تابع النوع السادس والأربعون
ج ٤ · ص ١١
ومن ذلك جمع الظلمات والنور {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}
ولذلك جمع سبيل الباطل وأفرد سبيل الحق كقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}
والجواب في ذلك كله أن طريق الحق واحد وأما الباطل فطرقه متشعبة متعددة ولما كانت الظلم بمنزلة طريق الباطل والنور بمنزلة طريق الجنة بل هما هما أفرد النور وجمع الظلمات ولهذا وحد الولي فقال {الله ولي الذين آمنوا} لأنه الواحد الأحد وجمع أولياء الكفار لتعددهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دين الحق
ومن ذلك أفرد اليمين والشمال في قوله {عن اليمين وعن الشمال عزين} وجمعها في قوله {وعن أيمانهم وعن شمائلهم} ولا سؤال فيه إنما السؤال في جمع أحدهما وإفراد الآخر كقوله تعالى: {يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله} قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلمة وإذا جمع ذهب إلى كلها والحكمة في تخصيص اليمين بالإفراد ما سبق فإنه لما كانت اليمين جهة الخير والصلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله {عن اليمين والشمائل}
ج ٤ · ص ١٢
وفيه وجوه أخر:
أحدهما: أن اليمين مقصود به الجمع أيضا فإن الألف واللام فيه للجنس فقام العموم مقام الجمع قاله ابن عطية الثاني: أن اليمين فعيل، وهو مخصوص بالمبالغة فسدت مبالغته جمعه كما سد مسد الشبه قوله {عن اليمين وعن الشمال قعيد} قاله ابن بابشاذ
الثالث: أن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول ثم يبدو كذلك ظلا واحدا من جهة اليمين ثم يأخذ في النقصان وإذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئا فشيئا والثاني فيه غير الأول فكلما زاد فيه شيئا فهو غير ما كان قبله فصار كل جزء منه ظلا فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال قاله الرماني وغيره
قال: ابن بابشاذ: وإنما يصح هذا إذا كانا متوجهين نحو القبلة
الرابع: إن اليمين يجمع على أيمن وأيمان فهو من أبنية جمع القلة غالبا والشمال يجمع على شمائل وهو جمع كثرة والموطن موطن تكثير ومبالغة فعدل عن جمع اليمين إلى الألف واللام الدالة على قصد التكثير قاله السهيلي
وأما إفرادها في قوله: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} فلأن المراد أهل هذه الجهة ومصيرهم إلى جهة واحدة هي جهة أهل الشمال مستقر أهل النار فإنها من جهة أهل الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة وأما إفرادهما في قوله: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} فإن لكل عبد قعيدا واحدا عن يمينه وآخر شماله يحصيان عليه الخير والشر فلا معنى للجمع بينهما وهذا بخلاف قوله تعالى ذاكرا عن إبليس: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم