تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٣٨٧ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٣٨٠

وقوله حكاية عن إبراهيم: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} فإنه لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه حيث لم يصرح فيه بأن العذاب لاحق له ولكنه قال: {إني أخاف} فذكر الخوف والمس وذكر العذاب ونكره ولم يصفه بأنه يقصد التهويل بل قصد استعطافه ولهذا ذكر [الرحمن] ولم يذكر [المنتقم] ولا [الجبار] على حد قوله:

فما يوجع الحرمان من كف حازم ... كما يوجع الحرمان من كف رازق

ومنه قوله تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} فإنه قد يقال: ما الحكمة في التعمير بالسخرية دون الاستهزاء؟ وهلا قيل: [فحاق بالذين استهزءوا بهم] ليطابق ما قبله؟.

والجواب أن الاستهزاء هو إسماع الإساءة والسخرية قد تكون في النفس ولهذا يقولون: سخرت منه كما يقولون: عجبت منه ولا يقال: تجنب ذلك لما في ذلك من تكرار الاستهزاء ثلاث مرات لأنه قد كرر السخرية ثلاثا في قوله تعالى: {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} ، وإنما لم يقل: [نستهزىء بكم] لأن الاستهزاء ليس من فعل الأنبياء.

وأما قوله: {الله يستهزئ بهم} فالعرب تسمي الجزاء على الفعل باسم الفعل كقوله: {نسوا الله فنسيهم} وهو مجاز حسن وأما الاستهزاء الذين نحن بصدده فهو استهزاء حقيقة لا يرضى به إلا جاهل.

ثم قال سبحانه: {فحاق بالذين سخروا منهم} ، أي حاق بهم من الله الوعيد.

ج ٣ · ص ٣٨١

لبالغ لهم على ألسنة الرسل ما كانوا به يستهزئون بألسنتهم فنزلت كل كلمة منزلتها.

وقوله: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} ولم يذكر الكعبة لأن البعيد يكفيه مراعاة الجهة فإن استقبال عينها حرج عليه بخلاف القريب ولما خص الرسول بالخطاب تعظيما وإيجابا لشرعته عمم تصريحا بعموم الحكم وتأكيدا لأمر القبلة.

قاعدة:.

إذا اجتمع الحمل على اللفظ والمعنى، بدئ باللفظ ثم بالمعنى، هذا هو الجادة في القرآن، كقوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا} أفرد أولا باعبتار اللفظ ثم جمع ثانيا باعتبار المعنى فقال: {وما هم بمؤمنين} فعاد الضمير مجموعا كقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} فعاد الضمير من [يدخله] مفردا على لفظ [من] ثم قال [خالدين] وهو حال من الضمير.

وقوله: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم} .

وقوله: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} .

وقوله: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} إلى قوله: {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} .

وقد يجري الكلام على أوله في الإفراد كقوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م