تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٤٠٤
يعني لا تغلبه فكأنه يقول لا يغلبه القليل ولا الكثير من النوم والأخذ في اللغة بمعنى القهر والغلبة ومنه سمي الأسير مأخوذا وأخيذا وزيدت [لا] في قوله: {ولا نوم} لنفيهما عنه بكل حال ولولاها لاحتمل أن يقال: لا تأخذه سنة ولا نوم في حال واحدة وإذا ذكرت صفات فإن كانت للمدح فالأولى الانتقال فيها من الأدنى إلى الأعلى ليكون المدح متزايدا بتزايد الكلام فيقولون: فقيه عالم وشجاع باسل وجواد فياض ولا يعكسون هذا لفساد المعنى لأنه لو تقدم الأبلغ لكان الثاني داخلا تحته فلم يكن لذكره معنى ولا يوصف بالعالم بعد الوصف بالعلام.
وقد اختلف الأدباء في الوصف بالفاضل والكامل أيهما أبلغ على ثلاثة أقوال:.
ثالثهما أنهما سواء قال الأقليشي: والحق أنك مهما نظرت إلى شخص فوجدته مع شرف العقل والنفس كريم الأخلاق والسجايا معتدل الأفعال وصفته بالكمال وإن وجدته وصل إلى هذه الرتب بالكسب والمجاهدة وإماطة الرذائل وصفته بالفضل وهذا يقتضي أنهما متضادان فلا يوصف الشخص الواحد بهما إلا بتجوز.
وقال ابن عبد السلام في قوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} إنما قدم الغيب مع أن علم المغيبات أشرف من المشاهدات والتمدح به أعظم وعلم البيان يقتضي تأخير الأمدح وأجاب بأن المشاهدات له أكثر من الغائب عنا والعلم يشرف بكثرة متعلقاته فكان تأخير الشهادة أولى.
وقول الشيخ: إن المشاهدات له أكثر فيه نظر بل في غيبه ما لايحصى: {ويخلق
ج ٣ · ص ٤٠٥
ما لا تعلمون} ، وإنما الجواب أن الانتقال للأمدح ترق فالمقصود هنا بيان أن الغيب والشهادة في علمه سواء فنزل الترقي في اللفظ منزلة ترق في المعنى لإفادة استوائهما في علمه تعالى. ويوضحه قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} فصرح بالاستواء.
هذا كله في الصفات وأما الموصوفات فعلى العكس من ذلك فإنك تبدأ بالأفضل فتقول: قام الأمير ونائبه وكاتبه قال تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} الآية. فقدم الخيل لأنها أحمد وأفضل من البغال وقدم البغال على الحمير لذلك أيضا.
فإن قلت: قاعدة الصفات منقوضة بالقاعدة الأخرى وهي أنهم يقدمون الأهم فالأهم في كلامهم كما نص عليه سيبويه وغيره.
وقال الشاعر:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم
قلت: المراد بقوله:" فقدم الأهم فالأهم "فيما إذا كانا شيئين متغايرين مقصودين وأحدهما أهم من الآخر فإنه يقدم وأما تأخر الأمدح في الصفات فذلك فيما إذا كانتا صفتين لشيء واحد فلو أخرنا الأمدح لكان تقديم الأول نوعا من العبث.
هذا كله في صفات المدح فإن كانت للذم فقد قالوا ينبغي الابتداء بالأشد ذما كقوله تعالى: {من الشيطان الرجيم} قال ابن النفيس: في كتاب.