تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٢٩٠ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٢٨٣

النوع الثالث: ما قدم في آية وأخر في أخرى.

فمن ذلك قوله في فاتحة الفاتحة: {الحمد لله} وفي خاتمة الجاثية: {فلله الحمد} فتقديم "الحمد" في الأول جاء على الأصل والثاني على تقدير الجواب فكأنه قيل عند وقوع الأمر لمن الحمد ومن أهله فجاء الجواب على ذلك نظيره: {لمن الملك اليوم} ثم قال: {لله الواحد القهار} .

وقوله في سورة يس: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} قدم المجرور على المرفوع لاشتمال ما قبله من سوء معاملة أصحاب القرية الرسل وإصرارهم على تكذيبهم فكان مظنة التتابع على مجرى العبارة تلك القرية ويبقى مخيلا في فكره أكانت كلها كذلك أم كان فيها.. على خلاف ذلك، بخلاف ما في سورة القصص.

ومنها قوله في سورة النمل: {لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل} ، وفي سورة المؤمنين: {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل} ، فإن ما قبل الأولى {أإذا كنا ترابا وآباؤنا} وما قبل الثانية {أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما} ، فالجهة المنظور فيها هناك كون أنفسهم وآبائهم ترابا والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابا وعظاما ولا شبهة أن الأولى أدخل عندهم في تبعيد البعث.

ج ٣ · ص ٢٨٤

ومنها قوله في سورة المؤمنين: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا} ، فقدم المجرور على الوصف لأنه لو أخبر عنه - وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل عليه الموصوف وتمامه {وأترفناهم في الحياة الدنيا} - لاحتمل أن يكون من نعيم الدنيا واشتبه الأمر في القائلين أهم من قومه أم لا؟ بخلاف قوله في موضع آخر منها: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} فإنه جاء على الأصل.

ومنها قوله في سورة طه: {آمنا برب هارون وموسى} .

بخلاف قوله في سورة الشعراء: {رب موسى وهارون} .

ومنها قوله: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} ، وقال في سورة الإسراء: {نحن نرزقهم وإياكم} قدم المخاطبين في الأولى دون الثانية لأن الخطاب في الأولى في الفقراء بدليل قوله: {من إملاق} فكان رزقهم عندهم أهم من رزق أولادهم فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم والخطاب في الثانية للأغيناء بدليل: {خشية إملاق} فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم لأنه حاصل فكان أهم فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.

ومنها ذكر الله في أواخر سورة الملائكة: {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} فقدم ذكر السموات لأن معلوماتها أكثر فكان تقديمها أدل على صفة العالمية ثم قال: {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات} فبدأ بذكر الأرض لأنه في.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م