} {إنا زينا السماء الدنيا} .

ومنه قوله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة} وقوله: {وأنه هو أمات وأحيا} {وكنتم أمواتا فأحياكم} .

ويمكن فيه وجوه أخر:.

منها: أن فيه قهرا للخلق والمقام يقتضيه.

ومنها: أن حياة الإنسان كلاحياة ومآله إلى الموت ولا حياة إلا بعد الموت.

ومنها: أن الموت تقدم في الوجود إذ الإنسان قبل نفخ الروح فيه كان ميتا لعدم الروح.

وهذا إن أريد بالموت عدم الوجود بدليل {وكنتم أمواتا فأحياكم} وإن أريد به بعد الوجود فالناس منتازعون في الموت هل هو أمر وجودي كالحياة أولا؟.

وقيل بالوقف، فقالت الفلاسفة: الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا.

والجمهور على أنه أمر وجودي يضاد الحياة محتجين بقوله: {الذي خلق الموت والحياة} والحديث في الإتيان بالموت في صورة كبش وذبحه.

وأجيب عن الآية بأن الخلق بمعنى التقدير، ولا يجب في المقدر أن يكون وجوديا وعن الثاني بأن ذلك على طريق التمثيل لبيان انقطاع الموت وثبوت الخلود.

فإن قلنا: عدمي، فالتقابل بينه وبين الحياة تقابل العدم والملكة وعلى الصحيح تقابل التضاد وعلى القول بأنه وجودي يجب أن يقال تقديم الموت الذي هو عدم الوجود،.

ج ٣ · ص ٢٤٣

لكونه سابقا أو معدوم الحياة الذي هو مفارقة الروح البدني يجوز أن يكون لكونه الغاية التي يساق إليها في دار الدنيا فهي العلة الغائبة بعدم تحقيقها لتحقق فخص العلة العامة كما وقع تأكيده في قوله: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} أو تزهيدا في الدار الفانية وترغيبا فيما بعد الموت.

فإن قيل: فما وجه تقدم "الحياة" في قوله: {فيها تحيون وفيها تموتون} وقوله: {ومحياي ومماتي لله رب العالمين} ؟.

قلنا: إن كان الخطاب لآدم وحواء فلأن حياتهما في الدنيا سبقت الموت وإن كان للخلق بالخطاب لمن هو حي يعقبه الموت فما التقديم بالترتيب وكذا الآية بعده.

فإن قيل: فما وجه تقديم الموت على الحياة في الحكاية عن منكر البعث: {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} ؟.

قلت: لأجل مناسبة رءوس الآي.

فإن قلت: فما وجه تقدم التوفي على الرفع في قوله: {إني متوفيك ورافعك إلي} مع أن الرفع سابق؟.

قيل: فيه جوابان:.

أحدهما: المراد بالتوفي النوم، كقوله تعالى: {يتوفاكم بالليل} .

وثانيهما: أن التاء في "متوفيك" زائدة أي موفيك عملك.

ومنها سبق إنزال، كقوله: {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} . وقوله: {الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} .

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م