تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٣١٤
وقال السكاكي: إما ذلك وإما التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره.
البحث الثاني في أقسامه.
وهي كثيرة:.
الأول: الالتفات من التكلم إلى الخطاب.
ووجهه حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأنه أعطاه فضل عنايةوتخصيص بالمواجهة كقوله تعالى: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} ، الأصل: "وإليه أرجع" فالتفت من التكلم إلى الخطاب وفائدته أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه وهو يريد نصح قومه تلطفا وإعلاما أنه يريده لنفسه ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله.
وأيضا فإن قومه لما أنكروا عليه عبادته لله أخرج الكلام معهم بحسب حالهم فاحتج عليهم بأنه يقبح منه أنه لا يعبد فاطره ومبدعه ثم حذرهم بقوله: {وإليه ترجعون} .
لذا جعلوه من الالتفات وفيه نظر لأنه إنما يكون منه إذا كان القصد الإخبار عن نفسه في كلتا الجملتين وهاهنا ليس كذلك لجواز أن يكون أراد بقوله: {وإليه ترجعون} الخاطبين ولم يرد نفسه ويؤيده ضمير الجمع ولو أراد نفسه لقال: [نرجع] .
ج ٣ · ص ٣١٥
وأيضا فشرط الالتفات أن يكون في جملتين و [فطرني] [وإليه ترجعون] كلام واحد.
وأجيب بأنه لو كان المراد بقوله: [ترجعون] ظاهره لما صح الاستفهام الإنكاري، لأن رجوع العبد إلى مولاه ليس بمعنى أن يعبده غير ذلك الراجع فالمعنى: كيف أعبد من إليه رجوعي وإنما ترك [وإليه أرجع] إلى [وإليه ترجعون] لأنه داخل فيهم.
ومع ذلك أفاد فائدة حسنة وهي أنه نبههم أنهم مثله في وجوب عبادة من إليه الرجوع فعلى هذا الواو للحال وعلى الأول واو العطف.
ومنه قوله: {رحمة من ربك} عدل عن قوله: {رحمة منا} إلى قوله: {رحمة من ربك} لما فيه من الإشعار بأن ربوبيته تقتضي رحمته وأنه رحيم بعبده كقوله: {كلوا من رزق ربكم} .
وقوله: {ادعوا ربكم} {واعبدوا ربكم} وهو كثير.
وقوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله} ولم يقل: [لنغفر لك] تعليقا لهذه المغفرة التامة باسمه المتضمن لسائر أسمائه الحسنى ولهذا علق به النصر فقال: {وينصرك الله نصرا عزيزا} .
الثاني: من التكلم إلى الغيبة.
ووجهه أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب،.